مقالات

المنظر الذي يستنفر الدموع..!

د. محمود المسلماني/ لبنان
خاص “المدارنت”..
الناس في قلق واضطراب؛ فشبح “الكورونا” يعصف باستقرارهم، ويلزمهم منازلهم، فلا يغادرونها إلّا لضرورة ملحّة. قلّة من كسروا أقفال هذه المنازل، لا يثنيهم تخوّف أو حذر.
و”أبو ديب” واحد من هؤلاء. كانت أخبار الوباء والتحذيرات من خطورته تصطدم بصلابة استخفافه ولامبالاته، فيواجهها بكثير من السخرية والاستهزاء؛ لذلك فإنّه رغم كلّ ما ينهال عليه من ألوان التخويف والتحذير، لم يكن ليذعن للمطالبات بملازمة المنزل بعيدا عن ميدان نشاطه في الحقول والبساتين، حيث يلتقي أحبّته من أشجار وزروع ونباتات مختلفة.
هو فلّاح أصيل تفاعل مع الأرض منذ نعومة أظفاره، فتوطّدت ببنهما علاقة ودّ متبادل، لم تقطع وشائجها تطوّرات الحياة في عقودها الأخيرة.
كان الرجل نشيطا، يسعى خلف عمله مع خيوط الشمس الأولى، وحين تغيب يعود الى منزله، يتناول ما أعدّته أم ديب من طعام ريفيّ لذيذ؛ فإذا أتمّ طعامه، تحوّل لمجالسة أسرته في سهر قصير، ينتقل بعده الى فراشه، يدفن فيه أتعاب يومه لبعاود نشاطه في صبيحة يوم جديد.
لكنّ ليلته هذه لم تحمل إليه الراحة المعهودة. كان نومه متقطّعا، وقد تقلّب على فراشه تحت وطأة شعور بالحرارة والإرهاق، لم ينفع “البنادول” في تبديده، وتوفير الإرتياح المطلوب.
تحمّل الرجل أوجاعه صابرا، من دون أن ينبس بشكوى تتكدّر لها أسرته، فعندما سألته زوجته، حين أوى الى فراشه باكرا إن كان يشكو من شيء، أجاب: “شويّة تعب من هالشغل. بدّي ريّح هالعضمات”.
أمضى ليلته على جمر آلامه؛ لكنّ طبيعته كانت تأبى الاستسلام؛ فما أن كاد الشروق يرسل أنواره حتى ألقى بلحافه جانبا، ونهض يعدّ عدّة الذهاب الى البستان.
ولم يطل به الوقت حتى وصل، وشرع في زراعة شتول البندورة والخيار وتهيئة مساكب البقدونس والبصل والنعناع.
كان “بو ديب” يعمل بصعوبة بالغة؛ فالحرارة العالية التي انتابته ليلا، ما انفكّت تشيع الانحطاط في جسده وتهدّ قواه، والدوار الذي يرتجّ له رأسه ويشعره بالغثيان، وهذا السعال الجافّ الذي فاجأه هذا الصباح مضيفا الى معاناته ألما جديدا… كلّ ذلك كان يفقده الطاقة على المزيد من التحمّل، ويجعل من مواصلة العمل أمرا مستحيلا.
وبما تبقّى له من عزم، يقود دابّته الى جانب حائط حجريّ، يقف فوقه ويعتلي ظهرها ممدّدا على بطنه، فتسير به ناحية القرية بغير تباطؤ.
لم تكن مسيرة العودة سهلة على “بو ديب”؛ فالحرارة التي تتوقّد في جسده، والآلام الحادّة، والدوار الذي يعصف برأسه، ويهزّ توازنه… صعوبات تتخطّى لديه حدود التحمّل؛ فما أن تبلغ به الدابّة ساحة القرية حتى يهوي عن ظهرها، فيسقط أرضا؛ وهو على حال ببن الصحو والاغماء.
كان المشهد مفاجئا مثيرا للحزن والهلع؛ ففي الأجواء المشحونة بالخوف من وباء “الكورونا” كان من الطبيعيّ أن يتردّد الناس بين الإقدام والاحجام؛ فأبو ديب، من جهة، واحد منهم، له مكانته في قلوبهم، ومن جهة أخرى، فهم لا يفرّطون بحياتهم في خطوة غير مأمونة العواقب. ومع ذلك تحلّق حول الرجل عدد منهم، وفي طليعتهم زوجته وولده اللذان عمدا لمساعدته والانتقال به الى البيت.
كانت أعراض الإصابة واضحة؛ فقد بات الناس يحفظونها عن ظهر قلب. لم يطق الإبن ان يترك والده لمصيره المهدّد. هتف للاسعاف، فحضرت سيارته في غضون دقائق، وعندما شرعوا بحمله الى داخلها، كان يقاوم محاولاتهم بكلّ ما أوتي من قوّة. كان الرجل يصيح مرتعدا:
“لوين بدكن تاخدوني؟ بدّي ضلّ ببيتي. أنا ما بني شي. ما بدّي مستسفيات”.
قاوم ما استطاع، وشقّ الصياح حلقه، وبلّلت الدموع وجنتيه. وحاول الهرب، فلم تسعفه قدماه.
وأُدخل اخيرا الى سيارة الإسعاف، فانطلقت وعلى حمّالتها كتلة بشريّة يمزّقها الألم والعجز والإرهاق، ويجيش في داخلها مزيج من مشاعر الحزن والغضب والإستسلام.
كان يتكلّم صامتا، والحسرة تنهش قلبه: أين ستلقي بي هذه السيارة اللعينة؟ ماذا سيحلّ بي في تلك الدار الغريبة التي أُحمل إليها؟ هل سأعود لأرى زوجتي وولدي والاهل والجيران؟ هل ستكون لي فرصة العودة الى داري في القرية وملاقاة تلك الجنبات التي حضنت طفولتي وشبابي وكهولتي الغابرة في رحلة العمر؟ هل سيجمعني لقاء جديد بتلك الحبيبات من أشجار المشمش والتفاح، وسنابل القمح، وشتول الخضار الطازجة؟ هل سأعود لمعانقة هؤلاء، أم هي النهاية المرّة سترحل بي جثّة هامدة الى مثوى الآباء والأجداد؟
… وتبلغ سيارة الإسعاف مستسفى المدينة الجامعيّ، ويتمّ إدخاله الى المكان المخصّص لمثيلات حالته ، ويخضع للفحص المخبريّ، وتبدو النتيجة نقطة سوداء تحاصره بمخاوف كبيرة:
“كيف سيكون لرجل تخطّى عتبة السبعين أن ينجو من خطر كهذا؟! إنّ مناعتي – كما يقولون – ستكون أضعف بكثير”.
ولعلّ ما فاقم حالته سوءا هو اشتداد حدّة آلامه؛ فقد بدأ يعاني من ضيق في الصدر وصعوبة في التنفّس، ما أدّى الى إدخاله غرفة العناية المشدّدة.
هنا يبلغ التوتّر ذروته، وتضيق مساحة الأمل لديه. إنّه ليشعر أنّ الموت يتأهّب ليمسك بخناقه.
“وين أم ديب ؟ وين إبني؟ وين أهلي؟ بدّي شوفهن قبل ما موت”.
لم يقل له الطبيب إن ّ زوجته وولده في الحجر المنزليّ ولا يستطيعان الحضور لرؤيته، بل كان يكتفي ببثّ الأمل في نفسه، وإشعاره أنّه سيتعافى، وستعاوده صحّته مع الوقت.
لكنّ تطمينات الطبيب لم تكن لتصرف في الواقع؛ فالمعاناة تتزايد، والشعور بدنوّ الأجل يتواصل متصاعدا”. وما دام ذلك القادم المخيف يقترب، وما دام القبض على العنق وكتم الأنفاس مسألة وقت، وأنّ هذا الوقت، كما تنبئ المؤشّرات، لن يطول؛ فلماذا ينتظر أن يموت في هذا المكان الغريب وبين هؤلاء القوم الذين لم تألفهم حياته من قبل؟ أليس الأفضل ان يسلم الروح في داره وبين أهله وقريبا” من احبّائه في الحقول والبساتين؟
الجواب واضح لديه . والقرار ينتظر التنفيذ.
وبسرعة، نزع جهاز التنفّس، وأطلق لساقيه العنان، وانفلت هاربا، وهو يصيح: “تركوني بدّي موت ببيتي”.
كان المشهد مضحكا” مبكيا: “بو ديب” يحاول الهرب بكلّ ما تسعفه قدماه من امكانيّة الهرولة، والطبيب والممرّضون والموظّفون يجرون خلفه لإعادته.
لم تطل المطاردة؛ فما كاد الرجل يبلغ طريقا” ترابيّة بجوار المستشفى حنى سقط على وجهه أرضا.
كان منظره، ووجهه معفّر بالتراب، ويمناه تقبض على حفنة منه بقوّة، يستنفر الدموع في العيون العصيّة.
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى