مقالات

“النكتة” اللبنانية السوداء!

محمود القيسي/ لبنان

خاص “المدارنت”..

“نحتاج إلى الكثير من الكلمات البسيطة.. مثل: خبز، حب، خير.. حتى لا يفقد المكفوفون طريقهم.. نحتاج إلى الكثير من الصمت.. في الفضاء والأفكار.. حتى يمكننا أن نسمع الصوت الصامت.. الصوت الخجول.. للحمام والنمل والناس..وصراخهم المؤلم عند الظلم.. وسط كل ما ليس حباً.. ولا خيراً.. ولا خبزاً”.
هالينا بوشياتوفسكا

… “الخبز سرّ البقاء يعلمنا الشجاعة وقهر الظلم، وفي الوقت نفسه، غيابه يغرس في النفوس الذل والهوان، فما عاش بشر عزيزا إذا كان خبزه حافيا.
الخبز يعلمنا كيف نداعب أوتار الكمنجة والغيتار.. فالخبز الحافي لن يشعر بألمه لا الجائع ولا العاري (إنما المقهور من الظلم الحالك)”.. ما يزال لبنان يغوص في قواميس المحيطات.. قواميس النكتة السياسية السوداء، وبحورها وأنهارها، المادة ومستنقعاتها ذو المياه الآثمة والملوثة بحثاً عن الترياق.. ترياق الأسطورة.. ترياق عروس البحر النائمة في المحيطات البعيدة العميقة المسحورة، لعله يجد الطريق.. طريق الخروج من جهنم الموروثة من العهود الموروثة في بلاد الثقافات والهويات القاتلة الموروثة… طريق الخروج من ثياب الأولين الموروثة والبالية والمستعارة.. ثياب الآخرين الجاهزة والمجهزة.. طريق الخروج من ثقافات وعادات وميراث لا تشبهنا في حين نؤخذ في الشبهة والتشبيه القصري والوجوه المزيفة والمُقنّعةَ..الوجوه المتحجرة والردات على الأبواب..!؟
بعد أن ترك كنديد (إسم رواية تعني “التفاؤل”/ وCandide ou l’Optimisme للأديب الفرنسي فولتير). مذهب التفاؤل الذي علمه إياه معلمه الفيلسوف “بنغلوس” عن طريق التجارب المتكررة، أدرك أن المعاناة جانب أساسي في الحياة وأن مقولة: “أن هذا العالم أفضل العوالم الممكنة وأن كل شيء يحدث للخير”، مقولة ليست صحيحة تماماً.
وكان الحل الوحيد هو أن ينكب الإنسان على العمل عندما قال “مارتن” فيلسوف التشاؤم: “علينا أن نعمل من غير برهنة، فالعمل هو الوسيلة الوحيدة التي تطاق بها الحياة”.. نعم، التجارب المتكررة من الألم والخوف من الضوء والعتمة والصراخ والصهيل.. تجارب الصمت المتكرر والضوء الأعمى الذي لا يضيء حول القنديل.. والاختيار بين الأسوأ و الأسوأ في “رحابة” صدر يحمل بين ضلوعه قلب خبيث يرى ويسمع ولا يتكلم في تجارب حياة الصمت المطبق..!؟
… بهذه الطريقة يبدأ تيري ايغلتون برواية قصة عن تقرير المصير وصناعة التاريخ.. في الحقيقة نحن نبدأ بأن نكون نحن القصة.. فالحيوانات غير القادرة على الرغبة والعمل وابتكار أشكال من التواصل.. تميل إلى تكرار نفسها.. وحياتها محددة بدورات طبيعية.. وهي لا ترسم لنفسها -حكاية- ما يعنيه ماركس بالحرية.. والمثير للسخرية في نظره هو أنه مع أن تقرير المصير هذا هو من جوهر البشرية إلا أن غالبية الرجال والنساء عبر التاريخ كانوا غير قادرين على ممارسته.. لم يكن يسمح لهم بأن يكونوا بشريّين بالكامل.. بدلا من ذلك كانت حياتهم في أكثر نواحيها محددة بدورات كئيبة من المجتمع الطبقي.. لماذا كان ذلك على هذا النحو.. وكيف يمكن أن يصحح؟ هذا هو كل ما تدور حوله أعمال ماركس.. إنه كيفية تمكننا من الانتقال من (مملكة الضرورة إلى مملكة الحرية).. وهذا يعني أن نصبح بالأحرى نحن أنفسنا ولا نكون كالسناجب”..
الكائنات المفترسة دائما ما توصف بأنها حيوانات ضخمة أو كائنات قبيحة. لكن الكائنات الأكثر ضررا في الطبيعة لا تبدو قبيحة على الإطلاق، وهذا هو سر خطورتها. الانسان أحد هذه الكائنات وأخطرها على الإطلاق.. السناجب كائنات عدوانية وغير اجتماعية ،فهي تهاجم فور شعورها بتهديد او خطر، تؤذي الحدائق والحيوانات الاخري بالإضافة إلى ذلك فهي تهاجم بني فصيلتها لعدة أسباب مختلفة منها “التعدي على مناطقها الخاصة، سرقة طعام بعضها البعض، محاولة السيطرة على أعشاشها “، وتهاجم كل من يقترب منها حتي ولو لم يحاول إيذائها.. ودائماً ما تكون في وضع الدفاع وفي معظم الأحيان هي من تبادر بالهجوم.. تقوم بتخريب الأزهار حيث انها تتغذى عليها وعلى رحيقها ومن ثم تتلفها.. كائنات عدوانية من التشويه البيئي والطبيعي إلى التخريب من الشجر إلى الحجر.. من الشهية الغريبة إلى الإتلاف والتخريب الموصوف لكل ساكن ومتحرك.. كائنات موصوفة بمهاجمة صغار الطيور ومطاردة صغار الحيوانات الأخرى وسرقة طعام فصيلتها وتخريب منازلها… كذلك يفعل الأنسان.. الإنسان السنجاب، أو السنجاب الأنسان..!؟
سئل مرة أحد السياسيين”النكتجية” ممن يحبكون نكات “فن الممكن” السياسية السوداء: كم مرة مسموح للمواطن ان يروي ما يعرفه من نكات سياسية؟ فقال ثلاث مرات: يرويها أول مرة لأصدقائه، ثم يرويها ثانية عند استجوابه من قبل المخابرات، وأخيراً يرويها للمرة الثالثة لرفاقه السجناء في المعتقل… بين الإبكاء والإضحاك “للنكات السياسية دلالات”، حيث أن النكتة السياسية هي تلخيص مكثف لموقف يبرز ما فيه من تناقض أو مفارقة، وتتراوح بين الإبكاء والإضحاك، لأن النكتة السياسية السوداء هي صورة هذا الأخير، وإن جاء أحياناً بأسلوب السخرية من وضع مأسوي على طريقة “التراجيكو- ميدي”، أو “شرّ البليّة ما يضحك”، أو على طريقة ما يجري في لبنان من كوميديا سوداء تبدأ بالغزل ثم الهزل وصولاً إلى العزل الزمكاني والتصفية الوجودية على مسرح الكوميديا والنكات السياسية الرسمية اللبنانية السوداء.. على مسرح الواقع التراجيدي اللبناني بإمتياز!
أقدم نكتة مدونة تم العثور عليها على ورق بردي فرعوني، حيث يعود تاريخها إلى سنة 3200 قبل الميلاد (أي منذ 5208 سنة خلت)، وتقول هذه النكتة: كان أحد الكتبة يعمل في غرفة بمعبد “تحوت” فأزعجته الجلبة المنبعثة من الغرفتين اللتين تحيطان بغرفته، وكان يقيم في إحداهما نجار وفي الأخرى حداد، ولما أوشك أن يجن من الضوضاء قصد النجار ودفع إليه مبلغا من المال لكي يغادر غرفته إلى غرفة أخرى، ثم فعل ذلك مع الحداد، وقبل الرجلان، وفي اليوم الموالي انتقل الحداد إلى غرفة النجار وانتقل النجار إلى غرفة الحداد وظل الوضع على ما هو عليه ولم يتغير شيء!… في حين أن أحدث نكتة سياسية لبنانية متداولة في هذه الأيام التراجيدية، تقول: دخلت زوجة سياسي لبناني إلى متجر هارولدز الشهير في لندن، واشترت ثياب بمبالغ طائلة، فقال لها الشاب الواقف على صندوق الحساب، ما طبيعة عمل زوجك سيدتي كي تستطيعي دفع كل هذه النقود؟ أجابته بكل ثقة هو راعي أغنام، لديه أكثر من أربعة ملايين رأس غنم.. سألها بتعجب، كيف يطعمهم؟ فأجابته بهدوء: هو لا يطعمهم، هو فقط يحلبهم!!…
النكتة السياسية وسيلة من وسائل التعبير عن المعارضة السياسية ضد النظام الحاكم. هي وسيلة لمواجهة المزاعم السائدة والشائعة. ولكن لا توظف كمعارضة سياسية فقط وانما أيضا كفلسفة في فن النكتة السياسية، والسخرية عموماً، ضرباً من الأداء الفلسفي الذي يعمل على تثوير الوعي. وثورة الوعي هنا لا تقتصر على إظهار زيف الأفكار والمزاعم الرائجة والسائدة كما يعتقد الفيلسوف السلوفاكي سلافوي ججك وإنما أيضًا نقد بنية هذه الأفكار وبنية السلطات التي تنتجها وتكرسها على كافة المستويات.. لكن للآسف، أصبحت النكتة السياسية في بعض البلدان.. لبنان على سبيل المثال وسيلة من وسائل السلطة الحاكمة ضد الجماهير في النكات /القرارات السياسية السوداء التي تتخذها تلك السلطة ضد مصالح المواطن في ظل غياب قاتل لإي معارضة حقيقية والتي تصبح معها الجماهير الشعبية مجرد العوبة على مسرح دمى السلطة ومجرد نكتة سوداء يضحك لها الحاكم في مسرح الشعوب الغائبة عن وعي الضرورة والحرية. وتبعاً لذلك تصبح المفارقة التي تقوم عليها النكتة، وحركة العقل الذي يقود إليها التفكير السياسي والفلسفي في خدمة بقاء سلطة الأمر الواقع.. واقع المعارضة الغائبة، أو الغير موجدة في حقيقة الأمر على أرض الواقع!؟
النكتة السياسية السوداء في لبنان أضحت سلاح السلطة ضد الشعب.. أضحت تؤام ثنائية السلطة في النكتة السياسية الوجودية السوداء والتهكم علي الشعب – تهكم القرارات السياسية الكاذبة والقاتلة على ذلك الشعب… نكات السلطة السياسية السوداء التي تمارسها سلطة الأمر الواقع تاريخياً وأحزابها التاريخية.. من نكتة لبنان الكبير إلى نكتة كلنا للوطن للعلى للعلم.. من نكتة أرز الرب إلى نكتة لبنان وطن نهائي إلى جميع أبنائه.. من نكتة للعلى للعلم إلى نكتة قوة لبنان في ضعفه.. من نكتة لبنان بلد الرسالة الى نكتة الديمقراطية التوافقية إلى نكتة المحاصصة الطائفية.. من نكتة لبنان سيد حر إلى نكتة الشعب والجيش والمقاومة.. من نكتة الثامن من آذار إلى نكتة الرابع عشر من شهر شكرا سوريا والربيع اللبناني.. من نكتة المقاومة الإلهية إلى نكتة الترسيم الإلهي.. من نكتة وشبهة كلن يعني كلن إلى مختصر “التغيريين” التغربيين المشبوهين بالمختصر الغير مفيد.. من نكتة أنتهاء ولاية رئيس أخذنا إلى جهنم إلى مسرحية أنتخاب رئيس يعلم الله واميركا إلى اين يأخذنا.. من نكتة الليرة بألف خير إلى نكتة الدولار اللبناني ليس بخير.. من نكتة منصات الخطابات الرنانة والصواريخ المنصوبة في إتجاه حيفا وما بعد بعد حيفا إلى نكتة منصات أطلاق صواريخ أرتفاع الدولار أعلى وأعلى في سماء الشعب اللبناني.. من نكتة طائرات المسيرات الدرون بدون طيار إلى وطن أصبح يدور حول نفسه حتى السقوط بدون طيار وطيران.. من نكتة لبنان يا قطعة سماء إلى جنون أنفجار، أو تفجير بيروتشيما “النووي” الأسود.. إلى وطن أصبح لا شيء، مجرد جثة هامدة تنتظر موعد الدفن.. تنتظر موعد الدفن الصامت في مقبرة شهداء التاريخ!
أيعقل أن تكون الإنسانية بصدد الانحطاط؟أم تراها كانت منحطة دوما؟ الثابت في الأمر هو أنها ظلت لا تلقن سوى قيم الانحطاط كقيم أسمى. إن أخلاقيات “نكران الذات” هي أخلاق الانحطاط بإمتياز; حالة “أنا أهلك” مترجمة إلى أمر وجوب: “عليكم جميعاً أن تهلكوا” – وليس فقط على مستوى صيغة الأمر المبدئية!… هذه الأخلاق الوحيدة التي ظلت تلقن حتى الآن; أخلاق التجرد من الذات. ومع ذلك يظل الاحتمال وارداً بأن ليست الإنسانية بكليتها مصابة بالانحلال, بل فقط ذلك الرهط الطفيلي من البشر; رهط قساوسة الفكر الاجتماعي الديني السياسي والاقتصادي والمالي والتكنولوجي.. الذي إستطاع بواسطة “قناع” الأخلاق أن ينتحل له صفة مقرر القيم, والذي أستشف في الأخلاق الدينية وسيلة لممارسة السلطة. وفي الواقع, هذه هي رؤيتي يقول (نيتشة): إن المعلمين وقادة البشرية في مجملهم “قساوسة”, وهم أيضا منحطون في مجملهم; من هنا كان إنقلاب القيم إلى معاداة للحياة. ومن هنا كانت الأخلاق … تعريف الأخلاق: الأخلاق هي الحساسية المرضية للمنحط مع (النية الخفية) في الانتقام من الحياة – وقد تم ذلك بنجاح!

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى