مقالات

الهوية السودانية بين الغابة والصحراء “1 ـ 2”

د. علي ابراهيم* / السودان

//خاص المدارنت//… السودان بموقعه المميز في قلب القارة الإفريقية، يشكل معبرا مهما لكل ما هو قادم من الشمال الإفريقي والشرق الآسيوي، إلى جنوب وغرب وشرق القارة السمراء. ويحتل مساحة تقدر بـ1886000 كلم مربع، تجعله في المرتبة 35 عالميآ و4 عربيآ.

على أرضه نشأت أعرق الحضارات العالمية على الإطلاق، وهى الحضارة النوبية وعاصمتها كرمة، والتي تؤرخ على أنها أول عاصمة لأول دولة فى العالم، ونظامها الملكي هو الأقدم في التاريخ البشرى. شيّدت هذه الحضارة  المعابد والاهرامات، وعرفت الصناعة والتجارة واستخدمت الحديد ومعادن أخرى، كأدوات متعددة الأغراض والإستخدام، وكتبت بلغتها قبل اللغة الفرعونية المصرية بعدة قرون .

وامتد حكم الفراعنة السودانيين إلى مصر، فحكموها مئات السنين، وتواصل حكمهم وبلغ فلسطين في العام 3050 قبل الميلاد. وفي عام 1924 عثر في مدينة سنجة الواقعة على النيل الأزرق على أقدم الهياكل البشرية في العالم، وهو يعرف بـ(إنسان سنجة) الموجود في المتحف البريطاني،  ودلت الدراسات إلى أنه يعود إلى العصر الحجري، أي إلى قبل أكثر من 160000 سنة، مما يؤكد بالدليل القاطع أن الإنسان الأول عاش على هذه الأرض، كما تشير خارطة النموّ البشرى الموجودة في المتحف الطبيعى في مدينة ملبورن الأسترالية.

فى عام 1504 تأسست دولة السلطنة الزرقاء، والتي عرفت كذلك بالدولة السنارية، منسوبة إلى عاصمتها مدينة سنار، نتيجة تحالف بين قبائل الفونج الزنجية على النيل الأزرق، بقيادة عمارة دنقس وقبائل العرب في وسط وشمال السودان بقيادة عبد الله جماع، كأول دولة إسلامية وعربية تجسد الواقع الجغرافي والعرقي، جذورها أفريقية وجوهرها وملامحها عربية. وشكلت النواة الأولى للسودان بحدوده الحالية.

وظلت هذه السلطنة متماسكة وقوية حتى عام 1821، وبذلك  تعتبر فترة حكمها هي الأطول لدولة عربية ـ إسلامية بعد سقوط الأندلس.

في العام 1881 قاد الإمام محمد أحمد المهدي – القادم من الشمال النوبي – ثورة شعبية مسلحة ضد الحلم التركي ـ المصري، والمدعوم من بريطانيا، واستطاع أن يجمع حوله رجالا من معظم أقاليم وقبائل السودان، في تحالف وتآزر بديع، إختفت خلاله كل الفوارق الإثنية والجهوية وتوحدت الإرادة و الرؤية والرسالة.

وكانت الثورة تهدف في المقام الأول، الى رفع مظالم ما يعرف الآن (بالسلطة التركية السابقة) وإسقاطها، ومن ثم إقامة دولة إسلامية على هدي الخلافة الراشدة، تتعدى حدود السودان شمالا إلى مصر وشرقا إلى الحبشة، غربا إلى ليبيا ودول الغرب الإفريقي، تحمل وتبشر بعالمية الدعوة الإسلامية.

بعد معارك عنيفة وخاطفة في مواقع الوجود الإستعماري، وصلت الى الخرطوم، التى سقطت بمقتل القائد الإنجليزي الشهير غردون فى عام 1885. وأعلن عن الدولة المهدية، التى اتخذت مدينة أم درمان عاصمة لها. وبعد أشهر وافت المنية الإمام المهدي، فخلفه عبد الله التعايشي، وكان رجلا ضيق الأفق، وتكالبت عليه عدة عوامل لم يحسن التعامل معها، وأدت في النهاية إلى تفكك الدولة الوليدة، وإنتهت بالغزو الانجليزي، وهزيمتها في معركة كررى في عام 1889.

ومنذ ذلك التاريخ، بدأت حقبة جديدة من عصر الإستعمار البريطاني في السودان، الذى مارس سياسته المعروفة (فرق تسد)، وضرب عناصر القوة المادية والمعنوية للشعب، وإعلاء عناصر الهدم والخنوع. فقام بحملة ممنهجة في شيطنة العرب والمسلمين لدى القبائل الزنجية، ومحاربة التعليم الديني في الخلاوي، وتقديم قدر مبسط من التعليم الابتدائي والأوسط لأبناء المركز، في تجاهل متعمد في تعليم أبناء الأطراف، وسعى إلى خلق مراكز قوى في الأقاليم، من زعماء القبائل، مقدماً العصا والجزرة. وفصل الجنوب إداريا، وجعل منه منطقة مقفولة لا يمكن العبور إليها إلا بإذن خاص. واستغل واقع العرق الزنجي في الجنوب، في بث روح الكراهية والحقد تجاه الشمال العربى، بروايات وقصص مختلقة، ومكّن الإرساليات المسيحية، وأطلق يدها في التنصير والتبشير، وضيّق الخناق على العرب والمسلمين.

هذا الواقع الجديد، قاد إلى بروز طبقة نيرة من السياسيين والأدباء والكتاب والشعراء والمبدعين، ذوي الثقافة العربية، والانتماء بالكامل الى الأمة العربية، في الجوهر والمظهر، كردة فعل طبيعية لمحاولة الاستعمار في طمس الهوية الإسلامية والعربية، وعزل السودان عن محيطه العربي والإسلامي. وتشكلت مدارس فكرية، مرتبطة ارتباطا وثيقا بمدارس فكرية في مصر والمشرق والمغرب العربيين. وكانت هذه المدارس، نواة لحركة ثقافية وفكرية عارمة ذات أهداف وتطلعات وطنية، انتظمت في معظم مدن السودان الكبرى، ومن رحمها، ولد معظم السياسيين والشعراء والأدباء، الذين قادوا حركة الخرّيجين في نهاية ثلاثينات القرن الماضي، التى إنتهت إلى تكوين الأحزاب السياسية، التي قادت بدورها إلى إستقلال السودان في مطلع عام 1956.

فى السودان المعاصر، تعيش فسيفساء من السحنات من  القبائل العربية والزنجية، والغالبية هي هجين بين هذه وتلك. وعددها يصل إلى ما يقارب 570 قبيلة، مقسمة إلى 57 فئة إثنية، يتحدثون حوالى 114 لهجة محلية، ويشتركون جميعا فى التحدّث باللغة العربية الدارجة السودانية. وهذا التنوع العرقي والثقافي، كان له الأثر الإيجابي في مرحلة ما بعد الإستقلال، وقدم دفعة مهمة أثرت  في مواطن الإبداع شعراً و نثراً و تشكيلاً، في تلاقح جامع ومزهر للنسيج الاجتماعي في البلاد.

ولم تكن الهوية الوطنية السودانية هما أو شاغلا لقادة السودان بعد الإستقلال. وكان الإنتماء العربي  والإسلامي  أمرا لا جدال حوله، ويعتبر من البديهيات المسلمات بهما. وقد تكون هناك بعض الأصوات الخافتة، التى تهمس على استحياء في الخفاء.

وأول ظهور للعلن يخاطب مسألة الهوية السودانية، كان في عام 1962 في مدرسة الغابة والصحراء . وهى حركة شعرية ثقافية تمازج بين العنصر العربى، ويرمز له بالصحراء والعنصر الإفريقى ويرمز له بالغابة . ومن أبرز مؤسسيها النور عثمان أبكر،  محمد عبد الحي، محمد المكي إبراهيم،  يوسف عيدابى، إسحاق إبراهيم، عبد الله شابو، علي المك، مصطفى سند وصلاح أحمد إبراهيم. وهذه المدرسة كانت صيحة في واد، ذهبت أدراج الرياح، ولم تترك اثرا ظاهرا، وخلفت إرتدادات أشبه بما يحدث بعد زلزال عنيف، ولقد تعرضت لانتقادات جمّة، لغلوّ الطابع اليسارى عليها، وعدم توافقها على تعريف محدد للهوية.

بعضهم كان يميل إلى إعلاء الأثر والتأثير الإفريقى كالنور عثمان أبكر، وبعضهم يغلب الأثر العربى كصلاح أحمد إبراهيم، وآخرون يميلون إلى الهجين كمحمد المكي إبراهيم، كما جاء في قصيدته الشهيرة “بعض الرحيق أنا والبرتقالة أنت لله يا خلاسية”. والتي يقول في بعض أبياتها  “يا بعض زنجية يا بعض عربية وبعض أقوالي أمام الله”.

وكتب هؤلاء الشعراء والأدباء شعرا ونثرا راقيا بلغة عربية مبينة ورصينة وزينوها بمفردات ومقولات وتعابير من الموروث الشعبي واللغوي المحلّي،  في تناسق جميل وغير مخلّ للفصحى أو للعامية الدارجة. وهذا التداخل المحبب بين اللهجة واللغة، ليس فيه خروج عن المألوف في الأدب العربي، ولا يدل علي هوية غير عربية. فالقاص المصري يحيى حقي جسّد هذا النهج القويم، وعبّر عنه في روايته “قنديل أم هاشم”. وكذلك نحى نحوه الأديب العالمي نجيب محفوظ، في تناوله لشخوص ومسارح رواياته.

وأديبنا السودانى الطيب صالح، جعل من رواياته صورة ناطقة عن الريف السودانى، بتوصيف دقيق بريشة فنان، آخذ فيه العامية في عزف متناسق مع الفصحى. وشاعر إفريقيا محمد الفيتوري، الذى طالما تغنى بها ولها في معظم قصائده، ظل قوميا عربيا، ولم يتنكر لعروبته في يوم من الأيام.

أثار مقالي المنشور في “المدارنت” قبل فترة بعنوان: “الوحدة العربية بين الواقع والأم”، ردودا متباينة بين السودانيين. وكانت في غالبيتها سلبية تجاه الوحدة العربية، وتميل إلى التقوقع في الإطار القطري،  بعضها يدعو إلى قطيعة كاملة مع العرب، ويدعو الله أن يكفينا شرهم وتآمرهم.

كتب أحدهم: “نحن مع العرب، وتجمعنا المشاعر والأهداف، ولكني لا أؤمن بالوحدة العربية”. وكتب آخر: “نحن أفارقة أصلا، ولا يهمّنا توحّد العرب أو تفرقهم”. وكتب لي صديق ثالث، أعرفه جيدا، وهو مناضل وناشط سياسي معروف، قائلاً: “لقد تصالحت مع نفسي، وتخلصت من وهم عروبتي، وأنا الآن أكثر تناسقا من الناحية النفسية، من حيث اللون والشكل والجينات . فقد وجدت قناعتي بأني سوداني وأفريقي، ناطق بالعربية، وثقافتي أفريقية، ممزوجة بشيء من الثقافة العربية والإسلامية بحكم الجوار”. وكتب رابع: “العرب لا يعترفون بنا بحسباننا أفارقة، والأفارقة لا يعترفون بنا بحسباننا عربا، وأصبحنا هكذا كالنعامة، لا طائر ولا جمل”.

بقية الردود على هذا المنوال، الذي يشكل ردة على الإنتماء العربي والإلتزام القومي لدى السودانيين، والذي كان يهتف على الدوام: “جيش عربي واحد شعب عربي واحد”. ويعبّر عن إنقلاب فى المفاهيم والمبادئ والقيم، التي تخلّقت وتشكلت مع نشأة الدولة السودانية الحديثة، التي أسّسها ورعاها وحافظ عليها جيل الإستقلال .

إن هذا التطور السلبي في مفهوم الوحدة العربية والإنتماء القومي، جعل قضية الهوية السودانية حاضرة بقوة، تطرق الأبواب بعنف فى عالم متحرّك نحو المجهول، وفي إقليم تمزقه الحروب والنزاعات والتناحر، وأصبح مسرحاً تصفّى  فيه الخلافات الدولية .

ونحن نعيش الآن ثورة، نأمل أن تصل إلى مبتغاها في نظام ديموقراطي، تسوده الحرية والسلام والعدالة.

وهذا التطور لم يحدث بغتة وإنما نتيجة تراكمات ومسببات ومبررات، نمت وترعرعت في العقود الثلاثة الأخيرة. والتي كانت لها أرضية نتنة خفية منذ الفترة الإستعمارية، إستغلها النظام الظلامي  للإخوان المسلمين، فأزكى نار الفتنة والفرقة بين القبائل العربية والزنجية وأعلى روح القبلية والجهوية . وأشعلها حربا دينية قادت إلى إنفصال الجنوب، وحربا عرقية تآكل الأطراف في جنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور.

هل هذا التحوّل في مفهوم الوطنية والقومية والإنتماء الجغرافي شأن سوداني  خالص؟ أم له امتداد وتواصل مع محيطه العربي والإفريقي؟ وهل أسبابه ودواعيه ومنطلقاته وأهدافه موضوعية وعميقة ومجذرة، أم هي سطحية وطافية على سطح من الأوهام والخيال، ومسنود على الواقع العربي المزري، ويمكن التغلب عليها وإزالتها، والعبور بمستقبل السودان إلى موقعه الطبيعي المؤثر إيجابيا في العالم العربي، كما حدث عام 1967، في مؤتمر اللاءات الثلاث في الخرطوم. هذا ما سأجيب عليه في الجزء الثاني من هذا المقال.

*ناشط سياسي

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى