مقالات

تأخير الاستشارات خرق للدستور..

ممتاز سليمان*/ لبنان

خاص “المدارنت”..

في خضم الأزمة التي عصفت وتعصف مؤخراً بلبنان، والتي جاءت نتيجة الإنتفاضة الشعبية العارمة وغير المسبوقة في تاريخ البلاد، وما نتج عنها من استقالة لرئيس الحكومة، وتاليا الحكومة، تحت ضغط الشارع واستجابة لمطالب المحتجين. طفت على السطح جملة من الجدليات والطروحات الدستورية، المتمحورة تحديدا حول مقاربة رئاسة الجمهورية للإستقالة وتداعياتها.

هذا الواقع الجديد، حمل مادة دسمة للأخذ والردّ من مختلف الجهات، ووصل الى حدّ اتهام سلطة أو طائفة، بمحاولة السطو على صلاحيات سلطة أو طائفة أخرى.

إزاء هذا الواقع المشوش، لا بدّ من توضيح الأمور موضوعيا من الوجهة الدستورية البحتة، بمعزل عن الإسقاطات السياسية، التي أدلى بها كل طرف، خدمة لوجهة نظره ومصالحه. وعليه، سنتعرض تباعاً لكل خطوة من الخطوات، والتعليق عليها من وجهة نظر الدستور.

بالنسبة لإستقالة رئيس الحكومة.
أ – في شكل الإستقالة. لم يفرض الدستور اللبناني شكلا إحتفالياً أو طقوسا معينة تترافق مع استقالة رئيس الحكومة، وتكون بالتالي، عنصرا جوهريا شكليا، يؤثر على دستوريتها في حال عدم مراعاتها او الأخذ بها.

فالدستور مثلاً، لم ينص على وجوب أن تكون الاستقالة خطية، أو أن تصدر من مكان محدد، كما أنه لم ينص على وجوب تسليمها الى مرجع او جهة بذاتها، كرئيس الجمهورية على سبيل المثال. وبالتالي، فإن قيام رئيس الحكومة المستقيل بحمل كتاب الإستقالة الى رئيس الجمهورية، وتسليمه له، لا يعدو كونه من باب اللياقات، التي لا قيمة دستورية لها سواء حصلت أم لم تحصل.

وعليه، فإن الموقف الصادر عن رئاسة الجمهورية، عقب تسلم كتاب إستقالة الحريري، لناحية دراستها، وعدم المبادرة فورا الى إصدار مرسوم اعتبارها مستقيلة، يُعد مخالفة دستورية، وابتداعاً لصلاحية ليست موجودة في الدستور.

ب – بالنسبة لمفاعيل الإستقالة.
تنص المادة ٦٩ من اادستور في فقرتها الأولى، على أنه “تعتبر الحكومة مستقيلة في الحالات التالية: اذا استقال رئيسها..”.

يُستفاد من هذه المادة، أن الإستقالة، أيّ استقالة الحكومة، تعتبر نافذة وناجزة ونهائية مجرد إعلانها، وهذا ما يُستقى صراحة من فعل “يُعتبر”، بما يفيد بعدم تعليق هذه الإستقالة على أيّ أمر أو شرط.

هذا، مع الإشارة الى أن هذه الصلاحية جاءت بعد اتفاق الطائف، تعزيزا لموقع رئاسة الحكومة، وعدم اعتبار رئيس الحكومة أولا بين مُتساوين، بل جعلت منه لاعبا أساسيا في اللعبة السياسية الدستورية، لناحية منحه صلاحية إسقاط الحكومة والإطاحة بها.

وبناء عليه، وبعد استقالة الحكومة، لا مجال للحديث عن الرجوع عنها او إعادتها الى الحياة، أو أن يبادر رئيس الجمهورية إلى التريّث في قبولها أو رفضها، او التمنّي على رئيس الحكومة التريّث، وسواه، وإن أيّ اجتهادات تصب في هذا المضمار، ليست سوى بدعاً وتعدياً على صلاحيات مقام رئاسة الحكومة.

ج – بالنسبة لما بعد الإستقالة.
قلنا أنه فور استقالة رئيس الحكومة تعتبر الحكومة مستقيلة حكما ونهائياً، بمعنى وجوب الإنتقال الى الخطوة التالية، التي نصّ عليها الدستور بعد الاستقالة، ألا وهي الإستشارات النيابية الملزمة.

تنصّ المادة ٥٣ من الدستور في فقرتها الثانية، على أنه “يُسمّي رئيس الجمهورية رئيس الحكومة المكلف، بالتشاور مع رئيس مجلس النواب، استناداً الى استشارات نيابية ملزمة..”.

هذد المادة واضحة، بما لا يحتمل اللبس والتأويل، لناحية وجوب مبادرة رئيس الجمهورية وفور الإستقالة، الى القيام باستشارات نيابية ملزمة، لتسمية رئيس الحكومة، وهنا لا بدّ من التوقف ملياً عند كلمتين هامتين في هذه المادة الأولى، “المكلف” والثانية “ملزمة”.

واضح، أن من يتولّى إنتاج الرئيس العتيد للحكومة، او الرئيس المكلف هم النواب، من خلال عملية إيداع إسم الشخصية التي يرغبون بتسميتها لتولي رئاسة الحكومة لدى رئبس الجمهورية، الذي يعمد بعد عملية حسابية، الى تسمية الشخصية التي حازت على أكبر عدد من أصوات النواب رئيساً للحكومة، بحيث يقتصر دوره على هذه المهمة فقط.

وبالتالي، يكون مجافياً للدستور أيّ كلام معاكس، يتحدث عن حق رئيس الجمهورية في تأخير تعيين موعد الإستشارات النيابية، والتذرّع ببدعة أخرى لخرق الدستور، تتمثل في الحاجة ا ىمشاورات ومفاوضات، تحت ذريعة أن الدستور لم يلزم الرئيس بمهلة، للبدء في تلك الإستشارات، لأن مقصد الدستور من تلك المادة حصراً، هو تحديد هوية الرئيس المكلف من قبل النواب، بواسطة رئيس الجمهورية.

هذه عملية لا تحتاج إلى مشاورات او تريّث او ترتيبات، ما يجعل من التأخير من قبل رئاسة الجمهورية في المبادرة الى تعيين موعد للإستشارات، كما هو حاصل حاليا، لناحية مرور سحابة أسبوعين من دون المباشرة بها، وفي ظل الحديث عن مشاورات واتصالات، هدفها تحديد شكل الحكومة المقبلة، ليصار بعدها الى تسمية الرئيس المكلف، يرقى الى مستوى الهرطقة الدستورية، والإنتهاك الصارخ للدستور. ودليلنا على ذلك، كلمة المكلف التي وردت في نفس الفقرة، التي تنص على الإستشارات النيابية الملزمة.

د – رئيس الحكومة المكلف، هو من يتولى تشكيل الحكومة منفردا. وقد قرن الدستور في المادة ٥٣ صفة المكلف بشخص رئيس الحكومة، المتمخض عن الاستشارات النيابية الملزمة، ما يطرح التساؤل التالي: “مُكلّف” بماذا؟!

إن كلمة مُكلّف، التي قرنتها المادة ٥٣ برئيس الحكومة العتيد، تعني أنه مُكلّف بتشكيل الحكومة، وهذا ما أكدت عليه لاحقا وصراحةً المادة ٦٤ من الدستور في فقرتها الثانية، التي أوردت أن الرئيس المكلف “يجري الإستشارات النيابية لتشكيل الحكومة”.

إذن، الدستور قد حصر استشارات تأليف الحكومة برئيس الحكومة المُكلّف بهذه المهمة، ايّ مهمة التشاور مع القوى السياسية الممثلة في مجلس النواب، توصلاً الى تشكيلة حكومية.

وعليه، إن كل ما يجري اليوم من تأخير للإستشارات، والقول صراحة أن رئيس الجمهورية يجري مشاورات لتحديد ملامح رئيس الحكومة والحكومة العتيدين، لا يعدوان كونهما خرقاً واضحا للدستور، وافتئاتاً ساطعاً على صلاحيات رئيس الحكومة.
*  محام.

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى