تصدّع في طهران.. استنزاف السلطة وآفاق التغيير الجيو/ سياسي!

خاص “المدارنت”
قراءة تحليلية معمّقة في بنية الأزمات البنيوية لنظام ولاية الفقيه وتداعياتها على معادلات الأمن الإقليمي والدولي.
مقدمة في تأزم المشروع السياسي الإيراني
يمرّ نظام ولاية الفقيه في إيران بمرحلة حرجة تُعد من أخطر مفاصل وجوده السياسي والتاريخي منذ تأسيسه. تشير المعطيات الموضوعية والتقارير الميدانية المستقلة إلى أن السلطة في طهران تواجه أزمات بنيوية عميقة لا تقتصر على البعد الاقتصادي فحسب، بل تمتد لتشمل انقسامات حادة داخل هرم القرار السياسي، وتآكلاً متسارعاً في شرعية النظام الداخلية. وفي المقابل، تتصاعد ديناميكيات التغيير المنظم بقيادة القوى المعارضة، ما يضع المنطقة والعالم أمام مرحلة انتقالية محتملة تعيد صياغة موازين القوى في الإقليم.
سياسة الإعدامات الجماعية.. مؤشرات الذعر المؤسسي
في قراءة تحليلية لآليات بقاء النظام، يشكل تصاعد وتيرة الإعدامات الجماعية في الشارع الإيراني دلالة ساطعة على حالة الهلع الأمني التي تعتري دوائر صنع القرار. لقد وثقت منظمات حقوقية مستقلة وتقارير ميدانية إعدام العشرات من السجناء السياسيين، من بينهم الشاب مهدي خانكي، فضلاً عن المخاوف الجدية على حياة المعتقلين مثل أمير حسن أكبري منفرد. إن اللجوء المفرط إلى العنف المنهجي والبطش لا يعكس قوة صلبة، بل يدل بوضوح على عجز استراتيجي عن احتواء الغضب الشعبي المتنامي، ومحاولة يائسة لإطالة أمد نظام فقد مقومات الاستمرار الطبيعي في ظل اقتراب موجات احتجاجية عارمة.
التصدع الداخلي وصراع مراكز القوى
على الصعيد المؤسسي، يعاني هرم السلطة من صراع محتدم يُعرف بـ”صراع الذئاب”، والذي تجسد في استقطاب حاد بين تيارات تدفع باتجاه تسويات خارجية لتخفيف حدة الاختناق الاقتصادي، وأخرى ترفض أي تنازل باعتباره ضربة قاضية لتماسك النظام. هذا التآكل الداخلي تفاقم بشكل ملحوظ بعد غياب الولي الفقيه علي خامنئي، في وقت يعاني فيه مجتبى خامنئي من عجز بنيوي عن ملء الفراغ السياسي والديني. وتؤكد مؤشرات الواقع الاقتصادي المتردي — المتمثل في الانهيار المتسارع لقيمة العملة الوطنية وارتفاع معدلات التضخم — أن تصريحات كبار المسؤولين، مثل وزير الخارجية عباس عراقجي، ورئيس النظام مسعود بزشكيان، تعبر عن قلق حقيقي من انفجار اجتماعي وشيك يخرج عن السيطرة، لا سيما بعد السقوط المؤقت لمدينة مشهد، ثاني أكبر المدن الإيرانية، تحت وطأة الاحتجاجات.
الإخفاق الإقليمي والعزلة الدولية
جيو/ سياسياً، تواصل طهران الاعتماد على استراتيجية تصدير الأزمات ودعم شبكات الميليشيات الوكيلة واستهداف دول الجوار بالصواريخ والطائرات المسيرة. غير أن هذه السياسات العدوانية أسفرت عن تراجع كارثي في المكانة الدولية لإيران، توج بإدراج الحرس الثوري على قوائم الإرهاب في الاتحاد الأوروبي وبريطانيا. وعلى الصعيد الأوروبي والأمريكي، باتت الدوائر السياسية تدرك أن سياسة المساومة التاريخية قد فشلت بالكامل، وأن الضربات العسكرية الخارجية وحدها لا تكفي لإحداث تحول جذري، مما عزز الاعتراف الدولي المتنامي بحق الشعب الإيراني في إسقاط الدكتاتورية الدينية وتأسيس نظام ديمقراطي تعددي.
بديل استراتيجي وآفاق التحول الديمقراطي
في مقابل مأزق النظام، يبرز المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية كمظلة سياسية وتنظيمية متماسكة تقود مسار التغيير. وخلال الفاعليات الدولية التي عقدت في إيطاليا وفرنسا بمشاركة واسعة لشخصيات برلمانية وعالمية، حظيت خطة النقاط العشر التي طرحتها مريم رجوي بتأييد واسع باعتبارها خارطة طريق لتأسيس جمهورية ديمقراطية تقوم على فصل الدين عن الدولة، والمساواة، ورفض السلاح النووي.
كما يمثل الحضور الفاعل لوحدات المقاومة الميدانية داخل المحافظات الإيرانية ركيزة أساسية في معادلة الصراع، حيث تؤكد حوارات النخب السياسية والدولية — بما فيها النقاشات حول دور المقاومة في الأمن الأوروبي والأوكراني في مواجهة المسيرات الإيرانية — أن البديل الديمقراطي المنظم بات يحظى بشرعية استراتيجية تؤهله لقيادة المرحلة الانتقالية عبر مؤتمر تأسيسي يعكس تطلعات كافة مكونات الشعب الإيراني.



