تعليق الحريري مشاركته في الحياة السياسية..!

خاص “المدارنت”..
لم يكن عزوف الشيخ (رئيس تيار “المستقبل” النائب) سعد الحريري، وعدم مشاركته في الحياة السياسية اللبنانية في هذه المرحلة، بالأمر الممكن اعتباره من تفاصيل الأمور، خصوصا أنه ما يزال يملك الشعبية الأكثر حُضورا لدى طائفته، على مستوى الوطن من أقصاه إلى أقصاه… فالرجل تعرّض في مسيرة حياته السياسية، منذ أن تستلم الراية بعد اغتيال أبيه، لكثير من الهزات العنيفة، كل واحدة منها، من الممكن أن تقضي على زعامة كثيرين من الساسة نهائيا، وبلا رجعة. ولكن بفضل تاريخ والده، وشعبيته الشخصية، المبنية على طيبة قلبه، بقي صامدا يقاوم. إلا أنه تبقى أربع هزات مفصلية لا يمكن تجاهلها.
تمثلت الأولى في عملية اقتياده كطفل من يده، من قبل العاهل السعودي المغفور له الملك عبد الله، ليقابل أحد قتلة أبيه، ويسلم عليه مُقَبِّلًا. في الوقت الذي كان فيه لبنان يغلي مضمدا جراحه، ومعيدا ترتيب أوراق استقلاله الوطني. مما سنح للنظام السوري بالتقاط أنفاسه، والعودة سريعا للإمساك بالخيوط، وإعادة خلط الأوراق، وترتيبها بعد مجموعة من الاغتيالات. وأعاد بالتالي تموضعه، بفضل بعض الساسة المتسولين على أبوابه، والدمى التي كان وما يزال يحركها، وأيضا بفضل خلاياه التي أنشأها خلال سنوات احتلاله، وعبر من تولى وظيفة القائم مقام، الذي انتهز الفرصة، وملأ الساحة سريعا، وابتلع الوطن، مدشنا ذلك باجتياحه لبيروت في 7 أيار من عام 2008…
لتأتي فيما بعد عملية احتجازه من قبل الأمير محمد بن سلمان، ومحاولة إملاء، وفرض مواقف سياسية عليه، في الوقت الذي كان فيه رئيسا للوزراء. لقد شكل هذا الاحتجاز هزة عنيفة، إن لم نقل زلزالا…! والذي يعتبر الأول من نوعه في التاريخ السياسي الحديث، مما هشم صورته في أوساط بيئته الحاضنة، ولدى محبيه، وسحب أيضا من تحت أقدامه بساط أي دعم خليجي، أو عربي، وباءت بالفشل كل محاولاته التي قام بها، من أجل رأب الصدع الذي نتج عنها. فاستغل خصومه وهم كثر، وبعض حلفائه ذلك، ليبتزّوه سياسيا، أكثر وأبشع من ذي قبل، ومن دون رحمة…
أما الثالثة، فكانت في استقالته، بفعل ضغط من أجهزة إعلامية مختلفة، ووسائل التواصل الاجتماعي، والتي ظنّ كثيرون أنها بفعل مطالب الشارع، في خضم ثورة 17 تشرين. لتتكشَّف الأمور فيما بعد، عن أن تلك الحملة التي طالبته بالاستقالة حينها، أنه كان وراءها جيش إلكتروني منظم جيدا، تبعهم جمع من اللبنانيين، بشكل عاطفي وعفوي، وعن غير دراية بمكائد الساسة الذئاب… فاستفاد من استقالته هذه خصومه وأيضا من كان يظنّ أنهم حلفاءه، فوجهوا له جميعا طعنه في الظهر، مدافعين عن أنفسهم في الدرجة الأولى، وأيضا لكي يدفنوا ذلك الحراك الجماهيري غير المسبوق، عبر استقالته، والتضحية به، جاعلين منه كبش فداء ومحرقة، ومَن يدفع الثمن بمفرده…
أما الرابعة، فقد كانت عندما ارتفعت أصوات حلفاءه، بأنهم يريدونه فعلا رئيسًا للوزراء، وأوهموه بأن الطريق أمامه معبدة، وبأنه المنقذ، ورجل المرحلة الأوحد، للقيام بالإصلاحات اللازمة، من أجل النهوض بالدولة المنهارة من كل النواحي… ليتفاجأ فيما بعد، أنهم يقومون عن عمد، بتكسير كل الزوايا التي كان يحاول تدويرها، واضعين أمامه كل أنواع العراقيل، وفي كل الاتجاهات التي سلكها. في الوقت الذي كانت فيه جيوشهم الإلكترونية، تسارع إلى نشر كثير من الأخبار الملفقة والأكاذيب، حول مساعيه في التأليف… مما حَوَّله إلى مهزلة وألعوبة أمام الجميع…
ويبقى أن ما قام به الرئيس الحريري منذ أيام، في هذه المرحلة الحرجة شئنا أم أبينا، بمثابة هزة عنيفة، من شأنها أن تهز كراسي الوطن، هذا فيما لو كان الوطن في حالة استقرار، والمواطن المسكين لا يلهث وراء لقمة عيشه فلا يجدها، ويركض وراء كرتونة المساعدات الغذائية، التي يتفضل عليه بها الساسة، ويربطونه بها…
ويبقى سؤالان بعد هذا العزوف لا يمكن تجاهلهما:
الأول، هل فعلا ما قام به الشيخ سعد، كان بناء على رغبات عربية ودولية كما يشيع البعض، وأتى متوافقا مع الورقة الكويتية…؟ تلك الورقة التي بلا شك أن بعض نقاطها، لا يمكن لأي لبناني وطني أن يعترض عليها، بل تشكل في حد ذاتها مطلبا لشريحة كبيرة من اللبنانيين… بينما يوجد نقاط أخرى لا يمكن أن يوافق عليها معظم اللبنانيين، إلا الأغبياء منهم. لأنها سوف تضع اللبنانيين بالدرجة الأولى في مواجهة بعضهم، وتفتح أبواب جهنم مرة أخرى، أي أبواب الحرب الأهلية، وتغلق بالتالي شبابيك لبنان ونوافذه، وتنهي ما بقي من حرية إعلامه، وتنوع ساحته في المجالات الثقافية والسياسية…
وهي أمور أكثر ما تذكرنا، بما حدث في منتصف سبعينات القرن الماضي، عندما أوكلت بعض الأنظمة العربية والأجنبية، إلى النظام السوري مهمة القضاء على كل أشكال حرية التعبير القائمة في لبنان، وعلى الحركة الوطنية، وإنهاء برنامجها التقدمي الذي شعروا أنه يشكل خطرا على مصالحهم وكياناتهم… وعندما عجزت الشقيقة عن ذلك، بفضل الصمود الذي أبداه معظم اللبنانيين حينها، وتلاحمهم مع المقاومة الفلسطينية، دخلت إسرائيل على الخط… ليعود النظام السوري بعدها بسنوات قليلة محاولا جهده تدجين اللبنانيين، لكي لا يزعجوا بعدها أحدا، ويصبحوا على شاكلة مواطنيه، ورهن أوامره من كل النواحي…
أما السؤال الثاني، فهل أن الساسة الذئاب، قد دفعوه إلى ذلك بفعل مكائدهم، كما دفعوه قبلها للاعتذار عن تشكيل الحكومة، وذلك ليبعدوه مع من يمثلهم عن مسرح الأحداث، لكي يصلوا إلى مؤتمر وطني، يعيدون فيه تقسيم قالب الجبنة، وتوزيع الحصص على حساب طائفة كانت شريكا أساس في قيام هذا الوطن، وقدمت من أجل ذلك دماء زكية دون غيرها، وقاومت المستعمر، الذي كان حليفهم، وأمهم، وأبوهم…؟!
في الواقع، إنها مرحلة صعبة يمر فيها لبنان الوطن، تخفي حربا ضروسا، ولكن من دون جيوش… مرحلة تسبق الوصول إلى مؤتمر وطني، وتسوية تلبي كل رغباتهم وطلباتهم وطموحاتهم، التي جهزوا كل تفاصيلها وحيثياتها… وحينها لن نسمع أي حديث عن الميثاقية، التي جعلوا منها يوما قميص عثمان، ولا عن الصلاحيات التي كثيرا ما تباكوا عليها، وذرفوا دموع التماسيح… طالما أن الموضوع لا يخصهم وطوائفهم ومذاهبهم… ولن يؤثر أيضا على حصصهم وكراسيهم، التي سوف تقوى أرجلها، ويزداد عددها حتما، وهو المطلوب من وراء كل ذلك، وإن كان على حساب تغييب طائفة أساسية من طوائف الوطن…
* كاتب وباحث عربي مقيم في باريس


