مقالات

ثــــورة لــبـــنـان الــكــبــيــر ..!

محمد خليفة/ أوروبا

خاص “المدارنت”… أحيانا أغبط نفسي, الى حدّ الحسد! كيف لا وقد أتاح القدر لي أن أكون في بيروت، وهي في ذروة اشتعالها, تثور وتغضب وتهتف ملء حناجرها: ثورة.. ثورة.. ثورة.

وتصرخ ملء أفواهها: الشعب يريد اسقاط النظام.

أمس واليوم, يومان تاريخيان لا مثيل لهما في تاريخ لبنان منذ الاستقلال عام 1944. اللبنانيون من كل الطوائف نزلوا الى الشارع وشكلوا كورالا واحدا, يغني وينشد للثورة والتغيير والاصلاح، بقوة تتحدى أعتى الأسلحة النارية, ويهاجم زعماء الطوائف الفاسدين بدون استثناء. هؤلاء الذين تسببوا بإفقاره وتجويعه وإذلاله جيلا بعد جيل, وجعلوا كل شاب لبناني يبحث عن مستقبله، وتحقيق أحلامه في الهجرة الى بلد بعيد, من البرازيل وفنزويلا الى استراليا وجنوب افريقيا, ومن اوروبا الى ساحل العاج وأنغولا, فضلا عن دول الخليج العربي والسعودية.

جانب من التظاهرات في لبنان

منذ عام 1978، وأنا أزور بيروت أكثر من أي بلد آخر في العالم, وعشت فيه سنتين خلال الحرب الأهلية, وعشت تجربة الاجتياح الاسرائيلي والمقاومة البطولية كاملة, وعملت في صحافته الحرة الراقية منذ 1980 وحتى اليوم بلا انقطاع تقريبا (الشراع, السفير والحياة)، وبفضل ذلك تكونت لي علاقات وصداقات واسعة جدا بين مثقفيه وكتابه ورجال الحكم والسياسة فيه، تمتاز بالقوة والاستمرارية حتى اليوم. وشهدت بعض أيامه التاريخية, في مقدمتها يوم 14 آذار 2005. ويوم انسحاب جيش الأسد من لبنان.. إلخ, وحين اندلعت حرب 2006 كنت على تواصل يومي مع زملائي في صحيفتي السفير, والحياة, وبمجرد أن توقف اطلاق النار طرت الى بيروت، وتفقدت جميع الأماكن التي تعرضت للعدوان.

في زياراتي السابقة المتكررة في الأعوام الأخيرة، كنت أتحسس القهر المكبوت في صدور الناس جميعا, مواطنين ومثقفين, وألمح غيوم الغضب تتراكم في عيونهم, فأتوقع انفجارها على الرغم من العوائق والمصدات الطائفية, بيد أن الانفجار الذي حدث امس 18 ت1/ اكتوبر فاق كل توقعاتي المسبقة.

أمس ليلا، خرجت أتجوّل في الشوارع الرئيسية، وأشاهد الحواجز التي اقامها المتظاهرون المحتجون, واستمع أو بالأحرى أستمتع بموسيقى الهتافات الهدارة المنطلقة من حناجرهم وأفواههم, استنشقت دخان الحرائق الكثيف ولكنني أحسست به كالعبير والأريج!, تبادلت الكلام مع بعض الشباب والصبايا, لمست في إجاباتهم ارادة التحدي والإصرار على التغيير ومحاسبة اللصوص الكبار الذين نهبوا البلد وسرقوا خيراته, ونخروا مؤسساته, وتركوه فريسة للقمامة والخراب والإهمال والمرض والجوع المتفشي بين الناس بشكل مقنع, لا تستره سوى الكبرياء الجريحة وعزة النفس.

الشعب اللبناني, شعب حيوي, مبدع, عامل, صبور, ذكي, قوي, شجاع, كريم. وهي مزايا تمثل رأس مال لبنان الحقيقي وثروته الاستراتيجية, ويمكنها صنع الازدهار والثراء والرفاه في بلد صغير, حباه الله جمالا ساحرا ونادرا, لولا انقسامه الى 18 طائفة يجمعها نظام محاصصة طائفية رجعي ومتخلف, وابتلائه بزعامات طائفية جشعة لا تشبع ولا تقنع, تسرق كل شيء, وتتغذى على آلام مواطنيها الفقراء وتمتص دماءهم بدون توقف, وتجبرهم على موالاتها والرضوخ لها. نظام استبداد وفساد لا يقل ديكتاتورية وقسوة ومافياوية عن أي نظام آخر في المنطقة. وكثيرا ما وصفت لبنان بأنه البلد الوحيد الذي يشرعن اللصوصية والنهب المنظم, ويظهر الحرية فيما يستبطن أكثر أنواع القمع والقهر والإذلال.

شهد لبنان في السابق انتفاضات واضرابات واحتجاجات مطلبية وشعبية كثيرة, ولكنها تبدو اليوم تمرينات وتدريبات أولية على الثورة التي بدأت تنضج وتختمر, حاملة عناصر قوتها في ذاتها, وأهمها تخطي الانقسامات الطائفية, وتخطي الولاءات العمياء للزعامات الطائفية والحزبية. وهي تبدو لي أشبه ما تكون بثورة الشعب العراقي الشهر الماضي التي تجاوزت أيضا الشروخ المذهبية والطائفية التي استثمرتها ايران لإدامة سيطرتها.

الثورة اللبنانية كسابقتها، العراقية أطلقت شرارة ثورة الشيعة العرب على الهيمنة الايرانية المتزايدة بين العراق وسوريا ولبنان واليمن, وستنتقل الشرارة الى كل مكان آخر في العالم العربي, لأن العروبة لا يمكنها التعايش مع الشعوبية الايرانية أبدا, والتناقض بينهما جوهري وجذري وتاريخي.

ولا يتعذر على المحلل ملاحظة تأثير ثورة الشعب السوداني، وبقية ثورات الربيع العربي في الثورة اللبنانية وهتافات المتظاهرين, أي إن ثورة لبنان تندرج في سياق ثورات الربيع العربي المتتابعة منذ 2010 موجة بعد موجة.

ولا يتعذر أيضا علينا ملاحظة بل وملامسة مؤثرات الثورة السورية في ريعانها الأول, وهي الثورة التي سارعت بعض القوى الطائفية اللبنانية، للتدخل لسحقها ووأدها في مهدها لتمنع انتشار اشعاعاتها وشراراتها في محيطها, فإذا بها تنفجر اليوم في عقر دارها مرددة ذات الشعارات! ويبدو ما يجري اليوم “كمبيالة” مستحقة السداد، ستسددها لا محالة تلك القوى، التي زين لها الشيطان الايراني سوء مكرها وكيدها, وعلى الباغي تدور الدوائر!

“لبنان الكبير” يشهد ثورة كبيرة، ستترك آثارها على المنطقة.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى