مقالات

جدلية الدين والدولة “1-2”

د. علي ابراهيم/ السودان

خاص “المدارنت”.. بُعيد ثورة أكتوبر عام 1964 فى السودان، وأنا في بداية المرحلة الدراسية المتوسطة، دعاني أحد زملائي التلاميذ إلى الانضمام إلى جماعة “الإخوان المسلمين”، التي لم أكن أسمع بها من قبل، فسألته بعفوية، ألست أنا بمسلم؟

أجابني بالإيجاب، وأردف قائلا: إن الإسلام الذي يمارسه المجتمع ناقصا وليس فيه تحكيم لشرع الله ومقاصده، ويرقى  إلى مشارف الكفر، ونريد أن نقدم الدين بصورته الصحيحة!

ردّيت عليه بنفس العفوية، وقلت له: أنا أقوم بكل الشعائر الدينية الواجبة عليّ، وألتزم جاهدا في تطبيق القيم  والمبادئ قولا وعملا، فماذا تريد مني أكثر من هذا؟ فبهت وخانه التعبير، فقدم لي بعض الكُتيبات لحسن البنا (مؤسّس جماعة الاخوان المسلمين) للإطلاع عليها.

ومن الوهلة الأولى، وأنا أقرأها، لم يخالجني أدنى شك في أنه مشروع فتنة وانحراف عن النهج الصحيح للإسلام الحنيف. وتيقنت بأنه حرث في البحر، وزراعة لوهم سيكون حصاده بورا وخيبة.

كيف يمكن أن تجد هذه الدعوة السطحية العاطفية، طريقا ثم موطىء قدم في مجتمع مسلم بالفطرة، إذا أصبح حَمد الله  وإذا أمسى شَكر الله، وإذا ضحك استغفر الله، وإذا سمع منكرا استعاذ بالله، وإذا أعجب بأمر ما سبح الله. وكل حركته وسكونه موثقة ومعلقة بذكر الله، ومعظم أمثاله وموروثاته الشعبية، لا تخلو من تمجيد وتقديس للذات الإلهية، والدعوة إلى فعل الخير المعروف، والتبشير بالعاقبة الحسنة، والتحذير من المنكر، والتذكير بالحساب والعقاب.

وضَحَت لي هذه الفكرة جلية، عندما اطلعت في فترة لاحقة على كتب المفكر سيّد قطب، رحمه الله، التكفيرية، والتي تدغدغ المشاعر والعواطف الدينية، بلغة أدبية مختارة بالغة التأثير، ومبطنة بدعوات العنف والتطرّف. وكان طبيعيا أن تخرج من رحمها تنظيمات تنتهج الترويع والترهيب، كالتكفير والهجرة والجماعة الإسلامية.

في منتصف ستينات القرن الماضي، حدثت تطوّرات “دراماتيكية” في قيادة جماعة “الإخوان المسلمين” في السودان، أطاحت بالقيادات التقليدية، وأتت بالدكتور حسن الترابي في مقعد القيادة، واستطاع أن يتربّع عليه حوالي نصف قرن بلا منازع. وإحدث تغييرا منهجيا وفكريا في الجماعة. واتبع سياسة الغاية تبرر الوسيلة، وسلك طرقا ملتوية، أبعد ما تكون عن تعاليم الإسلام، ليصل إلى أهدافه.

ظهرت ممارسة تنظيمية جديدة، واتبعت  مسلكا  متقدما، عرف باسم “الأسر” في المدارس والجامعات، وهي تتكون من مجموعات صغيرة قاعدية، تتواصل مع بعضها في شكل هرمي. ومن خلال هذه الأسر، تبث الأفكار والرؤى، وكان من نتائج هذا النهج، ظهور أعمال العنف الطلابي في المدارس والجامعات لأول مرة، ضدّ من يخالفهم الرأي والفكرة، كان مؤشرا خطيرا وإنذارا مبكرا لخطر قادم لمجتمع مسالم بطبعه وبسلوكه.

ولم يكن خافيا لكل متابع بتركيبة الشعب السوداني، أن هذا التنظيم لا يستطيع أن يشبّ في مجتمع متسامح وعاشق للحرية والديموقراطية، ومؤمن إيمانا عميقا بدينه، فهامش الحركة لهذا التنظيم وغيره من التنظيمات العقائدية ذات التوجه الشمولي، كان وسيظل ضيقا. وهذا الواقع قاد تنظيم “الإخوان المسلمين” الى الدخول في تحالف مع نظام (الرئيس السوداني الراحل) جعفر النميري.

وتولّى الترابي منصب وزير العدل والنائب العام. وتولّى منصب وزير الداخلية قيادي آخر من التنظيم. وهكذا أصبح الاخوان حماة حمى النظام الديكتاتوري والمدافعين عنه، ضاربين بعرض الحائط تطلعات الشعب في الحرية والعدالة والديموقراطية والسلام وحكم القانون.

وبينما النظام في غفلة من أمره، تسربوا إلى مفاصل الدولة الاقتصادية والاعلامية والعسكرية والأمنية والشرطية والعدلية، وأسسوا لنظام خاص بهم، أتاح لهم الفرصة للانقضاض على النظام الديموقراطي، وإسقاطه بانقلاب عسكري عام 1989.

وأقاموا مكانه نظاما من أسوأ أنظمة الحكم في العالم، وعاثوا في البلاد فسادا وتخريبا وظلما وطغيانا واستبدادا باسم الدين، والدين منهم بريء.

وإستغلوا الدين بطريقة ممنهجة وتدثروا به كذبا ونفاقا. وخلفهم عصبة  من علماء السلطان لإصدار الفتاوى المضللة، ليوفروا لهم غطاءًا، يبرر أفعالهم المشينة والقذرة، فظهرت فتاوى فقه الضرورة والتحلل الاقتصادي والتمكين السياسي، وشرعنة الحروب الأهلية، بدعوى نصرة الدين والجهاد على الكفار. الأمر الذي قاد إلى فصل جنوب السودان، وإشعال الفتنة والحروب في عدة مناطق واسعة من البلاد. دمرت البنية التحتية، من طرق ومواصلات جوية وبحرية ونهرية وسكك حديدية، والتي كانت هي الأطول في إفريقيا.

وبيعت أصول وممتلكات السودان في الخارج والداخل، وأراضي زراعية شاسعة، ذهبت إلى أجانب بثمن بخس، وتحولت المشاريع الزراعية المنتجة إلى أرض بور، جرداء ، خربة،  وهُرّبت عشرات المليارات من الدولارات إلى بنوك أوروبية وآسيوية. وحاربوا القيم النبيلة، بما أسموها سياسة التأصيل لمجتمع، ظلّ هادئا ومستقرا منذ آلاف السنين.

أعلوا من قيم الجهوية والقبلية التي حاربها الإسلام منذ فجره، وجعلوا منها أداة فرّق تسد تمزيقا للحمة الوطنية.  كما أنهم ثروا ثراءا فاحشا، وتطاولوا في البنيان، وغرقوا في الملذات والأهواء، ومارسوا التعذيب والقتل والإقصاء ضد خصومهم، بصورة أعادت إلى الأذهان محاكم التفتيش في القرون الوسطى.

في ظل هذا الخواء، نشأ جيل كامل، وتربي على منهج تعليمي أحادى مغيب  للمعرفة والحقيقة. وتباعدت الشقة بين الفطرة السوية والواقع المزيف والمصطنع، وأدرك بعد أن فتحت عليه أبواب العالم، وأضحى يراه كقرية صغيرة أمام ناظريه، توصل إلى صورة نمطية “للأخ المسلم”، أو “الكوز” كما يعرف فى السودان، وهو الشخص الفاسد المرتشي، المحتال، والقابل لارتكاب الموبقات بلا وازع أو ضمير.

حكم “الإخوان المسلمون” مصر لمدة عام بعد الثورة، وأبرزوا وجههم الحقيقي المشابه لوجه إخوتهم في جنوب الوادي، مما سبب لهم كراهية ونفور وامتعاض شعبي، مهّد وقاد إلى انقلاب (الرئيس المصري عبد الفتاح) السيسي، وسيطرة العسكر مرة أخرى على الحكم، والى اجهاض الثورة المصرية.

وكانت تجربة حكم (حزب) “النهضة” (الاخوان المسلمين) في تونس بعض الثورة، لا تختلف عن سابقتيها، من حيث الشكل والمضمون.

عندما شعر راشد الغنوشي (زعيم النهضة التونسي، أي الاخوان المسلمين)، أن الرمال تتحرك تحت رجليه، سارع الى تغيير خطابه السياسي، حتى لا ينزلق إلى مواطن التهلكة، فأعلن عن فصل السياسة عن الدعوة، وإلى التذكير بأن الإسلام لا يقوم على القهر والاستبداد والإكراه في الدين. والوهابية التي حكمت عقودا كثيرة، بفكر سلفي لا يتناسب مع العصر، خرج من رحمها تنظيمات متطرفة كـ”القاعدة” و”حركة طالبان”. وأقامت حكما آحاديا لا يسمح بالتعدد السياسي.  وفي الفترة الأخيرة تشهد مراجعة شكلية، لم تصل إلى إقامة نظام يسمح بالحريات السياسية.

وشكلت تجربة الخميني وحكم الملالي الشيعي في إيران، الوجه الآخر للإسلام السياسي، في التسلط والجبروت والإقصاء، داخليا وخارجيا، عكست عن حالات تخريب للسلم الاجتماعي وزعزعة استقرار بعض الدول الاسلامية، بفرض رؤيتها وتصورها الفكري والسياسي بالقوة المباشرة وغير المباشرة.

واستطاعت الأنظمة الإسلاموية في بعض الدول الآسيوية إلى حدّ مُعين، المزج بين نظمها وبين النظام الديموقراطي، والتناغم معه والتأقلم عليه.

كما أن الرئيس (التركي رجب طيب) أردوغان، أعلن في أكثر من مرة، أن لا تعارض بين الإسلام والعلمانية.. وكذلك تجربة حكم الدكتور مهاتير محمد فى ماليزيا، هي تجربة ثرة جديرة بالاحترام والدراسة والتوقف عندها كثيرا، لأخذ التجربة  في النهوض الاقتصادي، وبسط الحريات والعدالة والشفافية، وإزالة الفوارق بين القوميات، والحفاظ على خصوصياتها، وفي التبادل السلمي للسلطة من منظور إسلامي.

مما سلف من أمثلة عن تجارب الإسلام السياسي، تبرز أسئلة مهمة وجوهرية، تشكّل لبّ الموضوع وهي :هل هذه التجارب أضافت إلى الإسلام؟ أم كانت خصما له؟

وهل استفاد منها الاسلام؟ أم أضرت به؟

وهل استطاعت أن تكون جاذبة إلى الإسلام؟ أم مُنفّرة منه؟

وهل تمكنت من إدخال أناس جدد في الإسلام؟ وما هي المحصلة كمّا ونوعا؟

وأي دور كان أكثر فاعلية وتأثيرا؟ دور الإسلام السياسي؟ أم دور الطرق الصوفية التي تدعو إلى الهداية باللين والموعظة الحسنة؟

وهل الإسلام السياسي قدم الإسلام على أنه دين عدل ومساواة وحرية وقيم ومبادئ سامية؟

ومن المسؤول عن الصورة النمطية الراسخة والمصاحبة للإسلام والمسلمين فى العالم؟

وهل خلفت هذه التجارب نظاما مثاليا يمكن أن يهتدي به؟

للإجابة على هذه الأسئلة بموضوعية وتجرد، نطرح السؤال الفاصل، والإجابة عليه ستؤدي إلى المعرفة والحقيقة وهو :هل نضع الدين فوق السياسة والممارسة السياسية؟ ونحميه من ألاعيب واستغلال السياسيين، ونسمو به كقيم ومبادئ تدعو الى الخير والطريق الهادي والمنجي من المزالق والانحرافات البشرية؟ أم نتركه لعبة ومطية لركوب تجار الدين من زمرة السياسيين المهوسيين بالسلطة والمال والجاه، ليمارسوا هواياتهم بإسمه وتحت رايته؟

تجربة الإسلام السياسي في العالم العربي والاسلامي، هي محصلة لرحلة طويلة، انطلقت وعبرت محطات مختلفة، ومرت بتعرجات متنوعة، تعاملت سلبا وإيجابا مع مفهوم الدين والدولة. وعبّرت عن نفسها بين التمرجح بين الدولة الاثيولوجية حينا، والمدنية أحيانا أخرى، والتي سنتعرّض لها بشيء من الإيجاز في الجزء الثاني من هذا المقال، في محاولة للخروج من الارباك والارتباك،  وصولا إلى رؤية عصرية، تتعامل مع واقع وحاضر ومستقبل الأمة الإسلامية والعربية.

========================

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى