جرّة العهد العوني..

كتب محمود القيسي/ لبنان
خاص “المدارنت”..
“عندنا أناشيد وطنية، أقلام وطنية، دفاتر وطنية، مدافئ وطنية، بترول وطني، أحذية وطنية، شحاطات وطنية، حمامات وطنية، مراحيض وطنية، ولكن ليس عندنا وطن”.
محمد الماغوط
لن أراهن بعد اليوم على انقطاع الهواء والماء والخبز والدواء أو الكهرباء أو الوقود… الانقطاع الحاضر الدائم والمستمر في يومياتنا وذكرياتنا وفي أحلامنا وفي كوابيسنا.. بل أراهن على نفاذ الصبر وكسر المحذور والتقاليد والعادات.. وأخلع عني ثيابي.. ثياب خياط سلطة التفصيل والترقيع.. وأخرج إلى الشارع عارياً إلا من جسدي وعقلي وحريتي وحقي في الحياة… ذات مرة اشتغلتُ فخَّاراً كتب نيكوس كازانتزاكي صاحب رواية “زوربا” اليوناني. ولقد أحببتُ هذه المهنة، كالمجنون. أتعرف ماذا يعني أن تأخذ كمية من الطين وتفعل بها ما تري وما تريد؟ تُسيِّر الدولاب ويدور الطين كالممسوس. بينما تقف أنت فوقه وتقول: سأصنعُ جرة، سأصنعُ قنديلا، وكل ما أشأ وكل ما احلم به وكل ما أريد، مهما كان ومهما يكون!
هذا ما يجعلك إنساناً حراً وحراً وحراً: الحرية.. الحرية ما يجعلك إنساناً حرا..؟الحرية فقط!
نعم، سنصنع جرة كبيرة من الفخار الرخيص ونكسرها عند خروج الاحتلال العوني من قصر الرئاسة.. أو عند الخروج العوني من قصر الشعب اللبناني العظيم.. وسنضع مكانه تعويذة تحمي جسد البلد المريض من عدم تكرار التجربة.. تجربة القيامة في جهنم.. وتجربة الموت وقوفاً كي نختبر القيامة.. وتجربة التجربة.. وتجربة صهر العهد.. سنضع تعويذة الشعوب المقهورة.. تعويذة الفقراء والجائعين والتائهين.. كي لا يتحلل الوطن ويعبأ في قناني العمر الفارغة ويباع في محلات العطارة ترياق للعاشقين والحالمين على دروب جلجلة البحث عن الوطن المصلوب في إثنين الخروج يوم 31 أكتوبر/ تشرين الأول 2022، يوم عيد الاستقلال الجديد والاستقلالية الجديدة على دروب الجلجلة والآلام المعاصرة والحديثة.. يوم الخروج من عهد من ترك القصر والبلد خالية من كل مقومات الحياة الكريمة.. وكل مقومات الموت بعزة وكرامة…!
يقول الباحث محمد ضياء الدين: “إن كسر جرار الفخار على عتبات أبواب المنازل كان عرفاً معمولاً به عند العرب، وغالباً ما كانوا يفعلونه عند مغادرة شخص يُعتقد أنه جلب لهم النحس والخراب والدمار والفساد والانهيارات، أو أحد أصحاب النفوذ الفاسدين.. الفاسدين الذين عاثوا في البلاد وبين العباد فساداً موصوفا، أو رجل معروف بالطمع والجشع ودائماً ما يُطيل النظر أكثر لما في أيديهم وفي منازلهم وفي أعمالهم ومدخراتهم وودائعهم، ويسارع هؤلاء طلباً لفك النحس إلى كسر الجرار الفخارية فور مغادرة ذاك الفاسد ومن معه منازلهم وبلادهم إلى غير رجعة، حتى لا يبقى له أي أثر في حقيقة واقعهم اليومي وقهرهم اليومي وعذاباتهم.. وتيمناً بقطع قدمه عنهم حتى لا يعود إلى بلادهم ومنازلهم وحياتهم وأحلامهم وكوابيسهم”.. ويضيف ضياء الدين: “يفسر بعض كبار السن كسر الجرة بمعنى كأن من يكسر الجرة يقول لمن كُسرت في أعقاب خروجه الجرة والجرار الأخرى: لا تعد لنا حتى لطلب الماء، وهذه جرارنا نكسرها أمامك.. ونكسرها وراءك”.
عندما يكون العقل الجدلي والتفكير المنطقي القائم على المنطق الجدلي سيد الموقف.. بأبعاد الحياة التي تكون الأخلاق اللُبنى الأولى والثانية والثالثة في العلاقات المجتمعية والنفس البشرية والعلاقات الإنسانية.. عندما يكون العقل الحسي والتجريبي سيد الموقف فيما يجري حولنا وبيننا وحوالينا.. حينئذٍ، وحينئذٍ فقط نكون سادة أقدارنا… حينئذٍ وحينئذ فقط نكون أصحاب القرار في اختياراتنا وخياراتنا ومن نكون وكيف نكون وأين نكون.. أو لماذا نكون.. أو نكون أو لا نكون.. هذه الكينونة والصيرورة تعود لنا.. تعود لنا وحدنا في المكان مكاننا.. وفي الزمان زماننا.. عندها، وعندها فقط يصبح العقل سيد الموقف.. وسيد نفسه.. وليس مجرد تشبيه أو مجرد استعارة من هنا أو من هناك عفا عليها الزمان ومضى…!
نعم، أرتقي بنفسك كثيراً كما يقول الشاعر المخضرم.. شاعر الثنائيات والقصيدة التي لا يريد لها ان تنتهي أو تموت في ظل الغياب والغائبين: “حيثُ لا حسرةُ على مغادر.. ولا أسفاً على راحل.. ولا حزناً على كاذب.. ولا تفكيراً بمنافق، “.. نعم، ارتقي بنفسك كثيراً.. وارتقي بشعبك أكثر.. وارتقي بأرضك وبلادك أكثر وأكثر وأكثر.. حيثُ لا أسفاً على عهد راحل.. حيثُ لا أسفاً على عهد كاذب.. عهد جهنم الأورانج وبئس المصير… نعم، سنكسر خلف هذا العهد البائد جرة الفخار الأورانج الكبيرة.. سنكسر جرة الفخار الكبيرة خلف عهد الفخار الذي يحتوي في تاريخه وتكوينه ولونه وطينه وترابه وعروقه وماءه وتفاصيله وحلفه وتحالفاته على مادة الكادميوم السام، وأكسيد الرصاص القاتل… والبقية تأتي من دون رتوش أو مكياج.. تأتي من دون قناع؟!
أنا لا أحب ان أكون ألا ما أريد أن أكون.. أنا لا أحب هؤلاء السُذّج أصحاب الياقات البيضاء العالية في المرايا السوداء، أصحاب النظرات الزجاجية العالية المتحجرة.. والنظريات المجردة الغبية، أولئك الذين لم يسمعوا الموسيقى مرة واحدة، ولا يعرفون شاعراً واحداً، ولم يحضروا فيلم سينمائي عاطفي واحد، أو يحاولوا كتابة قصيدة حب واحدة، أو أن يخلطوا علبة ألوان واحدة ليرسموا وجه أمرآة واحدة… الحياة في التفاصيل والأحلام البسيطة، في الأحاسيس الصادقة، في الذائقة اليومية.. أو أن تنفعل برائحة القرنفل أو الياسمين أو رائحة خبز أمك تهب من الشارع العتيق على الدوار الأول أمام السنديانة الأولى والحب الأول والحب الأخير.
نعم، سنكسر جرة الحنظل والذائقة اليومية المُرّة في عهد جهنم.. وجرة الجوع اليومي.. وجرة القهر والذل والطوابير اليومية.. وجرة المنصات السوداء والصفراء والبرتقالية اليومية.. سنكسر أبواب المصارف المغلقة والمستشفيات المغلقة والمخازن المغلقة والضمائر الغائية والمغيبة والمنومة والمغلقة.. سنكسر كل أنواع الجرار المتوفرة على كل الطرقات والشوارع والجسور والانفاق.. من قصر النهايات والزهايمر الوطني في بعبدا.. الى مربع الزهايمر السياسي في قصر النوايا الخبيثة في الرابية وما تخفيه النوايا الظاهرة والنوايا الخفية وإضمار التورية.. وما تخفيه الأكمة وما وراء الأكمة.. حيث إن وراء الأكمة ما وراءها في عهد الأكمة وما وراءها…؟!
*يخطئ من يظن أنني ألفّ وأدور من خلال المطر والحب والورود والدموع لأصل الى “الحرية”.
فأنا لم أعد أريدها، ولا أطيق شعرة فيها، بعد أن هجرتني كل هذا العمر, وحتى لو صفحت عنها وجاءتني تطرق بأبي في إحدى الليالي العاصفة وأنا مريض وقالت بصوتها المعبود: “أفتح.. أنا الحرية”.
هل أصدقها بهذه السهولة؟ طبعاً لا. سأخاطبها من خلف الباب! من يؤكد لي أنها الحرية فعلاً؟ وأنا الذي لم أسمع لها صوتاً ولم أعرف لها شكلاً أو لوناً أو ملمساً من قبل.
سأغلق الباب في وجهها و أطردها… ما الذي سيناله إنسان ما من “حرية” مراهقة أو كاذبة، غير الألم والحسرة والنحيب وحيداً…
لا. لم أعد أرغب في حرية أو فرح أو زهور. كل ما أرغب فيه فعلاً هو أن أكون تاجراً عاديًا.. في أحد الأسواق الشعبية, أو بصورة أدق, أن أكون صاحب دكان, عجوزاً في آخر قرية في أصقاع الريف المتجمد.. دكان متواضعة من النوع الذي تسند أبوابها بحجر عند إغلاقها وعند فتحها.
أبيع الحلوى الرخيصة للأطفال, والصابون وملاقط الغسيل للنساء. وعند الغروب أجلس على سحارة عتيقة أشرب الشاي مع راديو عتيق, موالياً ظهري لما يجري بعيداً بعيداً عني على الساحة الفكرية والايديولوجية من تنظيرات ومحاضرات, وخلافات وتصفيات وعناق وزيارات, وحرد ومصالحات, محدقاً إلى ما تبقّى من خريطة الوطن وأنا أسمع صوت فيروز وهي تغني:
عم يلعبوا الولاد
عم يلعبوا…
نعم فيروز، عم يلعبوا فينا!




