مقالات

جـدليــة الـديــن والـدولــة “2–2”

د. علي ابراهيم*/ السودان

خاص “المدارنت”.. إن إشكالية الدين والدولة بعيدة الجذور، وقد تناولتها الفلسفة اليونانية القديمة، ولكنها لم تتبلور في قالب محدد إلا بعد الصراع المأساوي في العصور الوسطى بين الكنيسة وأنظمة الحكم، الذي  خلف آثارا عميقة ستظل محفورة في ذاكرة التاريخ.

كانت مقولة السيد المسيح عليه السلام: “أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله”، بمثابة حجر الأساس الذى بنى عليه الكثيرون العلاقة بين الدين والدولة، ولكن كان للكنيسة تفسيرها المخالف للمعنى اللفظي للمقولة، وأسقطتها على واقع الحدث والظرف الزمني الذي قيلت فيه، وبررتها لكونها جاءت لتفادي حرجا حاول أعداء السيد المسيح إيقاعه فيه، وبعد فترة من التشتت والتيه، جمعت الكنيسة أوصالها ورتبت أمورها وقوّت شوكتها.

وقد كانت تلك الفترة المظلمة من الضياع، مدعاة للبعد عن تعاليم المسيح الداعية الى السلام والمساواة والمحبة والإخاء،  مما جعلها تأتي باندفاع طاغي متجبر في مرحلة القرون الوسطى، وأسست لنظام الحكم “الثيوقراطي”، وأعطت مفاتيحه لرجال الدين، وللمتحالفين معهم من طبقة الملوك والنبلاء.

ونصبت نفسها أعلى سلطة، تعلن الحروب، وتفرض الضرائب الباهظة، وتوزع صكوك الغفران، وتبيع وتملك أراضي الجنة بالوثائق.

حكمت باسم الدين كظل الله في الأرض، وسيطرت على الجانب المادي والروحي، وقدمت صورة مشوهة لمعانيه ومراميه. وأفسدت السياسة والسياسيين، وجعلت منهم طبقة من الجبناء والمنافقين والأذلاء، ووقفت ضد العلم والمعرفة والبحث، وأقامت محاكم التفتيش، وقتلت عددا من رموز ذلك العصر من العلماء والمخترعين.

وقادهم الجشع والتعطش الى مزيد من السلطة والجاه، إلى صراعات مع حلفائهم من الأباطرة والملوك، وإلى إشعال حروب دينية استمرت سنوات عديدة.

جاء صلح “فيسفاليا” عام 1648 ليوقف الحروب الدينية، التي استمرت 30 عاما، ولينظم العلاقة بين الدين والدولة، وليضع أسساً وقواعد تفصل الكنيسة عن الدولة.

كان القرن السابع عشر، عصر فكر وتنوير وبعث لرؤى تشخّص وتعالج وتضع الحلول لإشكالية العلاقة المتأزمة بين الطرفين، على أيدي مفكري ذاك العصر، أمثال جون لوك ودينيس دويدرو وفولتير وتوماس جيفرسون وجان جاك روسو، ثم تبعهم زمرة من مفكري العصر الحديث، أمثال برتراند راسل وكرستوفر هيتشنز.

وبرزت العلمانية، لتجسد المبدأ القائم على فصل الدولة والسلطة السياسية ومؤسساتها، عن السلطة الدينية وشخوصها، وبذلك، وضعت حداً في أن يحكم شخص باسم الدين أو باسم الله، وأن فصل الدين عن الدولة، لا يعني بأي حال من الأحوال فصل الدين عن المجتمع، وأنها ليست ضد الدين، بل تدافع عن حرية الدين والمعتقد، وتحترم القيم الروحية، وتحميها من الإستغلال والعبث بغرض المصالح الخاصة والشخصية.

إن الدولة تقوم على المواطنة المتساوية، وترفع من شأن القيم الإنسانية، والجميع متساوون أمام القانون، بصرف النظر عن دينهم أو مذهبهم أو لونهم أو جنسهم أو عرقهم.

الأحداث العظيمة التي عصفت بالقارة الأوروبية، أحدثت هزات عنيفة في الأطر السياسية والمجتمعية، وكانت قمتها الثورة الفرنسية، التي وضعت بصمتها على مجمل التطورات، ليس في القارة العجوز فحسب، بل وصل  تأثيرها إلى كل بقاع الأرض، وأضحت إرثا إنسانيا بالغ الأهمية لا يمكن تجاوزه.

 ثم كان للحربين العالميتين، الأثر الفعال في صياغة العالم الجديد بمنظور يحفظ السلام والأمن، وتبادل المنافع، والتواصل الإيجابي بين الشعوب عبر عصبة الأمم، وفي وقت لاحق الأمم المتحدة، على نهج وهدف الحفاظ على الأمن والسلم في العالم.

وفي محطات هذه المسيرة، اندثرت بعض المفاهيم وبرزت مفاهيم ورؤى جديدة، تخاطب وتتفاعل مع طبيعة المرحلة.

 وثبتت ورسخت مبدأ فصل الدين عن الدولة، والذي أضحى ركيزة أساسية في كل دساتير الدول الأوروبية، مع عدد لا يستهان به من باقي دول العالم. واختلف التعامل بهذا المبدأ على حسب التطور السياسي والإجتماعي لكل دولة.

وإذا أخذنا ألمانيا كمثال، نجدها أنها حاولت أن تجد توازنا يحفظ العلاقة بين الكنيسة والدولة في أواخر القرن التاسع عشر، للحد من سلطة الكنيسة الطاغية والتحرر منها، بيد أن الكنيسة تحركت بقوة، وأحبطت تلك المحاولة وفرضت دورها وتأثيرها المباشر على التربية الدينية، وجعلتها تخضع لسلطة الكنيسة وتحت إشرافها، من مراقبة للمنهج والتحكم في وضع تفاصيل مقرراته.

وعلى الرغم من الفصل الذي يُعد أهم الركائز الأساسية للنظام الألماني، إلا أن الكنيسة تلعب دورا غير مباشر في صياغة القرار السياسي، عبر تأثيرها على الأحزاب السياسية، وتوجيه الرأي  العام، عن طريق بعض قوى المجتمع المدني، وتدخلاتها في أمور متعددة، كالإشراف على قطاع واسع من الخدمات الإجتماعية، كالمستشفيات والمدارس ورياض الأطفال ودور المسنين وغيرها.

وصار لها موطىء قدم لا تخطئه العين، في مراكز القرار في الأحزاب السياسية القريبة منها، كالحزب الديمقراطي المسيحي.

وهكذا، أصبح الدستور يحافظ على قيم الحرية والديموقراطية، ويتعاطى مع الكنيسة بطريقة متوازنة غير صارمة، ويعطيها سلطات رمزية ومادية، ويعتبرها مرجعية قيمية وأخلاقية، إلا أنه يرفض تدخلها المباشر في السياسة.

وحال ألمانيا، ينطبق إلى حد كبير على معظم دول الإتحاد الأوروبي، قبل إنضمام مجموعة دول أوروبا الشرقية إليه، التى أضفت مفاهيم جديدة فرضها ثأثرها بفترة الحكم الشيوعي.

وكثير من هذه الدول، تضع علامة الصليب على أعلامها الوطنية، دليل إنتماء الى واقع لا فكاك منه .

وقد يكون الاستثناء الوحيد هو فرنسا، التي ظلت تحافظ على إرث الثورة الفرنسية، بلا إنحراف أو تنازل عن قيمها وشعاراتها، وأنهت الصراع الثقافي بفصل الدين عن الدولة فصلا كاملا، وضمنته في دستور 1905.

وعلى الرغم من التمسك الشديد بمبدأ إبعاد الدين عن الدولة، إلا أنه لم يمنع من قيام وظهور أحزاب شعبوية، ذات مرجعية دينية كنتيجة للأزمة الإقتصادية العالمية عام 2008، وتدفق أعداد هائلة من المهاجرين جراء الحروب والنزاعات المسلحة، وقد وصلت بعض هذه الأحزاب إلى سدّة الحكم، كما هو الحال في المجر والنمسا. ورديفاتها من الاحزاب، أصبح لها دوراً واضحاً في مجرى السياسة الأوروبية.

وإذا دققنا النظر إلى السلطة السيادية والملكية والتنفيذية في أوروبا، نجد ان هناك رابطا وتداخلا  فى العلاقة بين الدين والدولة، وأن معظم هذه الدول ترعى الكنيسة بصورة أو بأخرى، وأن رجال الدين هم موظفون في القطاع العام، ويقبضون مرتباتهم من الدولة، وتوجد وزارات مختصة للشؤون الدينية، وكذلك، بعض الملوك يمثلون السلطة العليا في رعاية الكنيسة.

عليه، يمكن القول بأن الفصل القائم هو بين الدين والسياسة، وليس بين الدين والدولة كما هو معروف على نطاق واسع.

وفي الديانة اليهودية، يوجد تدخل واضح في السياسة للحاخامات، ودعمهم للسياسات الجائرة للدولة الصهيونية، وفي الاعتداء على أماكن العبادة الإسلامية والمسيحية، وفي تبني سياسة التفرقة العنصرية في فلسطين المحتلة. وهناك أحزاب قائمة على أسس دينية يهودية، وهي الأشد تطرفا وعنفا وإرهابا وتسلطا.

في القرن التاسع عشر، عاد بعض الطلاب والدارسين العرب والمسلمين من أوروبا إلى أوطانهم، متأثرين بالثقافة الغربية وإفرازاتها على السياسة والمجتمع، وبما حوته وبشرت به من حرية وعدالة ومساواة ، والتي كانت في مجملها عناوين وأسس للعلمانية والحكم المدني.

وكانت المقارنة بينة وشاسعة بين أنظمة حكم مستبدة فى الشرق، وبين أنظمة الغرب التى تسمو بالإنسان والإنسانية، وتحفظ حقوقها فى القوانين والدساتير، ولم يجدوا عناء كبيرا في الوصول إلى حقيقة أن التخلف الضارب بأطنابه في الشرق، مرده النظام السياسي العام، المتدثر بثوب الدين والحاكم باسمه ظلما واستبداداً. فجاءت دعواتهم صريحة ومتسقة مع أفكار العلمانية، ورأوا فيها خلاصا من قيود التخلف والتقوقع والتكبيل، وانطلاقا إلى رحاب الديمقراطية وقيمها. وبدأوا الجهر بالقول صراحة عن أفكارهم، ومنهم احمد لطفي السيد وقاسم أمين وطه حسين ونجيب محفوظ والشيخ محمد عبده، الذي قال مقولته المشهورة: “لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين”. ومن السياسيين سعد زغلول، الذي له أيضا مقولة مشهورة: “الدين لله والوطن للجميع”.

في العام 1925، أصدر الشيخ الأزهري علي عبد الرازق كتابه “الإسلام وأصول الحكم”، الذي سعى من خلاله إلى إثبات أن الإسلام دين روحي، لا علاقة له بالسياسة. وذكر بأنه لا يوجد في النصوص ما يلزم المسلمين بإقامة حكومة دينية وأن السياسية أمر دنيوي، ويعود للناس اختيار النظام الذى يناسبهم وتحديد مبادئه ورسالته.

ثم جاء الشيخ الأزهري الآخر خالد محمد خالد، الذى تناول فكرة الدولة الدينية على مر العصور، ورأى عدم تلازم الدين مع الدولة، وأن الإسلام دين ورسالة وليس دولة. أضاف :”إن الدولة الدينية أداة للتكفير وخنق الرأي ودعم الاستعباد والقهر والإستبداد، وتتعارض مع الإسلام وقيمه الروحية والإنسانية والإجتماعية”.

وذهب البعض في إثبات أن السياسة شأن يخصّ البشر لا الدين، والأخذ بحديث الرسول (ص) القائل: “أنتم أدرى بأمور دنياكم”. وبإستشارته لأصحابه الكرام في بعض الشؤون الدنيوية، والأخذ برأيهم، وهو الرسول الكريم، الذي كان ينزل عليه الوحي الإلهي. وقدموا دليلا آخرا بأن الفاروق عمر رضي الله عنه، أبطل حدّ السرقة في عام الرمادة.

وقال البعض أن الحكم الرشيد كان 30 عاما، إضافة إلى عامين كانت فترة حكم الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، وأن الخلافات والإمبراطوريات الإسلامية التالية، في معظمها كانت تسودها الدسائس، وارتكبت فيها الكثير من المذابح، شأنها شأن كل الإمبراطوريات القديمة.

أول من أطلق شعار “الإسلام دين ودولة”، هم الإخوان المسلمين في عام 1928 في مصر، ثم أضافوا إليه فيما بعد “الإسلام هو الحل”، ثم” الدستور الإسلامي”، في مقابل المد العروبي، الذي تبلور خلال الثورات العربية ضد الإمبراطورية العثمانية، وشكلت فيه القومية العربية تيارا “أيديولوجيا” زاحفا بقوة في الدول العربية، الباحثة عن الإستقلال والتحرر. يمكن أيضا، أن يكون  قد ظهر كترياق مضاد للمد الشيوعي في البلاد العربية، بعد إنتصار الثورة البلشفية عام 1917.

 لا أريد أن أخوض في نشأة تنظيم الإخوان المسلمين من منطلق تاريخي، ولكن أشير فقط إلى أن شعاراته كانت عاطفية وخاوية وبلا محتوى عملي وفكري، يقيم أسس ومعايير دولة متحضرة، وأنه شكل علامة فارقة في تحولات ومآلات السياسة العربية والإسلامية، حيث وجد له انصارا ومناصرين في الكثير من الدول الإسلامية. ونظر الى التطرف الديني والتكفير، وطبق سياسة بعيدة عن روح الإسلام وقيمه النبيلة، واختزله في الحلال والحرام والحدود والجهاد، لمحاربة الملل الأخرى.

وعندما وجد الفرصة المواتية، تآمر وانقلب وإنقض على الأنظمة الشرعية المنتخبة، وأقام حكما فاسدا وإستبداديا، كما حدث في السودان، وتحالف مع الأنظمة القهرية الدكتاتورية، كما حدث في اليمن وبعض الدول الأخرى، ومن رحمه، خرجت معظم الحركات والجماعات الإرهابية والتكفيرية.

و بنفس القدر، يمكن أن نقيس ونتحدث عن نظام الملالي في إيران.

وكانت محصلة هذه التجارب، هو تقديم الإسلام بصورة مشوهة، ولا علاقة لها بالإسلام الحقيقي ومبادئه ومقاصده الروحية والإجتماعية، التي تثبت الحرية كقيمة أساسية، تحمي الفرد والرأي والتعبير، وتحافظ على حقوق الأقليات والأديان الأخرى، وتنادي بالشفافية والعدالة والتكافل والإخاء والمحبة والمساواة في الحقوق والواجبات.

من هذا الواقع المجافي للحقيقة، برزت الصورة النمطية الراسخة في أذهان العالم عن الإسلام والمسلمين، وصبغته بالإرهاب والتشدد والعنف والتطرف، وبالتالي، أربكت بل أوقفت حركة الإسلام، التي كانت صاعدة بثقة وثبات، واستقطبت مئات الآلاف من الأوروبيين والأميركيين.

فكانت خصما للإسلام وعبئا عليه، وأضرت به ضررا بليغا، ولم تقدم أي إضافة على الأصعدة الفكرية أو الدعوية، لأنها كانت تصارع الفطرة السليمة والبديهية، التي تشكل الأرضية الصلبة  للدعوة الإسلامية، ولم يكن غريبا أن تحارب الطرق الصوفية، التي كان لها الفضل في نشر الإسلام، والتبشير بتعاليمه في كل بقاع الأرض، بالموعظة الحسنة وتقديم المثل والقدوة.

الدين هو جملة من المعاني والقيم الروحية، ذات الرسالة السامية الهادفة إلى تزكية النفس والعلو بها إلى مقام التسامح والتهذيب والإخاء والمحبة بين البشر جميعا، وبسط العدالة ورفع الظلم والطغيان، والبعد عن منزلقات الإجرام والعداوة والبغضاء، وفيها ترتيب لحركة المجتمع الإنسانية والمادية، من معاملات أسرية وشخصية، وهذا دور من أخصّ مهام الدولة المدنية، تتفاعل بشكل إيجابي مع مقاصده  ودوره – الذي لا خلاف حوله – في المجتمع، وهنا لا يوجد تضارب أو تناقض بل توافق وإنسجام، حيث توجد نصوص قرآنية وأحاديث نبوية صحيحة، لا يمكن تجاوزها أو التعدي عليها.

المطلوب هو الحظر القاطع والصارم لتدخل رجال الدين في السياسة، أو فرض رؤيتهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في إتخاذ القرار السياسي للدولة.  ولتثبيت هذا المبدأ، لا بد من الفصل بين الدين والسياسة، وليس بين الدين والدولة. ويوجد خيط رفيع يفصل بين الحالتين، لكنه واضح للخبراء الدستوريين والقانونيين.

وعليه، ينبغي أن ينصّ الدستور بوضوح لا يقبل التأويل على فصل الدين عن السياسة. وحظر ومنع قيام أي حزب أو حركة سياسية على أساس ديني أو جهوي أو قبلي، حفاظا على اللحمة الوطنية والنسيج الاجتماعي، وحماية الدين من تغوّل الفاسدين والمهووسيين وإستغلاله من أجل مغانم السلطة والثروة، وإعادته إلى دوره الأصيل، في بث روح السلام والتعاون والإيثار والعدالة والشفافية والإخاء والمحبة والقيم الإنسانية.

وهي ذات المقاصد والمعاني والمبادئ والقيم، التي تقوم عليها وتدعو لها العلمانية.

 * ناشط سياسي

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى