مقالات

حراك المجتمعات البشرية وثوراتها الشعبية..

د. محمد الحسامي/ اليمن

خاص “المدارنت”..

… إذا نظرنا وبسطحية شديدة، ولا نحتاج إلى التعمق أكثر إلى الإنسان الفرد والإنسان المجتمع، منذ خلقه الله تعالى وأوجده على هذه البسيطة، لوجدنا أن مسيرة حياته تتسم وتتصف بالسعى الشديد من قبله، إلى تغيير حياته الخاصة، والبحث عن كل شيء جديد ومفيد يراه مناسبا له، وتوقه إلى تغيير واقعه الذي يعيش فيه إلى الأفضل.

قد يوفق المرء في ذلك، وقد لا يوفق، وقد يكون ذلك التغيير جيدا بالنسبة له أو العكس، لكن حياته تتسم وتتصف بالحركة والانتقال من وضع إلى آخر، وليست جامدة ومتحجرة ومنغلقة ومتقوقعة، رضاء بما هو فيه وعليه، وما قصة سيّدنا آدم وحواء مع الشجرة الخبيثة إلا خير دليل، وأنصع برهان، وأقوى حجة دامغة على ذلك كله، وأول بداية للإنتقال من وضع إلى وضع آخر.

بمعنى أن المجتمعات البشرية دائما تواقة إلى تغيير أوضاعها، التي هي فيها وعليها، والانتقال إلى وضع آخر أفضل وأجمل وأحسن، وهذا ما جعلها تنتقل وعبر الفترة الزمنية التي تعيشها منذ وجودها إلى الآن، من الإنتقال من حالتها البدائية المشاعية الأولى، مرحلة الصيد، مرورا بمرحلة الزراعة، والانتقال إلى مرحلة الصناعة، إلى ما وصلت إليه الآن في هذا القرن، القرن الواحد والعشرين.

وكلما تحقق لها مكسبا جديديا من تلك المكاسب التي تسعى للحصول عليها، كلما تفتح أمامها إحتياجات وحاجات جديدة، تريد الحصول عليها، وإشباع رغباتها عبر ذلك.. إلخ. ولن تنتهي تلك الرغبات والعمل من قبل المجتمعات البشرية على إشباعها، إلا بزوالها الزوال الأخير يوم القيامة.

قال الله تعالى في كتابه الكريم: “… حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ“، صدق الله العظيم.

كل تلك المراحل التي مرّت بها المجتمعات البشرية، عبر آلاف السنين من حياتها ووجودها على هذه البسيطة، والانتقال بها من مرحلة إلى أخرى، ومن حالة إلى أخرى، كان جوهرها هو البحث عن الأفضل والاحسن والأجمل، وذلك عبر حركات وثورات اجتماعية متتالية ومتتابعة، حتى وصلت أخيرا إلى ماهي فيه وعليه الآن. ولن تقف الأمور عند هذا الحد، ما دامت الحياة قائمة على هذه البسيطة.

كل تلك الحركات والثورات عبر آلاف السنين، كان طابع العنف والعنف المضاد هو سمتها وصفتها الأساسية، وكان الصراع القائم فيما بينها البين يتسم باستخدام القوة وكل الأساليب القمعية، بهدف حسم تلك الصراعات, ومع مرور الوقت، أصبحت المجتمعات البشرية تشعر بالحاجة الماسة والقصوى والضرورية لأن تتخلص من ذلك كله، وتعيش في أمن وسلام، سواء في إدارة عملية الصراع داخلها، في إطار البلد الواحد، أو في إطار التعامل مع الآخرين، مستخدمة في ذلك النظام الديموقراطي الحقيقي داخليا والمؤسسات الدولية خارجيا، إلا أن حراك المجتمعات البشرية وثوراتها، لم تنتهي وتتوقف عند حد معين، فما تزال تلك الحركات والثورات قائمة حتى الآن، إذ أن المجتمعات البشرية المتحضرة والمتقدمة تمارس ذلك سلميا، عبر صناديق الاقتراع الحر المباشر، وبطريقة ديموقراطية سليمة وسلمية.

أما المجتمعات البشرية المتخلفة والجاهلة والغير متجانسة، فإن طابع ظاهرة العنف والعنف المضاد هي المسيطرة والمتحكمة في إدارة عملية الصراع، سواء في إطار البلد الواحد والمجتمع الواحد، أو في إطار التعامل مع الآخرين خارجيا، دولا ومجتمعاتا. إن هناك فرقا كببرا وكبيرا، بأن تتم تلك الحركات والثورات الاجتماعية بطريقة ديموقراطية حقيقية سليمة وسلمية، وبين أن تتم تلك الحركات والثورات الإجتماعية بطريقة عنفية عنيفة.

إن الإنتقال من مرحلة العنف والعنف المضاد، في إدارة عملية الصراع بين المجتمعات البشرية المتخلفة والجاهلة والغير متجانسة، داخليا وخارجيا، كوسيلة وحيدة لتلك الحركات والثورات الاجتماعية، إلى مرحلة السلم والسلم المضاد، داخليا وخارجيا، كوسيلة وحيدة لتلك الحركات والثورات الاجتماعية، عملية صعبة للغاية وشاقة ومعقدة ومركبة، تحتاج إلى جهد كبير ووقت طويل ورموز يديرونها, وقبل ذلك، إلى شعور حقيقي وإحساس حقيقي بالحاجة الماسة والقصوى والضرورية لها، “فالحاجة هي وعي النقص”، كما يقول الفيلسوف الألماني هيغل، لكنها ليست مستحيلة, إذ ما تزال تلك المجتمعات المتخلفة، ونحن كأمة من ضمنها, بل إنه وللأسف الشديد الوحيدة المتبقية منها, تبحث عن نفسها، وذلك عبر ثوراتها الشعبية المتتالية بين مرحلة وأخرى من تاريخ حياتها.

وما حدث مؤخراً، وما يزال يحدث منذ العام 2011م. حتى الآن، إلا التعبير الحقيقي عن ذلك وتلك. صحيح أن الأمور فيها لم تصل إلى الأهداف المرجوة منها, لكن الصحيح أيضا أنها ما تزال مستمرة، وسوف تصل إلى مبتغاها قريبا بإذن الله تعالى.

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى