عربي ودولي

حلف ترامب/ نتنياهو: كل الطرق تؤدي إلى رفح.. و”فيتنام غزّة” بانتظارنا!

“المدارنت”
لقاء (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب، و(رئيس حكومة العدوّ الإرهابي الصهيوني بنيامين) نتنياهو الأول، أمس فجراً، عقد على ثلاثة مستويات مميزة. أولاً الوجدان؛ فعندما التقى ترامب بنتنياهو، وانتظر سيارته، كان يمكن رؤية ما حصل بينهما. أمسك ترامب بنتنياهو مثلما يمسك المرء بأخيه في معركة. كانت الرسالة واضحة: قاتلنا معاً. وإذا ما لم يفهم أحد الرسالة، فقد جاءت الصورة التي وزعها البيت الأبيض: كانا يقفان تحت صورة ترامب بعد أن أصيب في محاولة الاغتيال. وكان العنوان: “FIGHTFIGHT! FIGHT!“. نحن كلانا من القرية ذاتها، يقول ترامب لنتنياهو.
المستوى الثاني هو الرغبة في الوصول إلى وقف نار. ليس صدفة إدمان البادرات الطيبة الصادرة عن البيت الأبيض: الرئيس يريد إنهاء القتال. هذا ليس تحليلاً، فهو يقول هذا علناً. هناك دول أخرى في الشرق الأوسط تنظر جيداً وتضغط، وهي قريبة من البيت الأبيض، على رأسها السعودية. الولايات المتحدة تمارس ضغطاً هائلاً على قطر في الأيام الأخيرة. وثمة لقاء آخر مع ترامب في البيت الأبيض عقد الليلة، ربما لإطلاق بيان هام، مثلاً، عن وقف نار في القطاع.
 بالنسبة لنتنياهو، يبدو أن تحقيق وقف نار الآن مقدمة عليا، أو على الأقل هو الانطباع الذي يعطيه. هل سيفرض البيت الأبيض هذا بفظاظة على نتنياهو؟ إذا ما حاكمنا على الأمور من البادرات الطيبة الخارجية، نرى ترامب ونتنياهو في ذروة شهر عسل، لكن الرئيس معروف بأنه يعرف كيف يغير السلوك عند الحاجة، وبسرعة.
المستوى الثالث هو ما يحتاجه نتنياهو لبقائه سياسياً، وترامب تسره المساعدة. إلى هنا تدخل أقوال عن مستقبل غزة، واستمرار تنفس اصطناعي لمبادرة “الهجرة الطوعية” من القطاع، ورزمة التطبيع المحتملة، وغيرها. كل شيء يسمح لسموتريتش وبن غفير برفع شارة النصر، وهما في واقع الأمر يقتربان من حلمهما العظيم – حكم عسكري في القطاع، وطرد الفلسطينيين. ما دام ممكناً الإبقاء على علائم حياة “الحلم” وإضافة تقدمات إقليمية، فسيكون الأسهل على نتنياهو تمرير الصفقة. البيت الأبيض يدرك سلسلة الضغوط هذه.

المرحلة الفيتنامية في القطاع
على الرغم من العلاقات الممتازة التي بثها ترامب ونتنياهو في لقائهما الأول، لم يكن ممكناً أمس التطرق للقاء – غير الدراماتيكي في تلك المرحلة – عندما بينت الأخبار القادمة من قطاع غزة بن خمس عائلات إسرائيلية أخرى شهدت خراباً تاماً.
المقارنات التاريخية فظة ومغلوطة ومضللة. لكن يجب معرفة دروس التاريخ، وصداها يعلمنا الواقع. إسرائيل في مرحلة فيتنامية في قطاع غزة. فهي رهينة شعارات وتعنى برفع ثابت بالرهان. خذوا شعار “لن نتوقف إلى أن ينزع سلاح حماس”. إذا ما “وافقت” حماس صباح غد على نزع سلاحها، فهل يحصل هذا؟ من يؤكد؟ الجواب أن الجيش الإسرائيلي وحده يمكنه فعل هذا، ولا يمكنه فعل هذا إلا إذا سيطر على غزة كلها بحكم عسكري كامل ومطلق. فلا يمكن لأي إماراتي أو مصري المرور من زقاق إلى زقاق في دير البلح، ليتأكد من جمع الكلاشينات كلها. بكلمات أخرى، إذا ما وافقت حماس على جمع السلاح، فهذه خدعة. إلا إذا احتلت إسرائيل المنطقة كلها. وعندها، لا حاجة لموافقة حماس منذ البداية، ولا قيمة لاتفاق معها. وبالتالي، لماذا تطرح إسرائيل هذا الطلب؟ أجيبوا.
وثمة شعار آخر، وهو أن حماس “لن تحكم القطاع”. لقد وافقت حماس مبدئياً، لكن إسرائيل تريد أن تتأكد من أنها لن تحكمه حتى من خلف الكواليس. كي يكون الأمر هكذا فيجب تحقيق واحد من اثنين: إما أن يحكم الجيش الإسرائيلي القطاع مباشرة، وعندها لا معنى للاتفاق مع حماس، أو أن تحكم السلطة الفلسطينية غزة، كعدو لدود لحماس. نتنياهو غير مستعد لسماع أي شيء عن السلطة، وهكذا قال “مصدر سياسي كبير” فجراً. احتلال عسكري إسرائيلي؟ غير يستبعد. نتنياهو يؤشر لرجاله (وأساسا لوزيري اليمين المتطرفين) بأن الحكم العسكري على الطريق.
خذوا شعاراً آخر: المشكلة التي بسببها تعود إسرائيل إلى المناطق إياها التي سبق أن دخلتها في القطاع، أنها لم “تعالج” بنى حماس التحتية كما ينبغي: الأنفاق، ما تحت الأرض، الكتائب. لو أنها تستولي على المنطقة وتتخلص من نهج الاجتياحات، فستهزم حماس. هذا شعار قدم للجمهور الإسرائيلي قبل “عربات جدعون”.
هاكم الواقع من بداية الحملة، دمرت إسرائيل بنى تحتية لحماس أكثر بكثير، وعملت بشكل جذري أكثر، وبقيت في الميدان. الكثير من كتائب حماس تضررت بشدة. هاكم الثمن: منذ عادت إسرائيل للقتال وأوقفت وقف النار، في آذار، سقط 38 مقاتلاً في القطاع. وتيرة عشرة في الشهر تقريباً. لكن المتوسط يكذب: في آذار ونيسان سقط جنود قليلون. ابتداء من 1 حزيران، تكبدنا معظم الخسائر. بكلمات أخرى: قدرات حماس لإصابة الجنود لم تتآكل.

الشعار الجديد: مدينة إنسانية
خمس ضحايا الجيش في بيت حانون، سقطوا على مسافة أقلّ من كيلومترين عن الجدار الفاصل مع غزة، في منطقة هي جزء من الحزام الأمني الفاصل. مبدئياً، الجيش الإسرائيلي لم يتركها قط. عملياً، هو لم يكن في البلدة. الجيش، بخاصة في حجم قواته الحالي، لن يكون في كل مكان. وبالنسبة لشعار “المكوث: من يريد أن “يمكث” في المنطقة يستدعي حرب عصابات تتعلم القوة المحتلة. الجيش يتمترس، حرب العصابات تجد الثغرات. الجيش يحفر، حرب العصابات تحاول الحفر أعمق. حزب الله، فيتنام، أفغانستان، العراق، غزة. يمكن إحصاء جثث المخربين الذين قتلهم الجيش الإسرائيلي، لكن لم يعد في قطاع مكتظ أي اقتصاد، ولا مدارس، ولا حكم، ومن السهل تجنيد شباب للقتال ضد إسرائيل. الأمريكيون ارتكبوا خطأ فظيعاً في العراق: أقالوا جيش صدام حسين. الإسرائيليون ارتكبوا ويرتكبون خطأ أكبر في القطاع: أقالوا الجميع.
الآن يبيعون شعاراً جديداً. إذا ما أقمنا قطاع غزة في رفح من جديد، بمثابة “مدينة إنسانية” للوصول إليها “يرشح السكان الفلسطينيون” من المخربين. وعندها ستهزم حماس. ستنقل إسرائيل قسراً مليونين من السكان إلى جنوب القطاع؟ كيف ستفعل هذا – باجتياح مناطق في غزة تحتوي على مخطوفينا؟ ماذا سيكون عليهم؟ وماذا سيكون في هذا المجال الإنساني؟ ومم سيرتزق الفلسطينيون هناك – ومن سيمول هذا؟ مرة أخرى، الجمهور الإسرائيلي؟ وكيف سيتأكدون من عدم دخول حماس إلى “المدينة الإنسانية”؟ هل سيقيمون حولها جداراً؟ تحدثت مع بعض من واضعي هذه الخطة، لكن لا أجوبة.

ينظرون إلى المدى القصير
في لقاء ترامب نتنياهو الأول بحثت هذه المواضيع بشكل مبدئي فقط. الأمريكيون لم يشككوا بالمنطق الإسرائيلي. أوضح نتنياهو بأن حماس لن تحكم غزة، والرئيس، عندما سئل عن حلّ الدولتين، وجه السؤال بكياسة إلى رئيس الوزراء. نتنياهو، من جهته، أجرى عرضاً مع كتاب “توصية” لجائزة نوبل؛ مشكوك أن هذا يساعد احتمالات الرئيس، في ضوء الصورة الحالية لرئيس الوزراء في العالم، وفي إسكندنافيا بخاصة؟
وضع وزن زائد على المدى القصير في الشرق الأوسط. ما هو مهم هو ما يحصل الآن، وليس ما يخطط له بعد سنة أو شهر أو أسبوع. في المدى القصير، محاولة جدية للوصول إلى وقف نار وإعادة عشرة مخطوفين أحياء. البيت الأبيض يريد هذا، وعلى ما يبدو نتنياهو، لكن بشروطه. الأمر الهام الذي حققه حتى الآن هو انطباع الحلف العميق بينه وبين الرئيس الأمريكي. إذا كان نتنياهو يريد صفقة، فسيستخدم هذا الحلف لإقناع بن غفير وسموتريتش بأن هكذا ستتمكن إسرائيل من العودة إلى الحرب.

نداف ايال/ “يديعوت أحرونوت”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى