مقالات

حين يلتقي غضب الشارع الإيراني بقوة التنظيم!

موسى أفشار/ إيران

خاص “المدارنت”
لم يعد السؤال في إيران ما إذا كان نظام ولاية الفقيه يواجه أزمة، فالأزمة باتت جزءا من بنية النظام نفسه. منذ سنوات، تتوالى مؤشرات التآكل السياسي والاجتماعي والاقتصادي، فيما تتسع الفجوة بين سلطة تتمسك بالبقاء بأي ثمن ومجتمع لم يعد يرى في هذه السلطة تعبيرا عن مصالحه أو تطلعاته.

وقد أثبتت الانتفاضات التي شهدتها إيران خلال العقدين الماضيين أن الاحتجاج لم يعد رد فعل على ظرف اقتصادي أو قرار حكومي. فكل موجة كانت تكشف عن طبقة أعمق من الرفض، وكل مرة كان النظام ينجح فيها في إخماد الشارع كانت بذور الاحتجاج تنتقل إلى مرحلة جديدة. ولذلك فإن هدوء الشارع لا يعني انتهاء الأزمة، بل قد يكون مجرد فاصلة بين موجتين.
لكن ثمة مسألة أكثر أهمية من حجم الغضب الشعبي: ما الذي يستطيع هذا الغضب أن يفعله عندما يواجه نظاماً يمتلك ترسانة هائلة من أدوات القمع؟

هنا يصبح التنظيم هو العامل الفارق.
فالسلطة الإيرانية لا تواجه مواطنين غاضبين فحسب، وإنما تواجه، بحسب ما تؤكده قوى المعارضة، شبكات مقاومة تسعى إلى تحويل الاحتجاج من ظاهرة عفوية إلى فعل متواصل. وهذه النقطة تحديدا تفسر جانبا من الحساسية الشديدة التي يبديها النظام تجاه منظمة مجاهدي خلق ووحدات المقاومة المرتبطة بها.
فالمشكلة بالنسبة للسلطة ليست في وجود معارضين خارج البلاد، ولا في انتقاد سياسي يمكن احتواؤه بالدعاية، وإنما في احتمال وجود تنظيم قادر على البقاء داخل المجتمع حتى عندما تفرض الأجهزة الأمنية الصمت بالقوة.

وهنا تكمن أهمية ما يسمى بوحدات المقاومة. فالقيمة السياسية لأي تنظيم معارض لا تقاس فقط بعدد أنصاره المعلن، وإنما بقدرته على الاستمرار في الظروف التي تجعل النشاط السياسي العلني شبه مستحيل. وفي نظام يعتمد على الاعتقالات والإعدامات وقطع الاتصالات لإخماد الاحتجاج، يصبح مجرد استمرار التنظيم تحديا بحد ذاته.
ولعل أكثر ما يقلق النظام هو احتمال التقاء مسارين ظلا لفترة طويلة متوازيين: الانتفاضة الشعبية من جهة، والمقاومة المنظمة من جهة أخرى.

فالشارع يستطيع أن يفاجئ السلطة، لكنه يحتاج إلى قوة تحفظ استمرارية الحراك عندما تبدأ الاعتقالات. والتنظيم يستطيع أن يحافظ على حضوره، لكنه يحتاج إلى مجتمع مستعد للانفجار. وعندما يلتقي العاملان، يمكن أن تتحول الاحتجاجات من موجات متفرقة إلى مسار سياسي يهدد أصل النظام.
لكن إسقاط النظام ليس نهاية المعادلة. فالسؤال الذي سيطرح نفسه بعد ذلك هو: من يقرر شكل إيران الجديدة؟

وهنا ينبغي أن يكون المبدأ واضحا: لا يملك أي طرف خارجي حق اختيار مستقبل إيران، كما لا ينبغي أن يتحول سقوط الديكتاتورية إلى مقدمة لنسخة أخرى منها. المطلوب هو أن يحصل الإيرانيون على حق تقرير مستقبلهم عبر انتخابات حرة ونظام تعددي يحترم الحريات ويفصل الدين عن الدولة ويضمن حقوق المرأة والمكونات القومية والدينية.
وفي هذا السياق، يطرح المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية برنامجا للمرحلة الانتقالية، فيما تقدم مريم رجوي برنامج النقاط العشر باعتباره تصورا لإيران ديمقراطية مستقبلية.

لذلك فإن قراءة مستقبل إيران من خلال عدد المتظاهرين وحده قد تكون قراءة ناقصة. العامل الحاسم قد يكون في مكان آخر: هل يستطيع الغضب المتراكم أن يجد البنية السياسية والتنظيمية التي تحول لحظة الاحتجاج إلى لحظة تغيير؟
إذا حدث ذلك، فإن النظام لن يواجه انتفاضة جديدة فحسب، بل سيواجه معادلة مختلفة تمامًا: مجتمع يريد الخلاص من الديكتاتورية، وتنظيم يسعى إلى تحويل هذا الرفض إلى قوة تغيير، ونظام لم يعد يملك لمعالجة أزمته سوى القمع.

وعندها قد لا يكون السؤال هو متى تبدأ الانتفاضة الكبرى، بل متى يصبح النظام عاجزا عن إيقافها.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى