مقالات

قراءة جديدة مغايرة للحضارة الأغريقية القديمة..

د. محمد الحسامي/ اليمن

خاص “المدارنت”..
.. في عمق بادئ ذي بدء، أقول: كثيرة وكثيرة هي تلك القراءات والنظريات للتاريخ وللتراث الإنساني العالمي،وللحضارات العالمية القديمة وحتى الحديثة… إلخ. وكثيرة وكثيرة هي تلك الأساطير والخرافات في التاريخ والتراث الإنساني العالمي، وفي الحضارات لعالمية.. إلخ. وكثيرة وكثيرة هي تلك الروايات العديدة والمتعددة والمتنوعة عن الأشخاص الذين كان لهم دورا وتأثيرا كبيرا في وعلى ذلك التاريخ وذلك التراث وتلك الحضارات التي تتسم بسمة الخيال الشعبي الواسع، وبالصبغة الخرافية التي لا يقبلها العقل ولا المنطق..إلخ كل تلك..وتلك..وتلك..،ومع مرور الوقت والزمن، وبفعل عوامل أخرى عديدة ومتنوعة وكثيرة ومتداخلة، دينية كانت أم غير دينية، عرقية كانت أم غير عرقية، مقصودة أم غير مقصودة،..
أصبحت وصارت بمثابة المسلمات والحقائق المطلقة، بل وصبغت بصبغة تقديسية، مسلمة تسليما مطلقا ومقدسة من قبل جميع المهتمين بذلك التاريخ والتراث وبتلك الحضارات من مؤرخين وناقدين ومفكرين ومثقفين وروائيين وسياسيين وغيرهم، ومن عامة الجمهور..إلخ كل ذلك جعل الأكاديميات العالمية الحديثة تقبلها وتتقبلها بإعتبارها أشياء وأحداث حدثت بالفعل، حدوثا يقينيا بحتا، ولا يأتيها الباطل لا من قريب أو بعيد، وترفض التشكيك فيها، ومن ثم تدرسها للأجيال الحالية كما الفائتة، وحتی القادمة، كمسلمات وحقائق مطلقة وحتى مقدسة، بما لذلك من تشكيل وتشكل يقيني بحتي لديهم جميعا، وبما لذلك من نتائج قد تكون كارثية للبعض منها..إلخ تلك القراءات والنظريات المتسمة بسمة الحقيقية المطلقة والتسليم المطلق،والمصبوغة بصبغة تقديسية، أدت وما زالت تؤدي إلى التقليل من شأن تاريخ وتراث وحضارة ما لبعض المجتمعات والشعوب والأمم وإعلا شأن لتاريخ ولتراث ولحضارة ما للبعض الآخر من تلك المجتمعات والشعوب والأمم.. تلك القراءات والنظريات..ألغت تاريخ وتراث وحضارة البعض من المجتمعات والشعوب والأمم ومحتها من الوجود.. تلك القراءات والنظريات..قللت تقليلا متعمدا من دور الإسهام الحضاري لبعض الحضارات وعبر التاريخ في عملية التراكم الحضاري العالمي الإنساني..وحصرها في مجتمع وشعب وأمة لوحدها دون غيرها..
تلك القراءات والنظريات..اعلت من شأن تلك الأساطير والخرافات..على حساب العقل والمنطق..إلخ تلك القراءات والنظريات… التي اختزلت التفكير العقلي النقدي بمجتمعات وشعوب وأمة لوحدها دون غيرها من سائر المجتمعات والشعوب والأمم الأخرى، بل ووسمتها بسمة التفكير الميتافيزيقي اللاعقلي وبصبغة الخرافة والدجل… تلك القراءات والنظريات..التي كانت خلاصاتها الهادفة لها والمرجوة منها..تشكل وتشكيل وعيا نمطيا سلبيا تجاه الغالبية العظمى من المجتمعات والشعوب والأمم البشرية..ومن ثم تشكل وتشكيل وعيا نمطيا إيجابيا للقلة القليلة من المجتمعات والشعوب والأمم..إلخ.
تلك القراءات والنظريات..التي اعلت من إنسان الغرب وقللت من إنسان الشرق، وبأن العبودية ظاهرة متأصلة في إنسان الشرق ومتجذرة فيه وجزء أصيلا من شخصيته ,كما يقول الفلاسفة الاقدمون منذ أرسطو وسقراط وافلاطون مرورا بالاسكندر المقدوني وحتى البعض من فلاسفة العصر الحديث..!! في مقابل كل تلك القراءات والنظريات الكثيرة والكثيرة،وعلى النقيض منها، فإن هنالك قلة قليلة ونادرة مقارنة بذلك الحشد الضخم من تلك القراءات والنظريات..والتي حاولت نقدها وإعطاء كل ذي حق حقه ولو بنسبة بسيطة ويسيرة..إلخ وهذا ما جعل كل من يحاول إعادة قراءة التاريخ والتراث والحضارات القديمة، قراءة جديدة مغايرة لكل تلك القراءات والنظريات..وذلك عبر السبر في اغوارها والبحث عن جذورها ومنابعها، سبرا وبحثا نقديا ومشككا بها، وعدم القبول بها..ومن ثم رفضا لها،بل حتى مجرد نقدها..
يتعرض لكل الويلات والمصائب، وحتى التصفية الجسدية له،من قبل الجميع،من قبل العامة ومن قبل الخاصة منها بالمقام الأول..إلخ ونتيجة لكل ذلك، ولعوامل أخرى كثيرة وكثيرة، فإنه وجد ويوجد، وهم القلة القليلة النادرة، من حاول ويحاول فعل ذلك عبر القيام بقراءات مغايرة لتلك القراءات والنظريات المتسمة بسمة الحقيقية المطلقة والتسليم المطلق، والمصبوغة بصبغة تقديسية، لكي يبطلها، ليس شرطا أن يكون ذلك كليا بل جزئيا،.. إلخ. من تلك القراءات المغايرة، وعلى سبيل المثال هنا، تلك القراءة المغايرة فيما يخص التاريخ الأغريقي القديم ويختص به، جذورا ومنبعا ومصدرا، وذلك من منطلق مغاير لكل القراءات والنظريات له وحوله السائدة حتى الآن،.. إلخ هذه القراءة المغايرة قام بها المؤرخ الأمريكي”مارتن برنال ” في كتابه الموسوعي” أثينا السوداء: الجذور الأفريقية والأسيوية للحضارات الكلاسيكية (بالإنجليزية: Black Athena: The Afroasiatic Roots of Classical Civilization)‏.
ذلك الكتاب الموسوعي الصادر في العام 1987م من القرن الماضي و((هو كتاب من ثلاث مجلدات يتناول فيه تاريخ الأغريق القدماء من منطلق مغاير للمعتاد عند المؤرخين المعاصرين)). حيث أن قراءته المغايرة تلك،ومن وجهة نظره((تؤكد أن الحضارة الأغريقية القديمة مدينة لجيرانها من أسيا وأفريقيا (مصر وكنعان \فنيقيا) لدرجة كبيرة.) ولم يكتفي في أطروحته ووجهة نظره تلك وتقف ((عند ذلك بل تصرح بأن وجهة نظر المؤرخين الغربيين تغيرت من الاعتراف بدين الحضارة الأغريقية لحضارات الشرق الأوسط لإنكارهم وجحودهم خلال القرن الثامن عشر بعد الميلاد تحيزا منهم إلى انتمائهم الغربي.)) وجهة النظر تلك لم تسلم من ردود أفعال حيالها، طبعا معارضة لها عموما إلا ما ندر،..إلخ
فـ((لقد رد بعض المؤرخون الغربيون، أمثال “رونالد ه. فرتز”، بأن موقفهم يعترف بالموروث الحضاري (من مصر، كنعان-فنيقيا وبلاد الرافدين) بما فيه الكفاية وأن كتاب «برنال» أستغل من قبل الحركة الفكرية المسيسة والمتحيزة لأفريقيا وأدی الی اختلاق تاريخ مزيف. ووفقًا للمؤرخة كريستينا ريجز، “تبنى علماء الأفروسنترية ودراسات ما بعد الاستعمار الكتاب، على الرغم من رفض علم الآثار والمصريات والدراسات الكلاسيكية الكثير من أدلة برنال، وضمنًا أو صراحةً أطروحته الأساسية نفسها.)) وجهة نظره وأطروحته تلك، وعبر كتابه الموسوعي ذلك، جوهرها هو القيام بعملية تعديلية لإصول الحضارة الأغريقية القديمة، حيث أنه((يرفض في كتابه «أثينا السوداء» النظرية السائدة اليوم بخصوص أصول الحضارة الأغريقية القديمة والتي تری أن مؤسسيها كانوا مستوطنون «أريون» نزحوا الي اليونان من أواساط أوروبا.
وسمی «برنال» هذه النظرية بال«النموذج الأري»، وظهرت هذه النظرية في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، ولقت قبولا متزايدا في القرن التاسع عشر حتی باتت الآن النظرية السائدة. ومع رفضه للنموذج الأري يؤيد «برنال» ما يطلق عليه «النموذج القديم». ويطلق هذا الأسم علی النظرية التي يؤيدها لأنها النظرية التي كان يستعملها القدماء أنفسهم (من اغريق وروم الخ…) عندما كانوا يتحدثون عن أصول الحضارة الاغريقية.)) في سبيل إثبات وتدعيم وجهة نظره وأطروحته تلك قام بالعديد من الاستدلال التاريخية من تلك الحضارة وفيها..إلخ فمن(( ضمن أشهر ما يستدل به من أقوال الأغريق القدماء بخصوص أصول حضارتهم والمطابقة للنموذج القديم الذي يؤيده «برنال»:
– شهادة «أيسكولس» (الذي ولد حوالي 525 ق.م. ومات حوالي 456 ق.م. ويعد أعتق كاتب مسرحي اغريقي نستطيع قرأة منشوراته أو إنتاج مسرحياته) في تمثيلته المتوسلات. وهذه التمثلية مبنية علی أسطورة أغريقية عن نشأة مدينتي «أرغوس» و«ميسيني» وتحضرهما بقدوم «دانوس» المصري القديم وبناته الخمسون الي «أرغوس». وفي الأسطورة تزوجت «هيبرمنيسترا»، أحد بنات «دانوس»، شاب من «أرغوس» فكان من ذريتها «برسيوس» الذي أسس «ميسيني»، تلك المدينة التي سميت من أجلها أول حضارة أغريقية (الحضارة الميسينية من حوالي 1600 ق.م الی حوالي 1100 ق.م.). ويجدر الذكر هنا أن الأغريق القدماء أعتادوا تسمية أنفسهم «دانيون» نسبة الي «دانوس» مفاخرة منهم بانحدارهم الأسطوري من ذلك المصري. -ودليل أخر للنموذج القديم: إشارة الشاعر «هومر» (في حوالي 800ق.م) في قصيدته “الإلياذة” الي الأغريق بالـ”أكيون” 598 مرة (أي الأتون من “أكيا” التي تقع شمال «أرغوس») وال«دانيون» 138 مرة (أي المنحدرون من «دانوس» المصري القديم، توأم “ايجبتوس”، أب وملك المصريين في أساطير الأغريق) وال”أرغيون” 182 مرة (أي الأتون من «أرغوس»)، وأخيراَ َ بال”هالينس” مرة واحدة فقط. وللعلم فان اليونانيين المعاصرين يسمون أنفسهم “هالينس” “Έλληνες. يُجمع المؤرخون أن «هومر» شاعر يكاد يكون خرافي لا يعلم أحد بيقين متی عاش وكيف نقلت الإلياذة الينا وغالب الظن أن النقل كان شفوياَ َ لعقود قبل أن يدون. إذ أن المصدر مربك. – كما يعلمنا «برنال» أن المتوسلات مسرحية من غيابات التاريخ وأنها تحكي أحداث بأسلوب أسطوري وليس بموضوعي. وتتناول الأسطورة التي ألهمت المتوسلات موضوع إنشاء مدن حوالي 1000 عام قبل ميلاد «أيسكولس».
إذ أن المصدر مربك. – يعلمنا «برنال» (وسرعان ما يدرك القارئ ل«’اثينا السوداء») أن تاريخ الأغريق القدماء غامض وأن التواريخ مربكة، والمصادر متناقضة، وحتی بعض الشخصيات (مثل «هومر») مشكوك فيها. فهناك مؤرخون، مثل «مارتن وست»، لايؤمنون بوجود «هومر» كشخص اطلاقاَ! ولكن…مع الخلافات في المصادر التي يسردها «برنال» واعترافه بالخلافات يدرك القارئ: أن الأغريق القدماء سردوا قصص شتی يدعون انحدارهم من مصري أسمه «دانوس» وذلك يساند النموذج القديم.)) إزاء، وأمام، كل ذلك، ولما تتسم به القراءات العديدة والمتعددة والمتنوعة لتارخنا ولتراثنا ولحضارتنا من سمة الحقائق المطلقة والتسليم المطلق لكل تلك القراءات،والمصبوغة بصبغة تقديسية دينية بالمقام الأول، أحداثا وشخصيات ونصوصا وغيرها، والتي شكلت وتشكل وعينا الحاضر “وعي التخلف المقدس”،..
ما أحوجنا، وفي هذه المرحلة المفصلية من تاريخ أمتنا، إلى إعادة قراءة كل ذلك،قراءة جديدة مغايرة، إن لم تكن كلية فعلى الأقل جزئية، تخص أهمها وأكثرها تأثيرا سلبيا على أمتنا وتختص بها،سواء تلك الخاصة والمتعلقة بناء كأمة أو تلك التي لها علاقة بناء المتعلقة والخاصة بغيرنا،..إلخ.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى