مقالات
د. الحسامي في قراءة كتاب: “مقالة في العبودية المختارة”..

خاص “المدارنت”..
قراءة في كتاب “مقالة في العبودية المختارة”، هي ترجمة لكتاب: “مقالة في العبودية المختارة”، للكاتب الفرنسي الشاب “إتيان دو لا بويسيه”.. ترجمة مصطفى صفوان.. ضمن سلسلة إصدارات “مجلة الدوحة”، بعنوان “كتاب الدوحة”..
“مقالة في العبودية المختارة”، كما هي ترجمتها هنا في هذه الترجمة، حيث أن لها ترجمات أخرى عديدة إلى اللغة العربية، تستبدل فيها كلمة “المختارة” بـ”الطوعية”.. هي (صرخة إيتان دو لا بويسيه قبل ستة قرون التي قال فيها: “حتى غدت الحرية تبدو اليوم وكأنها شيء لا يمت إلى الطبيعة”، هي صرخة لا زالت تتردد في أرجاء مختلفة من المعمورة، فالحرية تلك التي يبحث عنها الإنسان لا زالت متنازل عنها في مكان، ومزيفة في مكان آخر، ولا زال قوله: “إن الحيوان لا يتنازل عن حريته إلا بعد دفاع ضروس! ولكن الإنسان يفعل ذلك بسبب الحاجة أو غياب الوعي” باقيا) هذه المقالة للكاتب والمفكر الفرنسي الشاب “إيتان دو لا بويسي” (بوسيه) (1530م. 1563م.) التي كتبها وهو في سن الثامنة أو التاسعة عشرة من عمره، أي في عام 1548 م. أو 1549 م، والتي نشرت يعد رحيله كمقالة على حده في العام 1835 م. بعد أن كانت تنشر ضمن نشرات صديقه ” مونتيني” ولا يلتفت إليها الكثير من القراء.. من دون الدخول في تفاصيل السيرة الشخصية لكاتبها والظروف المحيطة به والبيئة التي نشأ فيها وترعرع التي كانت مليئة بالصراعات والجور والظلم والقتل والاقتتال (بين الكاثوليك والبروتستانت في ذلك الوقت) وغيرها.. إلخ. وبغض النظر عن عدد صفحاتها القليلة التي لا تتجاوز “الستة والثلاثين صفحة” في هذه الترجمة لها.. إلخ. وبغض النظر عن الإتفاق أو الإختلاف معها (جزئيا طبعا)، حيث أن هذه القراءة قراءة سردية وليست تحليلية نقدية،…إلخ إلا أنها عبرت أصدق تعبير عن ذلك الواقع المرير في حينها، وكانت فعلا وبحق صرخة قوية ومدوية في وجه وضد الحكام المستبدين الطغاة، وفي وجه الاستبداد والطغيان، ومناداة صادقة وقوية لجماهير الشعب للتحرر والخلاص والتخلص من نير الاستبداد والطغيان ومن جبروت المستبدين والطغاة وحثهم على فعل ذلك والقيام به.. إلخ.
هذا الكتاب (المقالة)، ينتمي إلى تلك الكتب القصيرة في صفحاتها القليلة عبر العصور، لكنها عميقة وثرية وغنية في مدلولاتها ومضامينها ولها الأثر الإيجابي الكبير ليس في مجتمعاتها فقط، بل وفي كل المجتمعات، بالرغم من مرور قرون عديدة عليها، مثلها مثل “كتاب الأمير” لميكافيلي، وكتاب “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” للكواكبي، (حتى أنني شخصيا عندما أعيد قراءة هذه المقالة الرائعة، اتخيل نفسي بأني أقرأ كتاب الكواكبي، لما يوجد من شبه كبير بينهما..) حيث يقول في ذلك الدكتور/ محمد الرميحي أثناء تقديمه لهذه الترجمة (هنا علينا أن نتوقف قليلا لنرى أن الكتب ليست بحجمها، إنما الكتب لها معيار أهم من الحجم، وهو معيار بقائها عبر العصور، ومقاومتها لتصاريف الزمن الذي يبلى تقريبا كل شيء، عدا الأفكار. يا لها من قوة إنسانية تملكها (الأفكار) التي تبقى كل هذه السنين، وتؤثر في الناس جيلا بعد جيل، وتتحول معانيها مع ظروف مستجدة إلى مواءمة تكاد تكون متطابقة، بين عصر مضى وعصر قادم! أترى أن سر بقاء هذه الأفكار هو أن الإنسان (لا يتعلم) من الماضي ومن أخطاءه ومن تاريخه، يريد دائما أن يمر بالتجربة نفسها في كل جيل وفي كل عصر حتى يختبرها بنفسه؟ أم أن الإنسان في الحقيقة لم يخلو من (شيطان) في داخله، يزين له أن يسيطر على الأخرين ونزع إنسانيتهم وتحقيق نوع من المتعة الغامضة، والتصرف في حياتهم على أنه نوع من النجاح يحقق الشعور بالتفوق ويشبعه؟) في هذه المقالة استشهد “إيتان دو لا بويسيه” بكثير من القصص والروايات والاحداث والوقائع التاريخية التي تدعم وجهة ما أراد قوله وإيضاحه.. لقد بدأ “إيتان دو لا بويسيه” مقالته الرائعة هذه بتلك الكلمات التي خاطب بها “أوليس” القوم في هوميروس التي تقول: “كثرة الأمراء سوء، كفى سيد واحد، ملك واحد”.
قراءة في كتاب “مقالة في العبودية المختارة”، هي ترجمة لكتاب: “مقالة في العبودية المختارة”، للكاتب الفرنسي الشاب “إتيان دو لا بويسيه”.. ترجمة مصطفى صفوان.. ضمن سلسلة إصدارات “مجلة الدوحة”، بعنوان “كتاب الدوحة”..
“مقالة في العبودية المختارة”، كما هي ترجمتها هنا في هذه الترجمة، حيث أن لها ترجمات أخرى عديدة إلى اللغة العربية، تستبدل فيها كلمة “المختارة” بـ”الطوعية”.. هي (صرخة إيتان دو لا بويسيه قبل ستة قرون التي قال فيها: “حتى غدت الحرية تبدو اليوم وكأنها شيء لا يمت إلى الطبيعة”، هي صرخة لا زالت تتردد في أرجاء مختلفة من المعمورة، فالحرية تلك التي يبحث عنها الإنسان لا زالت متنازل عنها في مكان، ومزيفة في مكان آخر، ولا زال قوله: “إن الحيوان لا يتنازل عن حريته إلا بعد دفاع ضروس! ولكن الإنسان يفعل ذلك بسبب الحاجة أو غياب الوعي” باقيا) هذه المقالة للكاتب والمفكر الفرنسي الشاب “إيتان دو لا بويسي” (بوسيه) (1530م. 1563م.) التي كتبها وهو في سن الثامنة أو التاسعة عشرة من عمره، أي في عام 1548 م. أو 1549 م، والتي نشرت يعد رحيله كمقالة على حده في العام 1835 م. بعد أن كانت تنشر ضمن نشرات صديقه ” مونتيني” ولا يلتفت إليها الكثير من القراء.. من دون الدخول في تفاصيل السيرة الشخصية لكاتبها والظروف المحيطة به والبيئة التي نشأ فيها وترعرع التي كانت مليئة بالصراعات والجور والظلم والقتل والاقتتال (بين الكاثوليك والبروتستانت في ذلك الوقت) وغيرها.. إلخ. وبغض النظر عن عدد صفحاتها القليلة التي لا تتجاوز “الستة والثلاثين صفحة” في هذه الترجمة لها.. إلخ. وبغض النظر عن الإتفاق أو الإختلاف معها (جزئيا طبعا)، حيث أن هذه القراءة قراءة سردية وليست تحليلية نقدية،…إلخ إلا أنها عبرت أصدق تعبير عن ذلك الواقع المرير في حينها، وكانت فعلا وبحق صرخة قوية ومدوية في وجه وضد الحكام المستبدين الطغاة، وفي وجه الاستبداد والطغيان، ومناداة صادقة وقوية لجماهير الشعب للتحرر والخلاص والتخلص من نير الاستبداد والطغيان ومن جبروت المستبدين والطغاة وحثهم على فعل ذلك والقيام به.. إلخ.
هذا الكتاب (المقالة)، ينتمي إلى تلك الكتب القصيرة في صفحاتها القليلة عبر العصور، لكنها عميقة وثرية وغنية في مدلولاتها ومضامينها ولها الأثر الإيجابي الكبير ليس في مجتمعاتها فقط، بل وفي كل المجتمعات، بالرغم من مرور قرون عديدة عليها، مثلها مثل “كتاب الأمير” لميكافيلي، وكتاب “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” للكواكبي، (حتى أنني شخصيا عندما أعيد قراءة هذه المقالة الرائعة، اتخيل نفسي بأني أقرأ كتاب الكواكبي، لما يوجد من شبه كبير بينهما..) حيث يقول في ذلك الدكتور/ محمد الرميحي أثناء تقديمه لهذه الترجمة (هنا علينا أن نتوقف قليلا لنرى أن الكتب ليست بحجمها، إنما الكتب لها معيار أهم من الحجم، وهو معيار بقائها عبر العصور، ومقاومتها لتصاريف الزمن الذي يبلى تقريبا كل شيء، عدا الأفكار. يا لها من قوة إنسانية تملكها (الأفكار) التي تبقى كل هذه السنين، وتؤثر في الناس جيلا بعد جيل، وتتحول معانيها مع ظروف مستجدة إلى مواءمة تكاد تكون متطابقة، بين عصر مضى وعصر قادم! أترى أن سر بقاء هذه الأفكار هو أن الإنسان (لا يتعلم) من الماضي ومن أخطاءه ومن تاريخه، يريد دائما أن يمر بالتجربة نفسها في كل جيل وفي كل عصر حتى يختبرها بنفسه؟ أم أن الإنسان في الحقيقة لم يخلو من (شيطان) في داخله، يزين له أن يسيطر على الأخرين ونزع إنسانيتهم وتحقيق نوع من المتعة الغامضة، والتصرف في حياتهم على أنه نوع من النجاح يحقق الشعور بالتفوق ويشبعه؟) في هذه المقالة استشهد “إيتان دو لا بويسيه” بكثير من القصص والروايات والاحداث والوقائع التاريخية التي تدعم وجهة ما أراد قوله وإيضاحه.. لقد بدأ “إيتان دو لا بويسيه” مقالته الرائعة هذه بتلك الكلمات التي خاطب بها “أوليس” القوم في هوميروس التي تقول: “كثرة الأمراء سوء، كفى سيد واحد، ملك واحد”.
وبعد أن يجد العذر له في ذلك، (إذ لم يكن له مفر من استخدام هذه اللغة حتى يهدئ ثورة الجيش مطابقا بمقالة المقام بدل مطابقة الحقيقة) إلا أنه رأى (أنه لو وقف عند قوله “كثرة الأمراء سوء” لأحسن القول بما لا مزيد عليه..).
وإذا به بعد ذلك يفاجئ القارئ ويلسعه ويزلزل كيانه ووجدانه بسلسلة متتالية ومتتابعة من التساؤلات المحيرة، حيث يقول: (فأما الآن فلست أبتغي شيئًا إلا أن أفهم كيف أمكن لهذا العدد من الناس.. أن يتحملوا أحياناً طاغية واحدا)، ذلك الطاغية الذي لا يختلف عليهم، وليس له ميزة عليهم سوى أنهم السبب الرئيسي والأساسي في ذلك… فهم من اعطوه السلطان، والقدرة والمقدرة على إنزال الأذى بهم باحتمالهم تحمل ذلك الأذى منه، والسماح له بإنزال الشر بهم بإيثارهم تحمل ذلك والصبر عليه بدل مواجهته والتصدي له.. فهو لا يختلف عليهم، فله مالهم من الاعضاء الجسدية والبنية الجسدية والنفسية وربما يكون أضعفهم في ذلك.. إلخ.
فهو يرى أن طبيعتنا نحن البشر طبيعة حرة، وقد ولدتنا الطبيعة عليها، فنحن احرارا في المولد.. لكنه، وأمام وإزاء ما يراه من تفشي وتجذر ظاهرة العبودية المختارة في أوساط الناس، عامة وخاصة، يجد نفسه في وضع لا يحسد عليه حيث يتساءل: (ولكن ماهذا ياربي؟ كيف نسمي ذلك؟ أي تعس هذا؟ أية رذيلة، أو بالأصدق، أيّ رذيلة تسعة أن نرى عددا لا حصر له من الناس لا أقول يطيعون بل يخدمون، ولا أقول يحكمون بل يستبد بهم)، فهم لا يملكون في حياتهم ومن حياتهم شيئًا، فكل حياتهم مسخرة للطاغية وملكا وملكية خاصة له، ولا يملكون جراء ومقابل ذلك سوى البؤس والفاقة والحرمان والتعاسة.. إلخ،
ومع هذا نجدهم خانعين مستسلمين له، ليس الواحد منهم، بل بمئات الآلاف وبالملايين وهو (الطاغية) لوحده، ولا يحركون ساكنا في سبيل التحرر والتخلص والخلاص منه (فأنى لنا باسم نسمي به ذلك؟ أهذا جبن؟) هكذا يتساءل، ثم يجيب بدهشة وحرقة شديدة (إن لكل رذيلة حدا تأبى طبيعتها تجاوزه، فلقد يخشى اثنان واحدا، ولقد يخشاه عشرة، فأما ألف، فأما مليون، فأما ألف مدينة إن هي لم تنهض دفاعا عن نفسها في وجه واحد، فما هذا بجبن، لأن الجبن لا يذهب إلى هذا المدى، كما أن الشجاعة لا تعني أن يتسلق امرؤ وحده حصنا أو أن يهاجم جيشا أو يغزو ممكلة!
فأيّ مسخ من مسوخ الرذيلة هذا الذي لا يستحق حتى اسم الجبن، ولا يجد كلمة تكفي قبحه، والذي تنكر الطبيعة صنعه، وتأبى اللغة تسميته؟). حيث أنه هنا يشير وبعمق إلى سيكولوجية العبودية المختارة تلك العبودية التي لا تقتصر فقط على عبودية الاجساد، بل تتعدى إلى أن تشمل عبودية الأرواح والأنفس لتصير عبودية جسدية روحية نفسية حيث أنه وفي مجتمع العبيد والعبودية النفسية والجسدية (العبودية الطوعية)..تصبح وتصير تلك العبودية هي الفضيلة..! والحرية هي الرذيلة..! حيث يصبح ويصير الحر فيه شاذا، مذنبا ومدانا ومنبوذا، محاربا ومطرودا، بل وقد تسلب منه حياته نتيجة ذلك الفعل الشنيع الذي إرتكبه..!!! ليس من قبل الاسياد في ذلك المجتمع العبودي..بل من قبل العبيد فيه وبمطالبة ومباركة منهم…
وإذا به بعد ذلك يفاجئ القارئ ويلسعه ويزلزل كيانه ووجدانه بسلسلة متتالية ومتتابعة من التساؤلات المحيرة، حيث يقول: (فأما الآن فلست أبتغي شيئًا إلا أن أفهم كيف أمكن لهذا العدد من الناس.. أن يتحملوا أحياناً طاغية واحدا)، ذلك الطاغية الذي لا يختلف عليهم، وليس له ميزة عليهم سوى أنهم السبب الرئيسي والأساسي في ذلك… فهم من اعطوه السلطان، والقدرة والمقدرة على إنزال الأذى بهم باحتمالهم تحمل ذلك الأذى منه، والسماح له بإنزال الشر بهم بإيثارهم تحمل ذلك والصبر عليه بدل مواجهته والتصدي له.. فهو لا يختلف عليهم، فله مالهم من الاعضاء الجسدية والبنية الجسدية والنفسية وربما يكون أضعفهم في ذلك.. إلخ.
فهو يرى أن طبيعتنا نحن البشر طبيعة حرة، وقد ولدتنا الطبيعة عليها، فنحن احرارا في المولد.. لكنه، وأمام وإزاء ما يراه من تفشي وتجذر ظاهرة العبودية المختارة في أوساط الناس، عامة وخاصة، يجد نفسه في وضع لا يحسد عليه حيث يتساءل: (ولكن ماهذا ياربي؟ كيف نسمي ذلك؟ أي تعس هذا؟ أية رذيلة، أو بالأصدق، أيّ رذيلة تسعة أن نرى عددا لا حصر له من الناس لا أقول يطيعون بل يخدمون، ولا أقول يحكمون بل يستبد بهم)، فهم لا يملكون في حياتهم ومن حياتهم شيئًا، فكل حياتهم مسخرة للطاغية وملكا وملكية خاصة له، ولا يملكون جراء ومقابل ذلك سوى البؤس والفاقة والحرمان والتعاسة.. إلخ،
ومع هذا نجدهم خانعين مستسلمين له، ليس الواحد منهم، بل بمئات الآلاف وبالملايين وهو (الطاغية) لوحده، ولا يحركون ساكنا في سبيل التحرر والتخلص والخلاص منه (فأنى لنا باسم نسمي به ذلك؟ أهذا جبن؟) هكذا يتساءل، ثم يجيب بدهشة وحرقة شديدة (إن لكل رذيلة حدا تأبى طبيعتها تجاوزه، فلقد يخشى اثنان واحدا، ولقد يخشاه عشرة، فأما ألف، فأما مليون، فأما ألف مدينة إن هي لم تنهض دفاعا عن نفسها في وجه واحد، فما هذا بجبن، لأن الجبن لا يذهب إلى هذا المدى، كما أن الشجاعة لا تعني أن يتسلق امرؤ وحده حصنا أو أن يهاجم جيشا أو يغزو ممكلة!
فأيّ مسخ من مسوخ الرذيلة هذا الذي لا يستحق حتى اسم الجبن، ولا يجد كلمة تكفي قبحه، والذي تنكر الطبيعة صنعه، وتأبى اللغة تسميته؟). حيث أنه هنا يشير وبعمق إلى سيكولوجية العبودية المختارة تلك العبودية التي لا تقتصر فقط على عبودية الاجساد، بل تتعدى إلى أن تشمل عبودية الأرواح والأنفس لتصير عبودية جسدية روحية نفسية حيث أنه وفي مجتمع العبيد والعبودية النفسية والجسدية (العبودية الطوعية)..تصبح وتصير تلك العبودية هي الفضيلة..! والحرية هي الرذيلة..! حيث يصبح ويصير الحر فيه شاذا، مذنبا ومدانا ومنبوذا، محاربا ومطرودا، بل وقد تسلب منه حياته نتيجة ذلك الفعل الشنيع الذي إرتكبه..!!! ليس من قبل الاسياد في ذلك المجتمع العبودي..بل من قبل العبيد فيه وبمطالبة ومباركة منهم…
لكن الاسئلة التي تطرح نفسها هنا هي: كيف لأولئك الطغاة أن يصيروا طغاة؟ وكيف تسنى لتلك العبودية أن تصير عبودية مختارة؟ وماهي الأساليب والعوامل المختلفة التي ساعدت على ذلك..وتلك..؟ بمعنى، وبحسب ما ورد في المقالة هذه، : ( كيف استطاعت جذور الإرادة العنيدة، إرادة العبودية، إلى هذا المدى البعيد حتى صارت الحرية نفسها تبدو اليوم كأنها شيء لا يمت إلى الطبيعة بسبب، وبخاصة، وكما يرى (لا نولد أحرارا وحسب، بل نحن أيضا مفطورون على محبة الذود عنها)..؟ يجيب “إيتان دو لا بويسيه” على تلك في مقالته الرائعه هذه، حيث أنه: أولا: يؤكد بأننا جميعا كبشر خلقنا متساوون في الحقوق الممنوحة لنا جميعا من “الطبيعة” بحسب وصفه، تلك الحقوق التي لا تنتقص من أحد على حساب الآخر، فكلنا مجبولون على الخير والحرية (الفضيلة)، ومميزون بميزة العقل التي بذرتها الطبيعة، إن في نفوسنا (ولا أظنني أجانب الصواب، الآن، إذ أقول إن في نفوسنا بذرة طبيعية من العقل تزدهر في شكل الفضيلة، إذا تعهدناها بالنصيحة الطيبة والقدوة الحسنة، ولكنها،- على العكس- كثيرا ما تغلبها الرذائل فتخمد وتنفق)، وهو هنا يتفق مع الحديث الشريف (كل مولود يولد على الفطرة.. إلخ)، وكأنه يؤكد أن الإنسان إبن بيئته كما يقال… إلخ (سوف نعود إلى تلك البيئة لاحقا).
وإذا كانت هنالك اختلافات وفوارق جسدية وعقلية بيننا فإنما لكي نتعاون ونتألف ونحب بعضنا بعضا. لا العكس ثانيا: يرى بأن (هناك ثلاثة أصناف من الطغاة: البعض يمتلك الحكم بقوة السلاح وهم الذين من انبنى حقهم على الحرب ويسلكون في أرض محتلة البعض الثاني يمتلك الحكم بالوراثة المحصورة في سلالتهم، وهم الذين يولدون ملوكا فهم عادة لا يفضلون قط لأنهم وقد ولدوا وأطعموا على صدر الطغيان، يمتصون جبلة الطاغية وهم رضاع، وينظرون إلى الشعوب الخاضعة لهم نظرتهم إلى تركة من العبيد، ويتصرفون في المملكة كما يتصرفون في ميراثهم، كل بحسب استعداده الغالب نحو البخل أو البذخ. البعض الثالث يمتلك الحكم عن طريق انتخاب الشعب فينبغي فيما يبدو أن يكون احتماله أهون. ولقد يكون الأمر كذلك-على ما اعتقد- لولا أنه ما إن يرى نفسه يرتقي مكانا يعلو به الجميع، وما إن يستغويه هذا الشيء الغريب المسمى بالعظمة، حتى يعقد النية على ألا ينزاح من مكانه قط…إلخ).
ومهما كانت الاختلافات بين الطغاة إلا أنهم في سلة واحدة.. فهم، وبحسب ما يقول (لا يجدون من وسيلة لضمان طغيانهم الجديد ما هو أفضل من نشر العبودية وتعميمها، وبذل كل قوة لإستبعاد افكار الحرية من رعاياهم، مما يؤدي إلى محوها من ذاكرتهم مهما يكن العهد بها قريبا..، وإني، والحق يقال، لأرى في ما بينهم بعض الفروق، أما إن شئت الإختيار فلا أرى بينهم من فارق: ذلك أنهم إن إرتقوا إلى العرش بأساليب شتى، فإن طريقتهم في الحكم تكاد تكون تقريبا هي نفسها على الدوام. فالذين إختارهم الشعب يعاملونه معاملة ثور يقومون بتطويعه، ويرى الغزاة فيه طريدة من طرائدهم، أما الوارثون فهو في نظرهم قطيع من العبيد يملكونه بالفطرة..).
وإذا كانت هنالك اختلافات وفوارق جسدية وعقلية بيننا فإنما لكي نتعاون ونتألف ونحب بعضنا بعضا. لا العكس ثانيا: يرى بأن (هناك ثلاثة أصناف من الطغاة: البعض يمتلك الحكم بقوة السلاح وهم الذين من انبنى حقهم على الحرب ويسلكون في أرض محتلة البعض الثاني يمتلك الحكم بالوراثة المحصورة في سلالتهم، وهم الذين يولدون ملوكا فهم عادة لا يفضلون قط لأنهم وقد ولدوا وأطعموا على صدر الطغيان، يمتصون جبلة الطاغية وهم رضاع، وينظرون إلى الشعوب الخاضعة لهم نظرتهم إلى تركة من العبيد، ويتصرفون في المملكة كما يتصرفون في ميراثهم، كل بحسب استعداده الغالب نحو البخل أو البذخ. البعض الثالث يمتلك الحكم عن طريق انتخاب الشعب فينبغي فيما يبدو أن يكون احتماله أهون. ولقد يكون الأمر كذلك-على ما اعتقد- لولا أنه ما إن يرى نفسه يرتقي مكانا يعلو به الجميع، وما إن يستغويه هذا الشيء الغريب المسمى بالعظمة، حتى يعقد النية على ألا ينزاح من مكانه قط…إلخ).
ومهما كانت الاختلافات بين الطغاة إلا أنهم في سلة واحدة.. فهم، وبحسب ما يقول (لا يجدون من وسيلة لضمان طغيانهم الجديد ما هو أفضل من نشر العبودية وتعميمها، وبذل كل قوة لإستبعاد افكار الحرية من رعاياهم، مما يؤدي إلى محوها من ذاكرتهم مهما يكن العهد بها قريبا..، وإني، والحق يقال، لأرى في ما بينهم بعض الفروق، أما إن شئت الإختيار فلا أرى بينهم من فارق: ذلك أنهم إن إرتقوا إلى العرش بأساليب شتى، فإن طريقتهم في الحكم تكاد تكون تقريبا هي نفسها على الدوام. فالذين إختارهم الشعب يعاملونه معاملة ثور يقومون بتطويعه، ويرى الغزاة فيه طريدة من طرائدهم، أما الوارثون فهو في نظرهم قطيع من العبيد يملكونه بالفطرة..).
ثالثًا: يرى بأن العبودية، طوعية كانت أم إجبارية، لا يمكن للإنسان السوي (طالما بقي به أثر من الإنسان فهو – يقينا – لا لا ينساق إلى العبودية إلا مكرها وإما مخدوعا).. فهي تتم بإحدى طريقتين، وقد تتم بكلتيهما معا، وهما : -طريقة الإكراه -طريقة الخديعة حيث أن لكل طريقة منهما مناسباتها وظروفها الخاصة بها، زمانا ومكانا، ومن ثم آلياتها وأساليبها ووسائلها وأدواتها الخاصة بها.. أما طريقة الإكراه فتكون إما عبر غزو خارجي (الغزاة) وإما عبر استبداد داخلي (طغاة الداخل)، وإما بكليهما معا، وذلك عبر التعاون بينهما البين، وهذا ما يجعلني شخصيا أتذكر مقولة إبن خلدون (إن طغاة الداخل يجلبون غزاة الخارج)..
ذلك الإكراه يتم عن طريق الترهيب والعنف والإذلال والهدم ومصادرة الحقوق والحريات العامة..إلخ وذلك عبر استخدام كل الوسائل والأساليب القمعية المادية منها والمعنوية المتاحة، وعبر جهاز من الأعوان والاتباع المطيعين الذي يسلم لهم ممتلكات البلد من أرض وبشر يعبثون فيها بشرط أن يحافظوا على بقاءه.. إلخ.. وهذا ما يجعلني شخصيا أقول أن كل تلك الأساليب والأدوات والطرق تنطبق تماماً على ما تم تسميته لاحقا بـ”الدولة البوليسية” أو “الدولة المخابراتية”… إلخ.
أما الخديعة فهو يرى “أن الشعوب تخدع نفسها بنفسها”. وذلك عبر التسليم لأحد الطغاة الذي وفي لحظة زمنية رأت فيه المخلص والمحرر، ومن ثم سلمت له القيادة دون مراقبة، لتكتشف بعد ذلك أنها صنعت منه طاغية يصعب عليها التخلص والتحرر منه..إلخ فبالإضافة إلى تلك الوسائل والأساليب والأدوات الصلبة الخشنة التي يستخدمها الطاغية..فهو يستخدم أيضا الأساليب والوسائل والأدوات الناعمة لتدعيم سلطته وتكريس العبودية، مثل المهرجانات والحفلات والمغريات والخ.. بل إن أخطر تلك الوسائل الناعمة التي يستخدمها الطاغية لتدعيم سلطته وتكريس العبودية وإضفاء قدسية على ما يقوم به ويفعله هما وسيلتي الدين والخرافة.. حيث يقول (هم يحرصون على أن يضعوا الدين أمامهم؛ ليحتموا به، ولو استطاعوا لاقتبسوا شيئًا من الألوهية لإسناد حياتهم الشريرة.).
رابعًا: يرى “لا بويسيه” بأن هنالك فرقا كبيرا بين تلك البيئة التي نشأ فيها الطغيان وهي بيئة حرة، وبين تلك التي هي في الأساس بيئة قد تجذرت فيها العبودية المختارة.. الأولى: تحاول مقاومة ذلك بقدر المستطاع.. أما الثانية: فهي قد جبلت على العبودية المختارة ولا تستطيع العيش بدونها، وهي هنا تكون في حالة تماهي تام مع وبـ”الطاغية” و”العبودية”.. إلخ.
خامسًا: يرى “لا بويسيه” بأن الإنسان إبن بيئته، فمن كانت بيئته حرة كان حرا، ومن كانت بيئته مستعبدة-بفتح الباء-فهو عبدا غير أن هناك أناس يرفضون تلك العبودية ويعملون على مقاومتها ومقارعتها والوقوف ضدها ومناهضتها.. إلخ، وهم من يسميهم بـ”الشهام والأذكياء”. فهم (لا يخشون الخطر من أجل الظفر بمطلبهم، كما أنهم (الأذكياء) لا يحجمون عن المشقة)… إلخ.
أما الخديعة فهو يرى “أن الشعوب تخدع نفسها بنفسها”. وذلك عبر التسليم لأحد الطغاة الذي وفي لحظة زمنية رأت فيه المخلص والمحرر، ومن ثم سلمت له القيادة دون مراقبة، لتكتشف بعد ذلك أنها صنعت منه طاغية يصعب عليها التخلص والتحرر منه..إلخ فبالإضافة إلى تلك الوسائل والأساليب والأدوات الصلبة الخشنة التي يستخدمها الطاغية..فهو يستخدم أيضا الأساليب والوسائل والأدوات الناعمة لتدعيم سلطته وتكريس العبودية، مثل المهرجانات والحفلات والمغريات والخ.. بل إن أخطر تلك الوسائل الناعمة التي يستخدمها الطاغية لتدعيم سلطته وتكريس العبودية وإضفاء قدسية على ما يقوم به ويفعله هما وسيلتي الدين والخرافة.. حيث يقول (هم يحرصون على أن يضعوا الدين أمامهم؛ ليحتموا به، ولو استطاعوا لاقتبسوا شيئًا من الألوهية لإسناد حياتهم الشريرة.).
رابعًا: يرى “لا بويسيه” بأن هنالك فرقا كبيرا بين تلك البيئة التي نشأ فيها الطغيان وهي بيئة حرة، وبين تلك التي هي في الأساس بيئة قد تجذرت فيها العبودية المختارة.. الأولى: تحاول مقاومة ذلك بقدر المستطاع.. أما الثانية: فهي قد جبلت على العبودية المختارة ولا تستطيع العيش بدونها، وهي هنا تكون في حالة تماهي تام مع وبـ”الطاغية” و”العبودية”.. إلخ.
خامسًا: يرى “لا بويسيه” بأن الإنسان إبن بيئته، فمن كانت بيئته حرة كان حرا، ومن كانت بيئته مستعبدة-بفتح الباء-فهو عبدا غير أن هناك أناس يرفضون تلك العبودية ويعملون على مقاومتها ومقارعتها والوقوف ضدها ومناهضتها.. إلخ، وهم من يسميهم بـ”الشهام والأذكياء”. فهم (لا يخشون الخطر من أجل الظفر بمطلبهم، كما أنهم (الأذكياء) لا يحجمون عن المشقة)… إلخ.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا أيضا هو :
ماهي صفات الطاغية وصفات أعوانه؟
يرى “”لا بويسيه” بأن الحاكم الطاغي بأس وتعيس،
فهو (ليس سيد نفسه، بل سجين طغيانه ولا يستطيع التحرر من سجنه، فلا يمكن أن يغير سلوكه. ويذهب “لابويسي” إلى أنّه لا يمكن للحاكم العاقل الحر استعباد شعبه، إلا إذا كان يعيش حالة الاستعباد ذاته، فهو شخص غير طبيعي في خوف دائم من شعبه يلجأ.. ويعيش في عزلة دائمة عن الناس، لا كرامة له ولا أخلاق، يمتاز سلوكه بالتعالي والاستعلاء، ويحث الناس على تقديسه والركوع له وعبادته، فهو فوق القانون وفوق التاريخ، ولا يمكن محاسبته أو مساءلته وكأنه إله يسمو فوق البشر.)
ويقول (حينما يتحوّل أحد الملوك إلى طاغية، فإن كل ما في المملكة من شرّ ومن حثالة، يجتمعون من حوله ويمدّونه بالدعم لينالوا نصيبهم من الغنيمة”.
ويضيف: “إذا ما التقى الأشرار فإنهم لا يؤلِفون مجتمعًا بل مؤامرة، وهم لا يتحابون، بل يخشى بعضهم بعضًا، وليسوا أصدقاء، بل هم متواطئون.”).
وهنا أيضًا يطرح السؤال نفسه:
كيف يمكن التخلص والتحرر من ذلك كله؟
فبعد أن يستعرض ” لا بويسيه ” طبيعة النظام الطغياني بمكوناته المختلفه، طاغية وأعوانا وبيئة وسيكلوجية…إلخ، يرى بأن التخلص والتحرر من ذلك كله ليس بالسلاح ( فما أسألكم مصادمته أو دفعه، بل محض الامتناع عن مساندته.) كما يقول.. بل يرى بأن ذلك لا يمكن له بأن يكون ويصير ويصبح واقعا معاشا مقبولا إلا بالرغبة الشديدة من قبلهم في الحرية والعمل على إنتزاعها من الطاغي،
والرغبة الشديدة في التخلص من واقعهم العبودي..
وذلك عبر الامتناع عن إعطاء الطاغي ماليس حقه، وعدم الرضوخ له، وسلبه كل مقومات بقائه، والامتناع عن دعمه…إلخ
بحيث أنه (لا مناص للتحرر من الطغيان من اللجوء إلى عصيان مدني والقيام بثورة سلمية ستؤدي إلى تفكيك البنى الاجتماعية التي يرتكز عليها الطغيان السياسي، وهذا لن يتأتى إلا بتغيير مستوى الوعي السياسي للإفلات من الطغيان واسترجاع الحرية المفقودة…).
و( أن مقاومة البؤس والقهر لا تمر عبر القتل والعنف، لأن عبودية الشعوب عبودية طوعية، فهم الذين يقتلون أنفسهم بأنفسهم، وهم الذين بخضوعهم الطوعي للظلم والإستبداد يشوهون الطبيعة البشرية المجبولة أصلا على الحرية والإنعتاق. سيتخلص الناس من العبودية الرهيبة بإستعادتهم لطبيعتهم الحرة الأصلية، التي سوف تؤدي إلى التحول الكبير في الحياة السياسية، والتي بدورها ستجعل الإنسان الفاعل الأوحد في المجال السياسي القائم على إطار دستوري تعاقدي حر)..
الخلاصة:
لكن السؤال الجوهرى الذي يفرض نفسه هنا هو:
لماذا قمت باختيار هذه المقالة بالذات لقراءتها؟
فإنني أجيب:
فبعد هذه القراءة السردية المتواضعة لهذه المقالة، والتي أرجو أن أكون قد وفقت فيها، لا أجد من إيجابة لسؤالي المطروح سوى ما ذكره الدكتور محمد الرميحي في تقديمه لهذه الترجمة التي يقول فيها :
(إن هناك علاقة واضحة بين الأفكار التي سطرها الكاتب (المقالة) وبين ما يجري حولنا في الفضاء العربي اليوم، بل هي إرهاصات مبكرة لما شغل مفكري النهضة بعد ذلك في القرون الثلاثة اللاحقة لكتابة المقالة (بل وحتى هذه اللحظة من هذه القراءة السردية المتواضعة لها)
فبرغم أنها كتبت في القرن السادس عشر، ونحن الآن في القرن الواحد والعشرين..إلا أن لها علاقة قوية بما نحن فيه اليوم، وإن اختلفت التفاصيل، أو على الأقل بجزء كبير مما نحن فيه اليوم،( قبول العبودية) طوعا بأشكالها المختلفة، دون ان يكون هناك وعي لما تعنيه العبودية من ضرر فادح على الإنسان وكرامته وحقه الأصيل في الحرية،).
وهذا ما يجعلني شخصيا أقول وأردد وأكرر وأؤمن دوما وأبدا وسوف اظل كذلك مهما كانت الصعاب في طريق ذلك، ومهما كانت الظروف الصعبة والقاسية التي نمر بها ونعيشها..إلخ:
بأننا إذا أردنا اقتلاع شجرة العبودية، سواء كانت مختارة أو إجبارية، من واقعنا العربي، ومن ثم بناء نهضة عربية جديدة اساسها وقوامها وجوهرها الحرية..لا يمكن لها( أي تلك النهضة) بأن تكون وتعطي أكلها إلا إذا كانت نتيجة طبيعية وانعكاسا حقيقيا لاقتلاع كل أنواع العبودية، الفردية منها والأسرية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والجهوية والدينية والمذهبية والعرقية والقائمة على أساس النوع والايدلوجية….إلخ, أو مترافقا معها
بمعنى آخر: اقتلاع شجرة وعي العبودية المتجذرة في واقعنا..والمتحكمة به والمسيرة له والمسيطرة عليه.. بصوره الفكرية والعقلية والثقافية والاجتماعية…ومن وجداننا جميعا، وبالمقام الأول من وعي ووجدان النخبة..! واستبدالها بشجرة الحرية والقبول بالآخر مهما كان شكله أو نوعه أو صورته أو صفته أو إنتماءه…إلخ.
بدون ذلك نكون قد قعلنا واقتلعنا شجرة خبيثة واستبدلناها بشجرة جديدة ربما تكون أخبث منها وأشد خطرا…
إنها الصرخة المدوية والقوية في وجه وضد الحكام المستبدين والطغاة…والتي يجب علينا بأن نصرخها جميعا ونحن نحسن التصرف رافعين أعيننا نحو السماء، وذلك كما صرخ “لا بويسيه”:
(أيتها الشعوب المسكينة والبائسة والحمقاء، أيتها الأمم المكابرة في دائها والعمياء عن نعمتها، أنتم تتراخون فتدعون الأجمل والأنقى من رزقكم يختطف من أمامكم، فحقولكم تنهب وتسرق، وبيوتكم تعرى من الأثاث القديم الذي كان لآبائكم، وتعيشون على نحو لا يسعكم معه الزهو بأنكم تمتلكون شيئا. يبدو أنكم إذا ترك لكم نصف ممتلكاتكم، ونصف عائلاتكم، ونصف حياتكم، تعتبرون ذلك سعادة كبرى”.)
وكما اختتم مقالته الرائعة هذه بقوله:
( لنتعلم إذن، لنتعلم مرة أن نُسلك سلوكا حسنا، لنرفع أعيننا إلى السماء بدعوة من كرامتنا، أو من محبة الفضيلة ذاتها).
يقول أفلاطون :
لو ان السماء أمطرت حرية لرأيت بعض العبيد يرفعون المظلات.
ويقول بوذا:
ان صعاليك البشر هم الذين لا يكفون عن الثرثرة بتوافه الحديث التي تمجد العبودية…
ويقول سقراط :
الخوووف يجعل الناس أكثر حذراً، وأكثر طاعة، وأكثر عبووووودية
وعلى العكس من ذلك، وكما يقول: الدكتور محمد حميد غلاب الحسامي:
الشجاعة تجعل الناس أكثر إقداما ومغامرة، وأكثر تمردا وعصيانا، وأكثر حرية وإنسانية، مهما بدت خطواتها بطيئة ومتناهية في الأثر، ومهما كان وعي الخوف المتجذر في نفوسهم
حيث يقول سقراط:
لا تخشى من تقدمك ببطء، بل عليك الخوف من بقائك في مكانك.
ويقول كنفوشيوس:
لا يهم كم تسير ببطء، ما دمت لا تتوقف.
ويقول مصطفى محمود :
إن الحرية لا يصنعها مرسوم يصدره البرلمان، إنها تصنع داخلنا…
ماهي صفات الطاغية وصفات أعوانه؟
يرى “”لا بويسيه” بأن الحاكم الطاغي بأس وتعيس،
فهو (ليس سيد نفسه، بل سجين طغيانه ولا يستطيع التحرر من سجنه، فلا يمكن أن يغير سلوكه. ويذهب “لابويسي” إلى أنّه لا يمكن للحاكم العاقل الحر استعباد شعبه، إلا إذا كان يعيش حالة الاستعباد ذاته، فهو شخص غير طبيعي في خوف دائم من شعبه يلجأ.. ويعيش في عزلة دائمة عن الناس، لا كرامة له ولا أخلاق، يمتاز سلوكه بالتعالي والاستعلاء، ويحث الناس على تقديسه والركوع له وعبادته، فهو فوق القانون وفوق التاريخ، ولا يمكن محاسبته أو مساءلته وكأنه إله يسمو فوق البشر.)
ويقول (حينما يتحوّل أحد الملوك إلى طاغية، فإن كل ما في المملكة من شرّ ومن حثالة، يجتمعون من حوله ويمدّونه بالدعم لينالوا نصيبهم من الغنيمة”.
ويضيف: “إذا ما التقى الأشرار فإنهم لا يؤلِفون مجتمعًا بل مؤامرة، وهم لا يتحابون، بل يخشى بعضهم بعضًا، وليسوا أصدقاء، بل هم متواطئون.”).
وهنا أيضًا يطرح السؤال نفسه:
كيف يمكن التخلص والتحرر من ذلك كله؟
فبعد أن يستعرض ” لا بويسيه ” طبيعة النظام الطغياني بمكوناته المختلفه، طاغية وأعوانا وبيئة وسيكلوجية…إلخ، يرى بأن التخلص والتحرر من ذلك كله ليس بالسلاح ( فما أسألكم مصادمته أو دفعه، بل محض الامتناع عن مساندته.) كما يقول.. بل يرى بأن ذلك لا يمكن له بأن يكون ويصير ويصبح واقعا معاشا مقبولا إلا بالرغبة الشديدة من قبلهم في الحرية والعمل على إنتزاعها من الطاغي،
والرغبة الشديدة في التخلص من واقعهم العبودي..
وذلك عبر الامتناع عن إعطاء الطاغي ماليس حقه، وعدم الرضوخ له، وسلبه كل مقومات بقائه، والامتناع عن دعمه…إلخ
بحيث أنه (لا مناص للتحرر من الطغيان من اللجوء إلى عصيان مدني والقيام بثورة سلمية ستؤدي إلى تفكيك البنى الاجتماعية التي يرتكز عليها الطغيان السياسي، وهذا لن يتأتى إلا بتغيير مستوى الوعي السياسي للإفلات من الطغيان واسترجاع الحرية المفقودة…).
و( أن مقاومة البؤس والقهر لا تمر عبر القتل والعنف، لأن عبودية الشعوب عبودية طوعية، فهم الذين يقتلون أنفسهم بأنفسهم، وهم الذين بخضوعهم الطوعي للظلم والإستبداد يشوهون الطبيعة البشرية المجبولة أصلا على الحرية والإنعتاق. سيتخلص الناس من العبودية الرهيبة بإستعادتهم لطبيعتهم الحرة الأصلية، التي سوف تؤدي إلى التحول الكبير في الحياة السياسية، والتي بدورها ستجعل الإنسان الفاعل الأوحد في المجال السياسي القائم على إطار دستوري تعاقدي حر)..
الخلاصة:
لكن السؤال الجوهرى الذي يفرض نفسه هنا هو:
لماذا قمت باختيار هذه المقالة بالذات لقراءتها؟
فإنني أجيب:
فبعد هذه القراءة السردية المتواضعة لهذه المقالة، والتي أرجو أن أكون قد وفقت فيها، لا أجد من إيجابة لسؤالي المطروح سوى ما ذكره الدكتور محمد الرميحي في تقديمه لهذه الترجمة التي يقول فيها :
(إن هناك علاقة واضحة بين الأفكار التي سطرها الكاتب (المقالة) وبين ما يجري حولنا في الفضاء العربي اليوم، بل هي إرهاصات مبكرة لما شغل مفكري النهضة بعد ذلك في القرون الثلاثة اللاحقة لكتابة المقالة (بل وحتى هذه اللحظة من هذه القراءة السردية المتواضعة لها)
فبرغم أنها كتبت في القرن السادس عشر، ونحن الآن في القرن الواحد والعشرين..إلا أن لها علاقة قوية بما نحن فيه اليوم، وإن اختلفت التفاصيل، أو على الأقل بجزء كبير مما نحن فيه اليوم،( قبول العبودية) طوعا بأشكالها المختلفة، دون ان يكون هناك وعي لما تعنيه العبودية من ضرر فادح على الإنسان وكرامته وحقه الأصيل في الحرية،).
وهذا ما يجعلني شخصيا أقول وأردد وأكرر وأؤمن دوما وأبدا وسوف اظل كذلك مهما كانت الصعاب في طريق ذلك، ومهما كانت الظروف الصعبة والقاسية التي نمر بها ونعيشها..إلخ:
بأننا إذا أردنا اقتلاع شجرة العبودية، سواء كانت مختارة أو إجبارية، من واقعنا العربي، ومن ثم بناء نهضة عربية جديدة اساسها وقوامها وجوهرها الحرية..لا يمكن لها( أي تلك النهضة) بأن تكون وتعطي أكلها إلا إذا كانت نتيجة طبيعية وانعكاسا حقيقيا لاقتلاع كل أنواع العبودية، الفردية منها والأسرية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والجهوية والدينية والمذهبية والعرقية والقائمة على أساس النوع والايدلوجية….إلخ, أو مترافقا معها
بمعنى آخر: اقتلاع شجرة وعي العبودية المتجذرة في واقعنا..والمتحكمة به والمسيرة له والمسيطرة عليه.. بصوره الفكرية والعقلية والثقافية والاجتماعية…ومن وجداننا جميعا، وبالمقام الأول من وعي ووجدان النخبة..! واستبدالها بشجرة الحرية والقبول بالآخر مهما كان شكله أو نوعه أو صورته أو صفته أو إنتماءه…إلخ.
بدون ذلك نكون قد قعلنا واقتلعنا شجرة خبيثة واستبدلناها بشجرة جديدة ربما تكون أخبث منها وأشد خطرا…
إنها الصرخة المدوية والقوية في وجه وضد الحكام المستبدين والطغاة…والتي يجب علينا بأن نصرخها جميعا ونحن نحسن التصرف رافعين أعيننا نحو السماء، وذلك كما صرخ “لا بويسيه”:
(أيتها الشعوب المسكينة والبائسة والحمقاء، أيتها الأمم المكابرة في دائها والعمياء عن نعمتها، أنتم تتراخون فتدعون الأجمل والأنقى من رزقكم يختطف من أمامكم، فحقولكم تنهب وتسرق، وبيوتكم تعرى من الأثاث القديم الذي كان لآبائكم، وتعيشون على نحو لا يسعكم معه الزهو بأنكم تمتلكون شيئا. يبدو أنكم إذا ترك لكم نصف ممتلكاتكم، ونصف عائلاتكم، ونصف حياتكم، تعتبرون ذلك سعادة كبرى”.)
وكما اختتم مقالته الرائعة هذه بقوله:
( لنتعلم إذن، لنتعلم مرة أن نُسلك سلوكا حسنا، لنرفع أعيننا إلى السماء بدعوة من كرامتنا، أو من محبة الفضيلة ذاتها).
يقول أفلاطون :
لو ان السماء أمطرت حرية لرأيت بعض العبيد يرفعون المظلات.
ويقول بوذا:
ان صعاليك البشر هم الذين لا يكفون عن الثرثرة بتوافه الحديث التي تمجد العبودية…
ويقول سقراط :
الخوووف يجعل الناس أكثر حذراً، وأكثر طاعة، وأكثر عبووووودية
وعلى العكس من ذلك، وكما يقول: الدكتور محمد حميد غلاب الحسامي:
الشجاعة تجعل الناس أكثر إقداما ومغامرة، وأكثر تمردا وعصيانا، وأكثر حرية وإنسانية، مهما بدت خطواتها بطيئة ومتناهية في الأثر، ومهما كان وعي الخوف المتجذر في نفوسهم
حيث يقول سقراط:
لا تخشى من تقدمك ببطء، بل عليك الخوف من بقائك في مكانك.
ويقول كنفوشيوس:
لا يهم كم تسير ببطء، ما دمت لا تتوقف.
ويقول مصطفى محمود :
إن الحرية لا يصنعها مرسوم يصدره البرلمان، إنها تصنع داخلنا…



