مقالات

دار الفتوى في لبنان.. الدور والمسؤوليات..

خاص “المدارنت”..

لم تكن كلمات السفير الإيراني (في لبنان مجتبى أماني/ المحرر)، حول دار الفتوى اللبنانية، ومقام الإفتاء منذ عدة أسابيع، تخصّ مفتي الجمهورية اللبنانية (الشيخ عبد اللطيف دريان)، على الإطلاق، أو أنها بالأحرى لم تصل إلى مسمعه… كما حدث قبلها تماما عندما وصف كبيرهم الطائفة وأبناءها يومًا، بتلك العبارة المقززة البذيئة التي صَمَّت الآذان «الطز …!»، والتي بكل تأكيد لم تصل أيضا إلى مسامعه ومسامع العاملين في دار الفتوى، أو أنهم اعتبروا ذلك من باب النكات الطفولية الساذجة، التي لا تستحق الرد أو اتخاذ أي موقف…

نحن متأكدون ومن دون أي شكّ، لو أن كلمات السفير الإيراني كانت تعنيهم، أو وصلهم خبرها، وخبر ما قاله ذلك الكبير قبلها بحق الطائفة وأبنائها، لانبَرت دار الفتوى للدفاع عن نفسها وعن مقام مفتي الجمهورية، ودار الإفتاء والطائفة وأبناءها، على مبدأ عبد المطلب «أنا ربّ الإبل، وللبيت ربّ سيحميه»… ولشنّت بسبب ذلك حربًا إعلامية ضروسًا، أجبرت السفير الإيراني أقلّها على الاعتذار، هذا إن لم يتم استدعاؤه من قبل الخارجية… ولجعلت ذلك الكبير صاحب مقولة «الطز» يلعق ما تقيأه ويعتذر… اللهم إلا إذا كان كلًا من الكبير والسفير الإيراني، على علم مسبق بحقيقة ما يدور في داخل أروقة دار الفتوى، ومركز قرارها، ومن أنها غدت بجيشها العرمرمي مجرّد حالة صوتية فقط لا غير، وتحوّلت إلى مجرّد مركز يأتي إليه الزائرون لأخذ الصور التذكارية في قاعة مزخرفة فخمة، ومن ثم إطلاق بعض التصريحات الإعلامية التي لا تضر ولا تنفع ولا تقدم أو تؤخر عند الخروج من تحت قبّتها…

إن منظومة دار الفتوى، ودوائر الأوقاف السنية اليوم، وعلى امتداد ساحة الوطن تعاني من ضعف وغياب كلي على كل المستويات، لم تصل إليه عبر تاريخها، مما انعكس على الطائفة وأبنائها ومناطقها… وذلك بسبب المواقف الهلامية التي بلا طعم ولا رائحة، والسياسات الخاطئة التي ترسم في المركز، والتي لا تواكب آمال وطموحات أبناء الطائفة ومعهم كل أبناء الوطن. إن دار الفتوى وعبر تاريخها في هذا الوطن، كانت بيضة القبان الفعلية التي تعيد ضبط عقارب الساعة لدى السياسيين، كل السياسيين من مسلمين وغيرهم…

ويكفي أن نعود إلى الوراء قليلا، ونرى كيف أن البطاركة كانوا أول من رحب بوثيقة الثوابت الإسلامية التي أعلنت من دار الفتوى، يومًا، وقطعوا الطريق على كثير من الساسة الذين كانوا يغوصون في الأوحال ويتلاعبون بمصير الوطن…

ويكفي أيضا العودة إلى استذكار حدث كبير بحجم وطن، ألا وهو خطبة العيد الكبير في الملعب البلدي في العاصمة بيروت، يوم اصطفّ خلف سماحة المغفور له الشهيد الشيخ حسن خالد لصلاة العيد لبنانيون من كل الطوائف بلا استثناء، لأن تلك الصلاة يومها لم تكن للمسلمين فقط، بل كانت لكل لبنان الوطن ولكل اللبنانيين على اختلاف طوائفهم…

لقد كان منظرًا رائعًا لمئات المسيحيين من أبناء هذا الوطن على اختلاف طبقاتهم، وهم إما قد وقفوا في صفوف الصلاة يومها إلى جانب المسلمين جنبًا إلى جنب، أو أنهم انتظروا على جوانب الطرقات حول مخرج الملعب البلدي الرئيسي، وقد علت أصواتهم بالتكبير بعد انتهاء صلاة العيد، تعبيرًا عن رفضهم لكل ألاعيب الساسة المتاجرين بمصير الوطن، وتراب أرضه، ودماء شهدائه، والأهم من كل ذلك تعبيرا عن وحدة أبناء هذا الوطن… كان مشهدًا رائعًا بكل المواصفات، ما زال إلى اليوم مجرد الحديث عنه يحدث قشعريرة في الأبدان…

لقد كان منصب الإفتاء يومًا بحجم الوطن، وذلك عندما كانت منظومة دار الفتوى، تعتبر نفسها أحد ركائز هذا الوطن الأساسية، وكان المفتي، يعتبر نفسه في خدمة الوطن كل الوطن ومواطنيه، وليس موظفًا في الدولة العتيدة، وتابعًا لسياسي أيًا كان وزنه، بل كان فوق الجميع، وكلمته محطّ أنظار كل أبناء الوطن على مختلف طوائفهم… وكان الساسة على مختلف طبقاتهم، وألوان طيفهم، يأتون الى دار الفتوى، لا من أجل الصور التذكارية، بل لأن ذلك تشريفا لهم… وكان مفتي الجمهورية، حينها، رجل الإطفاء عند كل مفصل ومنعطف خطير يمرّ بهذا الوطن، ولا داعي للعودة إلى التاريخ للتذكير بدور المفتين المفصليّ في كلّ من طرابلس وبيروت، لا في أيام الباب العالي، ولا في أيام حقبة الاستعمار أو بعدها، وحتى خلال الحرب اللبنانية…

فأين هي دار الفتوى اليوم، من تلاحم المفتين مع أبناء الشعب، الذين يغرقون في البحر هربًا من الجوع والبطون الخاوية، تمامًا، كما في أيام المجاعة التي ضربت بيروت خلال الحرب العالمية الأولى (سفر برلك)…؟ بل، أين هي اليوم، واللبنانيون، لم يعد لهم من حائط مبكى يحتمون به.، بخاصة وأن الكثيرين اليوم، تنتابهم مشاعر النقمة على دار الفتوى وصمتها المطبق، وكأن كل منظومتها قد أصيبت بالطرش…! ولم تعد تستمع إلى أنين الجائعين، ولا إلى استغاثات الغارقين في البحر، ولا إلى صرخات أبناء الطائفة، بسبب حرمان مناطقهم منذ سنوات…!

إذ لم يكتف الساسة المسيطرون على منظومة الحكم، من حرمان أبناء الطائفة من خيرات هذا الوطن ووظائفه ومشاريعه التنموية… بل جعلوا من الحرمان أداة للحصار بكل معنى الكلمة، وغدت مناطقهم تعاني من كل شيء… نعم من كل شيء… ومن إهمال متعمد على كل الأصعدة، وكأن هناك من يدفع بهم نحو الهجرة القسرية ومغادرة هذا الوطن… والأبشع من كل ذلك هو أن تلاحقهم التهم بالتطرف والدعشنة، من قبل الشركاء في الوطن، الذين يحق لهم ما لا يحق لغيرهم، ويتنعمون بخيرات الوطن لوحدهم…!

نعم يا صاحب السماحة، كثيرون اليوم، ناقمون على دار الفتوى، وينتظرون منكم موقفًا وطنيًا جامعًا واضحًا صريحًا، وبصوت عال، والتخلّي عن لغة الهمس حول كل ما يجري ويدور على ساحة الوطن… ويتساءلون: لماذا ترتفع أصواتكم فقط عندما يتعلق الأمر في استهجان فيلم سينمائي أو حفلة غنائية، وتصمتون على معاناة أبناء الطائفة والقضايا الوطنية المصيرية…؟!

كثيرون جدًا اليوم، ينتظرون من دار الفتوى، كلمة حق حول ما يحدث من عهر سياسي بحق الوطن وأرضه وترابه وحدوده ومؤسساته وخيراته، واستهتار بالطائفة وأبنائها على كلّ المستويات… ينتظرون من المقامات الدينية من مفتين وغيرهم، أن يكونوا في هذه الملحمة إلى جانبهم قلبًا وقالبًا…؟ إننا لا نسمع هذه الأيام إلا صوت البطريرك (الماروني بشارة تالراعي) في عظاته، التي تنتظر أن يلاقيها في وسط الطريق، موقف وطني واضح من دار الفتوى، حول كل ما يحث بحق الوطن ومؤسساته والمواطنين كل المواطنين…

ولكن على ما يبدو يا سادة، وللأسف، كانت هناك دارًا للفتوى… وكان يوجد يومّا منصبًا للإفتاء… وكنا وكنتم وكان الزمان…! ورجائي في عدم اعتبار كلماتي هذه بكاء على الأطلال، وعلى ما وصل إليه حالنا كطائفة وكمواطنين، لنا في هذا الوطن ما لغيرنا… بل هي لكي أقول إن على دار الفتوى، مسؤوليات لا تنحصر في إعلان هلال رمضان والعيدين، والصور التذكارية مع ساسة سئم المواطنون وجوههم… بل هي أكبر من ذلك بكثير… وقد آن الأوان ليعود لدار الفتوى، دورها الوطني، الذي فرّطوا به، وجعلوه رهنًا لبعض الساسة، وفي جيوبهم… ولكي تعود لدار الفتوى مكانتها وكلمتها الوطنية… وإلّا…

خالد بريش/ باريس

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى