رسائل إيرانية إلى واشنطن من العراق!
“المدارنت”
من شاشة قناة الفرات، ظهر رئيس الوزراء العراقي (الأسبق) نوري المالكي، قبل أيّام، في حوار عن حملة رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي ضدّ الفساد والفاسدين، أنكر فيها أنّ لحكومته وللإطار التنسيقي (يضمّ كتل الأحزاب الولائية للفقيه الإيراني) أيّ علاقة بالفساد في العراق، بل تبجّح بالقول إنّ فترتَي حكمه (2005 – 2014) خاليتان من أيّ فساد. ومعلوم أن المالكي أبدى تشبّثاً يائساً بالمنصب للحصول على ولاية ثالثة، وأرسل مبعوثين منه إلى الولايات المتحدة لتوافق على تعيينه، وانقسم “الإطار التنسيقي” نفسه على تسميته، ما يدحض أقوالاً للمالكي في ظهوره التلفزيوني، وهو الذي أبعده أيضاً المبعوث الإيراني، الذي أخرج بنفسه سيناريو اختيار علي الزيدي لرئاسة الوزراء، لإدارة المشهد السياسي العراقي للفترة المقبلة بوجوه جديدة، أهمّها أن يكون في رأسها “رجل أعمال” في مواجهة ترامب وفريقه من التجّار، وأن يكون من بيت الولي الفقيه.
كانت أولى إجراءات الزيدي عملية سياسية استراتيجية دقيقة ومدروسة لمن قال يوماً إنّنا “سنغرق العراق والعراقيين بالفساد”، رسالة إيرانية موجّهة إلى الولايات المتحدة وإلى ترتيباتها هي ودول المنطقة، ولإشغال الشعب العراقي بموضوع مكرّر لم يعد يهتمّ به كثيراً، أُمليت على رئيس الوزراء الجديد لتنفيذها قبل أيّ إجراء حكومي آخر، لكشف فساد مجموعة صغيرة جدّاً من مكوّن معيّن. حملة تُبرَّأ فيها الجهة الحقيقية المتسبّبة، وتُحمى من محاسبة القانون والشعب العراقي لها.
فيما تبعت هذا حملة أوركسترا الأبواق السياسية لـ”الإطار التنسيقي”، بعد حصول كلّ منها على المواضيع التي عليها طرحها والتحدّث فيها في الإعلام والبرامج الحوارية، مثل التقليل من شأن الفساد، وأنّه حالة موجودة في كلّ الدول، وأنّه تفصيل هامشي في مسار الحكم، وأخرى من جماعة عمّار الحكيم الغاضبة والمستنكرة، تنتقد استخدام الحكومة قوّات مكافحة الإرهاب، وإخافتها العوائل وأطفالها في تفتيش المساكن الذي حصل، وعلى أثره، وُجدت مخفيّة فيها خزائنُ الأموال الطائلة، التي وصفها بعضهم بأنّها بنوك مركزية كاملة في البيت الفلاني والبيت الفلاني.
|
وعلى الرغم من أنّ ما حصل من كشف عدد صغير من أعوان الاحتلال الأميركي الإيراني، وأنّ العملية برمّتها عملية إشغال لتحويل الانتباه عن عملية التدخّل الإيراني في تعيين رئيس الوزراء، فهي فرصةٌ جديدةٌ تكشف مدى هذا الفساد، الذي “انتقل من أنّه فساد إلى أنّه فرهود”، كما يردّده العراقيون، أي استباحة العراق بأكمله، لا يقتصر على خزن سيولة أمواله المفقودة حتّى في البنك المركزي، بل باحتلال أراضيه، خصوصاً في العاصمة.
وقد دفع هذا الشعب العراقي، الذي ملّ من هذه المنظومة المنخورة، إلى القول إنّ حجم سرقات المكوّن الولائي، التي يراها ويشهد عليها فعلياً منذ عقدَين، أضخم بكثير ممّا يُعرض بهذه الأسماء القليلة، التي هي جزء من عمليتهم السياسية التي يقودونها منذ غزو العراق. يعرف الشعب، من شماله إلى جنوبه، أنّ المكوّن الولائي ليس فاسداً فقط، بل يشارك في تدمير العراق مع سبق الإصرار والترصّد، مقابل الامتيازات التي تُمنح له.
يقول وكيل وزارة المالية المُقال، لأسباب تتعلّق بمحاربة الفساد، وبأسف، وفي قضية واحدة، إنّ هؤلاء قد سلبوا أراضي مدينة بغداد كلّها، فلم يعد لعاصمة الرشيد أيّ أراضٍ، إذ استحوذ أتباع الولي الفقيه عليها بالكامل، وجعلوها مصدراً وبورصة لجمع ثروات طائلة تُعدّ بالمليارات، بل امتدّت هذه الأيدي الحاقدة على العراق إلى إزالة الجوامع بالعشرات وتجريفها لغرض الاستثمارات الشخصية. وبحجّة الاستثمار أيضاً، استولوا على الحدائق والمتنزهات العامّة، وعلى مساحة واسعة من معالم بغدادية عديدة، جديدها أخيراً معلم مشهور للسباق وتربية الخيول العربية، يعود تاريخ إنشائه إلى بداية القرن الماضي، لتغدو مساحات واسعة من بغداد كتلاً إسمنتية خالية من الفضاءات الخضراء. والأكثر تعبيراً عن لصوصية هؤلاء العملية المنظّمة التي قام بها نائب وعضو إحدى لجان البرلمان، مع مجموعة من المديرين العامّين، وسرقتهم، بتخطيط غير متخيَّل لا يخطر في البال، ما يقارب عشرة مليارات دولار من تأمينات الشركات المستثمرة في العراق، وسُوّيت هذه السرقة مثلما سُوّيت سرقات نور زهير وغيره.
هذه العملية الإيرانية التي قادها الزيدي لكشف الفساد، وبدلاً من أن تكون رسالةً إيرانيةً موجّهةً فقط إلى الولايات المتحدة، أغرقت مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع والقنوات الإخبارية العربية بأسئلةٍ عن هذه الحكومة وعمليتها السياسية منذ غزو الولايات المتحدة، وعن العراق ومكانته وحجمه وتاريخه وشعبه، هناك أسئلة شعبية عربية تردّد: إلى أين وصل هذا البلد بهذه الحكومة التي جاء بها الاحتلال الأميركي؟ كيف وصل العراق إلى ما نراه من تردٍّ وتدهور ودمار، ومن بشاعة وضعف وخنوع، بينما كان من الدول العربية الأكثر تقدّماً وجذباً وأهمية؟ الجواب، الذي لم يكن واضحاً قبل سنوات، أصبح اليوم أكثر وضوحاً لغالبية العرب الذين يهمّهم العراق لاعتبارات كثيرة. إنّهم يدركون أنّ الاحتلال الأميركي، وبالأخصّ وكيله الإيراني الذي غزا هذا البلد، هو سبب ما يجري فيه من تدمير وإنهاء لدولته ولدوره الريادي في المشرق والعالم العربي.
تجريم المكوّن الثاني، الذي رافق عملية كشف بعض الفاسدين في العملية السياسية، هو ما دعا روّاد مواقع التواصل الاجتماعي إلى البحث عن فيديو سابق تم تداوله بكثرة، تتحدّث فيه النائبة حنان الفتلاوي، المعروفة بجملتها الطائفية: “7×7” (قتل سبعة أشخاص من المكوّن الثاني مقابل مقتل سبعة أفراد من مكوّنها)، وتروي في هذا الفيديو كيف أنّها، وقبل مغادرتها إلى الخارج لحضور مؤتمر، اتّصل بها نوري المالكي في 24 سبتمبر/ أيلول 2016، يطلب منها سحب طلبها بمساءلة رئيس هيئة الإعلام والاتصالات في البرلمان عن الفساد، لأنّه ممنوع محاسبة أبناء حزب الدعوة.
نوري المالكي نفسه الذي قال، في فترة رئاسته للحكومة، عن سرقة حسين الشهرستاني ستّة مليارات دولار بخدعة تأسيس شركة نفط: دعوه يأخذها، أفضل من أن يأخذها غيره. كذلك يفعل عمّار الحكيم، الذي يحتجّ بشدّة على اعتقال وكشف فساد أحد المقرّبين منه، المدعو طالب حسين، أخطر وأكبر حيتان الفساد، الذي قُبض عليه، ربّما لتغطية كشف أسماء من مكوّن معيّن، بتهمة الفساد قبل أن يؤدّي قَسم الدخول إلى البرلمان، إذ قال من دون خجل: “عمامتي ولا رأسه”.
لهذا كلّه، يبدو المالكي في اللقاء الحواري معه مهزوماً ومكتئباً، على الرغم من أنّه بدا واثقاً ومرتاحاً، ومتناقضاً في حديثه كلّه، بعد أن ظهر مرّات عديدة قبل تعيين علي الزيدي، وأخبار تغيير مقبل للعملية السياسية برمّتها ومحاسبة الفاسدين فيها، التي قادها نائبان أميركيان، جمهوري وديمقراطي. يهدف المالكي إلى إرسال رسائل أنّ “الإطار التنسيقي” ما يزال موجوداً، ولم يشب حكوماته المتعاقبة أيّ فساد. بل إنّه افتخر بعلاقته الجيّدة مع الولايات المتحدة، وتوقيعه المعاهدة الاستراتيجية، بعد أن كرّر عشرات المرّات سابقاً أنّه أخرج الاحتلال الأميركي من العراق.
يقول بعض إعلاميين وطنيين عراقيين بألم: يبدو أنّ الشعب العراقي تعوّد على الفساد، ودخل في منظومته، وأصبح الأمر عادياً بالنسبة إليه، لكنّهم نسوا أنّ الشعوب، ومهما طال الزمن، لا تتعوّد على الظلم، ويوماً ما ستنفجر لتغيّر واقعها الفاسد هذا، وسيكون انفجاراً لا ينجو منه فاسد ولا قاتل ولا من أجرم بحقّ الشعب العراقي.



