رفــــاه الإنـســـانـيـــة.!

خاص “المدارنت”..
“ياي!! اليوم بدنا نروح عالمختبر، عنّا حصّة chimie!
– أحلى شي حصص الـ chimie! لَكان متل هول حصص التاريخ؟! دخيل الله يا زلمي!! ما بفهم شي وبغفى وما بصدّق كيف بيدقّ الجرس!”.
ابتسمت وانا أستمع لما يقوله هذان التلميذان، تعبيراً عن شغفهما بمادة الكيمياء، وتذكّرت شغفي المماثل بمادة الرياضيّات الفراغيّة “géométrie dans l’espace” وتفوّقي فيها، حيث كان مدرّس الرياضيّات يستعين تارة بهرم “البونجوس”، وتارة ببرتقالة، لكي يوضّح لنا مفهوم الأشكال ثلاثيّة الأبعاد، علماّ أنني كنت لا أطيق مادة الجبر التي كانت قائمة فقط على النظريات، والتي لم تستهوِني يوماً خلال تحصيلي العلمي.
ضحكت في سرّي، وحمدت الله، عندما تذكّرت “أنيس فريحة”، يردّد لأستاذه ببغائياً وقد شلّ الرعب تفكيره: “للتعذّر يا حمار! للتعذّر يا حمار!”، بينما ينهش قضيب الرمّان جلده الطريّ على صوت تعنيف أستاذه وقهقهات رفاقه.
ماذا لو أننا لا زلنا في تلك العصور المظلمة، حيث كان الأطفال يُعامَلون بقسوة ويُدَرَّسون بالقوّة والإكراه والقصاص، من دون أيّ مراعاة لمشاعرهم او لمواهبهم او لنوع ذكائهم؟
شيء مرعب!
حقّاً إن التطوّر رائع!
كم وفّر علينا وعلى هؤلاء الصغار شقاء وتعاسة، علماً أن الطريق لا يزال طويلاً حتى تحقيق التربية المثالية التي تنشئ الإنسان النقيّ!
ولكن هل وصلنا الى هذا المستوى من المعرفة بحاجات الطفل، وتطوّر طرائق التربية والتعليم بهذه السهولة؟
طبعاً لا!
فقد توالى الكثير من المربّين والفلاسفة والمفكّرين الذين عملوا على تطوير طرائق التربية والتعليم على مرّ العصور، ومنهم يان آموس كومينسكي المفكّر والمربّي والفيلسوف التشيكي، الذي عاش في القرن السابع عشر والمعروف بإسمه اللاتيني “جون اموس كومينيوس”.
وكومينيوس، هو من روّاد التغيير إن لم يكن أهمّهم، لأنه أول من نادى بفكرة التعلّم للجميع من دون تمييز شرط أن يكون التعلّم للمعرفة وليس للحشو، وان يكون مناسباً لكل فئة عمريّة، إذ أن المدرسة بالنسبة له هي “محترف الإنسانية”.
ولا يتوقّف التعلّم بنظره عند مرحلة معيّنة، بل هو عمليّة مستدامة تبدأ من الذات لأن الحكمة نجدها في ذاتنا، وتتمّ هذه العمليّة بالدرجة الأولى من خلال الحواس والإكتشاف واللعب والتجربة لتنمية العقل والإرادة والوعي عند المتعلّم لكي يكون حرّ التفكير ولا يخضع لرغبات ومعايير خارجيّة. ويشترط الاّ تتعدّى الحصص الدراسية الأربع ساعات يوميّاً خلال المراحل التعلّمية التمهيدية، أثنتان منها صباحاً مخصصة لتثقيف العقل والذاكرة، والباقي بعد الظهر يُخصّص للنزهة والتمارين الجسدية وتمارين عمليّة، كما وألغى مفهوم العقاب الجسدي لتنافيه مع مفهومه للتربية.
مما لا شك فيه، أن كومينيوس هو أب التربية الحديثة، وله الفضل الأكبر في تبديل المفاهيم القديمة التي كانت تخنق لدى الطفل أيّ ميل الى اكتساب المعرفة، وكانت تجعل منه مجرّد متلقٍّ غير مشارك في عمليّة التعلّم، هذا عدا عن سيطرة القلق عليه باستمرار خوفاً من تعنيف جسدي ـو نفسي، يسلبه كرامته الإنسانية، ويحوّله الى شخص سلبيّ مُحطّم خاضع وكئيب.
يرى كومينيوس، أن الرجل ما هو إلاّ مرحلة متقدّمة من الطفل، فهو لا يتحوّل من شيء مُبهَم الى رجل، بل يتطوّر من مرحلة الى مرحلة، في رحلة تبدأ من خلال اكتشاف الذات ليكون مثل النبتة التي تأخذ الغذاء من جذورها حتى تنمو. وهو بهذا يشبه أيضاً طبقات البصلة التي تنمو شيئاً فشيئاً، مكوّنة طبقات متعدّدة، إنما أساسها النواة او الذات، وإذا فسدت النواة، تفسد البصلة كلها.
من هنا أهمية التربية المستدامة التي شدّد عليها كومينيوس. فالمتعلّم لا يتوقّف عند حدود معينة، بل يستمرّ في التعلّم وتطوير المعرفة لديه، لكي يتحوّل تدريجياً الى “انسان” حقيقي، يكون فاعلاً في المجتمع، ويسهم في تفعيل العلاقات الانسانية الراقية والشاملة. فالانسان بالنسبة اليه هو واحد، وخير الانسانية هو الهدف الأسمى، والمطلوب ان يعيش الجميع في سلام ووئام، بصرف النظر عن أيّ انتماء عرقي او وطني او ديني او لغوي. ومن هنا اكتسبت اللغات أهميّتها في فلسفته لأنها المفتاح الى العالمية والاندماج الانساني الشامل.
ليس غريباً أن تكرّم الأونيسكو في العام 1956، هذا المفكّر الذي اعتبرته وبحقّ سلفها الروحي، فهو من دعا الى العالميّة والانسانية والمساواة، وطالب بحقوق الطفل واقترح إنشاء منظّمة عالمية أسماها “مجلس النور”، تهتمّ بشؤون التربية والتعليم والعلوم، والتي تجسّدت بمنظمة الأونيسكو الحالية.
انما الغريب، أن نجد في أيامنا هذه، في القرن الواحد والعشرين، أطفالاً لا يحملون من طفولتهم سوى الألم والتعنيف والبؤس.
من المستفزّ أن نجد في أيامنا هذه، أطفالاً لا يذهبون الى المدارس، لأنهم ملزمين بالعمل لإعالة أهلهم، الذين لا يشكون من أيّ مرض، ويتمتعون بكامل صحّتهم، أو نرى فتيات أميّات، لأن أهلهنّ يرفضون تعلّمهنّ.
إستغلال الطفولة بهذا الشكل المؤلم، مرفوض بكل الشرعات والانظمة والضمائر الانسانية، ولكننا نراه في العديد من الدول النامية، ذات السلطات التعسفيّة التي ترفض الاستجابة لدعوات المنظمات العالمية، بحجّة احترام خصوصيّة واعراف التجمّعات القبلية او العائلية او العشائرية.
في القرن السابع عشر، هوجم كومينيوس، بسبب افكاره البنّاءة، ولكنه أصرّ على مبادئه ولم يتنازل عنها، وتهجّر من بلاده، وجاب أوروبا، مصلحاً ومعلّماً وثائراً، حتى أرسى قواعد مدرسته الفاضلة التى تحضن الطفل، وتجعل منه إنساناً سوياً وحراً يملؤه الفرح.
كيف لا، والفرح بالنسبة لكومينيوس، هو الحالة الطبيعية للإنسان، وهو الغاية التي يجب على التربية ـن تتجه نحوها.
وفي القرن الواحد والعشرين، حيث ندّعي التطوّر والحضارة، لا تزال هذه الافكار الانسانية تُحارب من بعض الفئات التي سوف تتأذّى مصالحها، عندما يتحوّل الطفل الى انسان متوازن وحرّ التفكير، إذ انّ أصحاب المصالح لن يجدوا من يستعبدونه لخدمة رغباتهم المادية والانانية.
والأفكار مثل الأطفال، يجب أن تنمو بطريقة صحيّة وبعيدة عن القمع…
كومينيوس، أراد للأطفال ان ينضجوا ويكبروا ويتعلّموا المعرفة بالمحبّة والاهتمام، والبعد عن أيّ عنف جسديّ او معنويّ لأن الطبيعة الانسانية لديها رغبة فطريّة للمعرفة، والمربّين عليهم صقل هذه المعرفة، من دون اللجوء الى وسائل الترهيب، لأن الخوف يعوّق نمو الطفل الذهني، ويمنعه من التعبير عن ذاته ومن الابداع.
أراد كومينيوس، أيضاً، لأفكاره التي هي وليدة ملاحظاته ان تنمو وتنتشر في الارض جمعاء، لكي يصبح العالم مكاناً جميلاً يسوده الفرح والسلام والمحبة.
لحسن الحظ، نجد نظرية كومينيوس، مطبّقة في بعض البلدان الأوروبية، كفنلندا والسويد، وفي كندا، مؤخّراً اعتمدوا أفكار الفيلسوف والمربّي التشيكي، لأنهم شعروا بمدى فعاليّتها إذ لاحظوا تأثيرها الايجابي على الاطفال، وقد نوّه البروفيسور “بيار ريجين” من جامعة “مونتريال”، بالتحسّن والتحوّل الجذري لدى اعتمادهم طرائق كومينيوس في التربية والتعليم منذ العام 1979.
في المقابل، نرى ان الكثير من البلدان الأخرى، ذات السياسات القمعية، لا تزال للأسف، تعتمد أساليب التربية البدائية التي تدمّر الطفل، وتقتل كرامته وتخنق حريته، وتحوّله إلى تابع لا يجرؤ على التفكير، خوفاً من “عقاب” معنوي يتوهّم وجوده في عقله اللاواعي، او عقاب فعليّ يتمثّل بالسجن او التعذيب او القتل.
على من تقع مسؤولية التردّي في المفاهيم والطرائق التربوية في عصرنا الحالي، مقارنة مع نظرة كومينيوس منذ أربعة قرون؟
علينا جميعاً، وعلى كل شخص واعٍ، بخاصة، نحن الذين خضنا مجال التربية والتعليم.
قد يتساءل البعض: “كيف لنا أن نحارب أنظمة ظالمة، تعمل منذ عشرات السنين على دفن حريّة التفكير؟ كيف نستمرّ لنعيش و”نقبض” راتبنا إذا وقفنا بوجه هذه القوة القمعية؟”.
بإمكاننا ذلك، عندما نتحرّر نحن، أولاً من هذا الوهم الذي يسمّى “معايير وأعراف”، الذي يكبّل امكاناتنا، وعندما نتحرّر من العبوديّة الماديّة.
كيف لنا أن ندرّس الحريّة ونحن لا نجرؤ على التفكير بها؟
كيف لنا أن نُشعر الطفل بقيمته الانسانية، ونحن لا نزال نتنقّل على رؤوس أصابعنا بين أشلاء كرامتنا المبعثرة، خوفاً من أن تجرحنا رؤوسها المدبّبة؟
كيف لنا أن نزرع الفرح في قلوب أطفالنا، ونحن لا نزال نخاف ان نفرح ونضحك من قلبنا، لأنه “عيب الضحك عَ صوت عالي، هيدي قلّة أدب”؟
فلنكسر هذه القيود التي تكبّل تفكيرنا، ولنتحرّر من عَفَن المعايير والأعراف المهترئة ولنبنِ أطفالنا ونهيّئهم لعالم جميل ومزهر يسوده السلام والحبّ والحرية والتفاهم والانسانية…
دخلت قاعة الصفّ مبتسمة كعادتي، وكالعادة، أيضاً، كانت حصّة رائعة ونشيطة، شارك الجميع فيها بكل فرح، لأنني ألتقي مع كومينيوس في مبدأ نشر الفرح مع المعرفة.
أختم بهذا القول لكومينيوس:
نحن جميعنا مواطنون في عالم واحد، نحن جميعنا دم واحد. أن تكره الناس لأنهم ولدوا في بلد آخر أو لأنهم يتكلّمون بلغة مختلفة، أو لأن لديهم وجهة نظر مختلفة حول اي موضوع، لهو حماقة كبيرة. إنني أتوجه إليكم لأننا جميعا متساوون في الإنسانية… دعونا نضع هدفاً واحداً في عين الاعتبار: رفاه الإنسانية…




