مقالات

رياح التغيير في إيران..!

د. مصطفى عبد القادر/ سوريا

خاص “المدارنت”
أفق الاستعصاء السياسي ومأزق السلطة
“الثيوقراطية” في مواجهة الأزمات
تقف الجغرافيا السياسية في إيران اليوم، عند مفترق طرق حاسم وتاريخي، حيث يتكشف بوضوح تام عجز النظام الثيوقراطي الحاكم عن تقديم أي حلول حقيقية للأزمات البنيوية المتراكمة التي تعصف بالبلاد على كافة الأصعدة. إن الغياب التام لأي رؤية اقتصادية أو اجتماعية مستدامة، إلى جانب تفشي الفساد المالي والإداري الهائل، دفع رأس الهرم السياسي إلى الارتماء كلياً في حضن سياسات تصدير الأزمات وافتعال الحروب الإقليمية كطريقة وحيدة لإدارة الاحتقان الداخلي المتنامي.

وتؤكد تقارير مراكز الرصد الدولية المستقلة أن هذا النهج العدواني لم يعد مجرد خيار تكتيكي عابر، بل تحول إلى عقيدة بقاء أساسية يعتمد عليها النظام لتأجيل لحظة السقوط الحتمية، متجاهلاً أن الشعوب لم تعد تخدعها الشعارات الأيديولوجية الفارغة وسط الانهيار المعيشي المريع وتفشي البطالة والفقر المدقع. إن هذا العجز البنيوي ينذر بانفجار شعبي وشيك لا يمكن احتواؤه بالخطابات التعبوية أو القبضة الأمنية المغلظة وحدها، مما يضع مستقبل النظام على المحك وسط سخط عام متصاعد.

سقوط الرهان على الاسترضاء والحلول العسكرية بمعزل عن الداخل
أثبتت وقائع المشهد الإقليمي والدولي بوضوح أن المراهنة على سياسة الاسترضاء والمهادنة السياسية، أو حتى الاكتفاء بالضربات العسكرية الخارجية المحدودة، هي مقاربات قاصرة تماماً عن إحداث التغيير المنشود أو جلب الاستقرار المستدام للمنطقة.

فالنظام الإيراني يفسر المهادنة ضعفاً وتراجعاً، ويوظف التصعيد الخارجي لتوحيد جبهته الداخلية المتهالكة عبر بث الرعب والقمع الممنهج. وتدل الهجمات الصاروخية المستمرة التي تطال دول الجوار – بغض النظر عن مواقفها الحيادية أو جهود الوساطة الحثيثة التي تبذلها – على طبيعة سلوك عدواني لا يعترف بالأعراف الدبلوماسية أو القوانين الدولية.

من هنا، يدرك الخبراء الاستراتيجيون والمحللون السياسيون أن القوة العسكرية البحتة، رغم كشفها لهشاشة البنى الأمنية لطهران، تظل عاجزة تماماً عن إسقاط الديكتاتورية ما لم تتكامل مع ضغط حقيقي يستهدف الجبهة الداخلية للسلطة وركائز الاستبداد المتآكلة على الأرض.

زلزال الرفض الشعبي وتصاعد المقاومة المنظمة في المدن الإيرانية
في ظل هذه المعطيات القاتمة وحالة الاختناق السياسي، تشهد المدن الإيرانية اتساعاً ملحوظاً في رقعة الاحتجاجات الشعبية وتنامي نشاطات المقاومة المنظمة التي تقودها بشجاعة شبكات وحدات المقاومة التابعة لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية. إن لجوء السلطات الأمنية والأجهزة القمعية إلى تصعيد غير مسبوق في حملات الإعدامات والاعتقالات التعسفية لا يعكس أبداً أي قوة أو هيبة، بل يترجم بصدق حالة هلع وجودي تعتري أركان الحكم من مجتمع بات يقف على حافة الانفجار الشامل.

إن هذا الحراك المتصاعد والمنظم يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الشعب الإيراني حسم أمره برفض جذري لهذه الديكتاتورية الدينية، وأنه بات يمتلك الأدوات التنظيمية والوعي السياسي اللازم لفرض خياره الديمقراطي الحقيقي رغم قسوة الآلة القمعية وسطوتها.

نحو استقرار إقليمي يرتكز على التغيير الديمقراطي الشامل
إن إنهاء مأساة المنطقة المستمرة لا يمكن أن يتم عبر إعادة إنتاج أزمات الماضي أو تدوير الخلافات البينية، بل يتطلب رؤية استراتيجية شجاعة تدعم حق الشعب الإيراني الأصيل في الحرية وتقرير المصير.

إن إسناد البديل الديمقراطي المتمثل في المقاومة المنظمة هو الضمانة الحقيقية لإرساء قواعد السلام العادل، وحسن الجوار، والتعاون المشترك بين شعوب الشرق الأوسط قاطبة. فحين تتهاوى أركان الاستبداد في طهران، وتتنفس إيران الصعداء بنظام ديمقراطي حديث يعبر بصدق عن طموحات أبنائه، ستنطفئ بالضرورة نيران الفتنة والحروب بالوكالة، لتبدأ صفحة تاريخية جديدة عنوانها الاستقرار الإقليمي والتنمية المستدامة القائمة على الاحترام المتبادل لسيادة الدول ووحدة شعوبها.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى