زائـــــر الـفـجــــــر..!

خاص “المدارنت”..
ألرابعة فجرا. الغرفة في هدوء تامّ. طَرقات متوالية تمزّق غشاء السكينة. كنت في الغرفة وحيدا، أغطّ في نوم عميق. استيقظت على وقع تلك الطرقات مذعورا. دهشة عارمة كانت تنتابني، مفسحة المجال لتيّار من التساؤلات والأفكار القاتمة:
من يقرع عليّ الباب في فجر هذا اليوم؟ أمر غريب! هل أنا في يقظة فعلا؟
هززت رأسي بيديّ لأتأكّد.
أنا في يقظة من غير شكّ.
ألطرق مرّة أخرى، والصوت أكثر ارتفاعا.
وبشيء من التوجّس والتردّد، نهضت متسائلا:
– مَن الطارق؟
– إفتح. كلّ منّا يعرف الآخر جيّدا.
… وفتحت الباب.
دخل رجل مربوع القامة على قسط من الوسامة واللطف والرصانة، وقال:
– هل تسمح لي بالجلوس قليلا؛ فلديّ ما سأقوله لك.
– تفضّل.
جلس الرجل بأدب، وجلست قبالته. كانت في عينيّ دهشة، وعلى اللسان سؤال ينتظر جوابه.
– خير إن شاء الله! تقول إنّني أعرفك جيّدا، وأنا لم أرك من قبل!
ابتسم ابتسامة خفيفة ثمّ قال:
– أنت تعرفني جيّدا؛ لكنّ ذاكرتك ضعيفة. ألم تجدني في عزاء والديك؟ وفي عزاء أقربائك؟ وأخيرا ومنذ أيّام معدودة في عزاء صديقك محمّد ناصر؟!
حدّقت فيه جيّدا ثمّ قلت:
– لا، لا. لم أرَ هذا الوجه من قبل.
– صحيح. أنا لم أقل: رأيت وجهي، بل قلت عرفتني كما عرفني الجميع. أنا ملك الموت الذي يوكل إليّ قبض أرواح من حان موعد أجلهم؛ ألى تعرف ذلك؟
كلمات هادئة نزلت كالصاعقة على رأسي.
– قد حان موعد أجلي، وجئت لهذه الغاية إذا!
– نعم؛ فالموت حقّ وكان عليك أن تحسب لهذه الساعة حسابها.
عصفت برأسي افكار كثيرة:
ماذا أعددت لآخرتي؟ نعم كان عليّ أن أحسب لها حسابها. لقد شغلتني أمور الدنيا عن ذلك . ماضيّ غير مطمئنٍ أبدا. هو مثقل بالذنوب، والحسنات فيه لا تعدّل الميزان.
– أرجوك. إمنحني بعض الوقت لأستعدّ لهذه اللحظة كما ينبغي. لا سبيل إلى ذلك… فإذا جاء أجلهم، فلا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون. كان لديك متّسع كبير من الوقت، فلماذا لم تصرفه في التكفير عن ذنوبك، وفي الأعمال الصالحة؟!
أُسقط في يدي. بقي عليّ أن أستمهل الزائر المخيف دقيقات معدودات، أودّع فيها عائلتي في الغرفة المجاورة؛
لكنّه أبى بإصرار ان يمنحني فرصة لذلك. نظر الى ساعته جيّدا، ثمّ تحرّك بنظره إليّ. إلتمعت عيناه ببريق حادّ ترتعد له الفرائص، ونهض قائلا:
– حان الآن موعدك.
شعرت حينها بشلل تامّ يمنعني من أيّ حركة؛ لكنّ صيحة مدوّية أفلت من فمي مخترقة جدران المنزل بقوّة.
“منير، منير! فيق يا منير. “لا تخاف. شوشايف بمنامك. هيدا كابوس. أوم شراب وغسّل وجهك”.
فتحت عينيّ. كانت زوجتي وولداي يوقظانني ويهدّئان من روعي، وأنا على حال من الاضطراب الشديد.
تناولت بعض الماء، ورشقت شيئا منه على وجهي، فصحوت؛ لكنني لم أستطع الخلود إلى النوم في تلك الليلة مرّة أخرى؛ فالتوتّر لم يزايلني تماما حتى صبيحة ذلك النهار؛ فقد كانت تجول في ذهني مجريات ذلك المنام دون انقطاع، إلى أن هدأت نفسي وانتهى التوتّر تماما.
لكنّ آثار ذلك المنام كانت عميقة في داخلي؛ فقد حوّلتني إلى إنسان آخر، يواظب على واجباته الدينيّة، ويترجم إيمانه أفعالا ملؤها الخير والصلاح، ليكون على أهبة الإستعداد يوم تحين ساعة الرحيل.
كان صديقي نزيه يحدّثني عن هذا التحوّل الذي طرأ على شخصيته وفكره، وجعل سلوكه يتّجه هذا الإتجاه الإيمانيّ الجديد، وكنت أعجب لهذا التحوّل الكبير؛ فقد كان من قبل متصلّبا” بأفكاره التي كانت تتناقض مع ما انتهت إليه بعد رؤية ذلك المنام الغريب.
في الحقيقة، لم أكن لأصدّق أنّ مناما مهما كانت رهبته، يمكن أن يكون مؤثّرا في صاحبي إلى هذا الحدّ.
ولكنْ، كلّ شيء معقول.



