مقالات
ست دقائق تصفيق وعاد “ماتاريلا”

خاص “المدارنت”..
احمرّت وجنتاه وهو يقف بكل تواضع وخجل على عتبة مسرح (لا سكالا) la scala في ميلانو، لمناسبة إعادة افتتاحها، بعد أن خفّفت السلطات الإيطالية القوانين الخاصة بمكافحة وباء الكورونا.
ست دقائق من التصفيق الحار، وهتافات تطالبه بإعادة الكرّة، ايّ سبع سنوات أخرى في موقعه كرئيس للدولة.
الرئيس “ماتاريلا”، الذي اشارت الإحصائيات إلى انه الرئيس الإيطالي الأفضل والأكثر شعبية حتى اليوم، بين كل الذين سبقوه في هذا المنصب.
رفض بكل أدب واحترام رغبة جماهير الـ(سكالا)، ليس خوفاً من المنصب او خشيةً من سنّه المتقدم، او سخطاً على راتبه السنوي الذي هو حوالي 240 الف يورو سنوياً، بل السبب كان خوفه على دستور الدولة، الذي لا ينصّ في مواده على دورة ثانية لرئاسة الجمهورية، فيكون بذلك أول من يفتح الباب على عرفٍ جديد او تقليد مبتدع، يعوّق حركة الدول الديموقراطية في بحثها المستمر عن الأفضل والارقى في العمل السياسي.
وعلى الرغم من أن رئاسة الدولة في إيطاليا، لا وزن لها في السلطات الثلاث الأهم في أيّ دولة، التشريعية والتنفيذية والقضائية، فالحكم في إيطاليا برلماني، ورئيس الحكومة هو الشخصية الأكثر وزناً في العمل السياسي، ولكن يبقى لرئيس الدولة المركز الشرفي، او المراقب والضامن للدستور، وتنظيم العمل بين مجلس الشيوخ والبرلمان والحكومة التنفيذية، ومن ادواره ايضاً توقيع البروتوكلات الدولية، واعلان الحرب.
منذ ظهور برلسكوني، على الساحة السياسية، وتدهور الحزب الاشتراكي بعد كراكسي، ونفيه الطوعي إلى تونس، حيث فارق الحياة، ودفن، رافضاً العودة إلى الوطن، بعد موجة (الأيادي النظيفة) في ميلانو، والحملة القضائية التي كشفت النقاب عن الكثير من الفضائح السياسية في إيطاليا، منتصف الثمانينيات ومطلع التسعينيات، ومنها؛
= الرشاوي، والمحسوبيات في تلزيم مشاريع الدولة في البنى التحتية.
= علاقات مشبوهة بين المافيا والسلطات العليا في الدولة.
= إساءة استعمال أموال الحملات الانتخابية. لم تعد إيطاليا كالسابق او إيطاليا (النهضة الاقتصادية) بعد الحرب العالمية الثانية، حيث اخذت تعاني من عدم اسقرار سياسي، مستمر حتى اليوم، إذ لم يعد هناك قوة سياسية تنفرد في حكم البلاد، وانعكس ذلك الأمر على طبيعة الحكومات المتعاقبة، واعمارها القصيرة جداً حيناً او المكبّلة أحياناً، حيث إن توزيع المقاعد في مجلسيّ الشيوخ والنواب، كان غالباً ما يكون بالتساوي او بفارق ضئيل بين يسار ويمين او وسط اليسار ووسط اليمين، وبطبعية الحال، انعكس الأمر ايضاً على اختيار وانتخاب رئيس الدولة من قبل الشيوخ والنواب وممثلي المقاطعات.
وكما أنه لا وجود للرقم الـ13 في بعض الطائرات او الفنادق، لتشاؤم البعض من هذا الرقم، كان حال الرئيس الـ13 في إيطاليا، التي تبحث عن مطار آمن للهبوط، فتعثر الإقلاع في انتخاب الرقم الصعب، كما تعثر التحليق إلى الدورة الخامسة، إلى أن قرر الكابتن أن من تعرفه خير ممّن تريد التعرف عليه، و”ماتاريلا” في اليد، أفضل من عشرة “فيراري” لا تملكها.
احمرّت وجنتاه، وهو يخضع للقبول بخجل، أمام عجز السياسة عن إيجاد البديل، وحسّه الوطني الزَمه بالقبول، خوفاً على ماء وجه الدولة التي يحبّ، ودستورها الذي يحترم.
من أطراف العالم، يُنقل الخبر على بساطته للمعلومة عادة، ولكنه يُنقل ايضاً على أن يكون في اوطاننا يوماً ما، رجال تقف خجلاً تحت ضجيج التصفيق، لدقيقة تقدير واحدة من جمهور مُحب.


