مقالات

سرقة موصوفة في عالم متوحّش!

د. محمود المسلماني/ لبنان

خاص “المدارنت”..
ما كادت الأيام الأخيرة من نيسان، تمضي بما تبقّى في الجيب من نقود قليلة، حتى باكرت في صبيحة الثاني من أيّار لتسلّم راتبي من مصرف المدينة.
تسلّمت الدفعة الزهيدة المقررة منه، ثمّ قفلت عائدًا الى السيارة. أدرت محرّكها، فانطلقت بي تسير سيرها الطبيعيّ بغير تباطؤ او استعجال.
كان المذياع يبثّ إنجازات الحكومة، فيما كان ذهني ملبّدًا بأفكار وتساؤلات وتخيّلات قاتمة. “لقد اطلقت حكومتنا بداية التدقيق في حسابات مصرف لبنان لضبط محاولات التلاعب بها”.
“شو هالحالة اللي وصلنالها بهالبلد؟! هالمعاش فقد تلات ارباع قيمته، وبالكاد بعده بيكفي لتأمين حاجاتنا الضرورية”.
وأطلقنا الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، واستعادة الأموال المتأتية عنه”.
“هيدا نحنا هيك. كيف يللي ما عندهن معاش، ولا عميشتغلوا أو عميشتغلوا بتراب المصاري؟! هودي شو مصيرهن؟!
إجراء التحقيقات في الأموال المهرّبة الى الخارج، والعمل على رفع السرية المصرفية”. والسؤال الأهمّ، الليرة قيمتها عمتهبط كل يوم أكتر. لوين واصلين؟!”.
مراقبة محلات الصيرفة، وإيقاف الصرّافين المتلاعبين بأسعار بالدولار.
“مبيّن ما في شي عميحدّ من ارتفاع الدولار. والغلا كل يوم عميزيد وعميهدّد الفقير بلقمة عيشه وبكرامته. الله يعين الناس من الجوع والهوان”.
“انجاز القوانين المتعلقة بإصلاح القضاء، وبدء المفاوضات لتلزيم استقدام الغاز… خليط غير متجانس من إدّعاءات فارغة بإنجازات وهميّة مفترضة، وتساؤلات وأفكار سوداء تزدحم في خلايا الرأس، فيجرفني تيّارها من ضيق الى ضيق.
كانت السيارة، قد بلغت أحد المحالّ التجارية الكبرى لبيع الموادّ الغذائية، فأوقفتها، وترجّلت لشراء بعض الحاجات الضرورية.
المحلّ قاعة واسعة تغصّ بروّادها، وتضمّ انواعًا كثيرة من المواد الغذائية، وزبائنها من طبقات مختلفة، يتوزّعون في انحائها، ينقلون مشترياتهم، يحاسبون، ويخرجون، ليدخل آخرون، وتتابع عمليات البيع والشراء حركتها بصورة متواصلة.
دخلت مع الداخلين، وانتقيت حوائجي القليلة، واتجهت نحو المحاسبة لتسديد ثمنها، كان امامي رجلًا، بدا في ملامحه وحركته وآثار التعب عليه، أنّه تجاوز عتبة الثمانين من عمره، وكانت ملابسه البالية وهندامه المزري يعكسان صورة للفقر والبؤس والحرمان، سترة رمادية رثّة فوق قميص مهلهل، وبنطال أبلى جدّته القدم. كان الرجل يسير متوكّئًا على عصا اقتطعها من فرع شجرة، لتكون رفيقة دربه في شيخوخة العمر. كانت يمناه تمسك بها محاولة إسناد جسده المتهالك، وفي اليسرى ربطة خبز من ذوات الألف.
كان الرجل يتقدّم ببطء نحو طاولة المحاسب. خطوات قليلة ويصل، وضع ربطة الخبز على الطاولة، وانتظر لينقد المحاسب ثمنها ويخرج.
وكانت المفاجأة:
“ممنوع تطلع من هون، حطّ عالطاولة اللي سرقتهن”.
ارتعد الرجل. بدأ جسده يرتعش، ووجهه يزداد قتامة وكمدًا”.
“أنا؟! انا ما سرقت شي، هيدا ألف حق ربطة الخبز”.
وضعها على الطاولة وهمّ بالخروج.
لكنّ بعضهم، كان قد وصل، وأمسك بالرجل يوقفه ويمنعه من ذلك.
حرّك المشهد فضول زبائن المحل، فاجتمعوا لرؤية ما يحصل، وما كان هذا، إلّا ليزيد من حرج الرجل وتازّمه.
“شفناك بالكاميرا وأنت عمتسرق، لا تكذب، حطّ هللي سرقتهن عالطاولة”.
“أنا؟! أنا ما خَدت شي”.
امتدّت يد رجل الأمن الذي يمسك به الى جيب سترته، لتخرج منها علبة جبنة صغيرة كانت بداخلها.
حينذاك، كان الرجل قد بلغ ذروة التأثّر، انهمر الدمع من عينيه، هوت عصاه من يده المرتجفة، تساقط جسده المنهك على الأرض، وهو يقول بصوت متهدّج: كنت بدّي آخدها مع الخبزات عالبيت، وآكل منها انا والختيارة، من مبارح ما كلنا شي، ما كان معي غير هالألف اللي حطّيتها عالطاولة، خدوها وما عاد بدّي شي.
… وحاول الرجل النهوض من جديد والانصراف خارجًا”.
تخطّى المشهد حدود التحمّل لديّ. اسرعت أساعده على النهوض، وأخاطب المحاسب: هيدا تمن علبة الجبنة”. وهمّ عدد من الحاضرين لشراء بعض الحاجات الضرورية لتقديمها إليه؛ لكنه أبى بإصرار كبير ان يأخذ أيّ شيء.
كان الرجل قد استوى على قدميه، وبنشاط أوقده الانفعال لديه، ترك الخبز والجبنة وورقة الألف، واسرع خارجًا.
كان المشهد شديد الوقع عليّ. تناولت العصا المرميّة التي كان يتوكأ عليها، وأسرعت خلفه بغية تسليمها له، ودسّ بعض النقود في جيبه.
بدا لي أنّه بات بعيدًا عن المحل، لكنّ ذلك لم يمنعني من العدو خلفه حتى أدركته، وهو يستريح جالسًا على حجر كبير تحت شجرة بجانب الطريق العام.
عندما شاهدني، حاول النهوض والهرب من جديد؛ لكنني كنت قد وصلت، اعطيته العصا، فأمسك بها، وحاولت خلسة أن ادسّ في جيبه بعض النقود، فأحسّ بي، ورفض قاطعًا وبعناد شديد قبول أيّ نقد.
أسقط في يدي، عدمت الوسيلة لتقديم العون، أخرجت نقودي من الجيب مرّة أخرى. طويتها، لففتها في قطعة من ورق، ووضعتها تحت حجر قريبِ منه، ثمّ عدت من حيث أتيت.
كان في العين دمعة، وفي القلب لوعة، وفي الفم كلام: أليس من مكان للبؤساء والفقراء تحت الشمس في هذا العالم المتوحّش؟!

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى