سوريا.. وطن لا يقبل القسمة

خاص “المدارنت”
بعد سقوط النظام السوري البائد، وما تبعه من فوضى عارمة، خرجت أصوات تحاول أن توظف حالة الإنهيار لصالح مشاريع تقسيمية. منهم من طرح “الفيدرالية” تحت ذرائع إدارية أو قومية، ومنهم من تجاوز ذلك نحو مشاريع إنفصالية ذات بعد طائفي أو عرقي أو قومي، وكأن سوريا يمكن أن تُقطع بالمقص وتوزّع كالغنيمة. غير أن الحقيقة التي أثبتها التاريخ مراراً هي أن هذه الأرض عصيّة على التشظي، وأن الشعب السوري مهما تفرق أو تباين في مواقفه يبقى في جوهره متمسكاً بوحدة الوطن. إن سوريا، ببساطة، لا تقبل القسمة.
أولاً: جذور محاولات التقسيم
منذ أن دخلت قوات الإنتداب الفرنسي إلى سوريا عام 1920، وأسقطت حكومة المملكة السورية العربية، بقيادة الملك فيصل، وضعت في جعبتها خطة لتفتيت الكيان السوري الناشئ، فقسمت البلاد إلى دويلات:
دولة دمشق، دولة حلب، دولة العلويين، ودولة جبل الدروز. الهدف كان واضحاً، إضعاف الروح الوطنية، ومنع تشكّل دولة مركزية قوية. لكن السوريين، سرعان ما أدركوا هذه الخدعة، فجاءت الثورات الشعبية لتعيد التأكيد على وحدة الأرض. ثورة سلطان باشا الأطرش في جبل العرب، لم تكن دفاعاً عن الدروز وحدهم، بل عن وحدة سوريا كلها. وحركة الكتلة الوطنية في دمشق، لم تكن مطلباً محلياً، بل صرخة جامعة لاستقلال سوريا الموحدة.
وقد شهدنا فشلاً مماثلاً في محاولات الفرنسيين إستغلال التنوع الطائفي. إذ أرادوا أن يجعلوا من الطائفية أساساً للدويلات، لكن السوريين واجهوها بوعيهم، فانهارت تلك المشاريع مع جلاء القوات الأجنبية عام 1946.
ثانياً: دروس الفوضى الراهنة
بعد عقود، ومع سقوط نظام (الطاغية المخلوع) بشار الأسد البائد، بدأ المشهد وكأنه تكرار لتاريخ قديم. الفوضى التي رافقت إنهيار المؤسسات جعلت بعض الأطراف تسعى الى فرض أمر واقع، عبر كيانات محلية أو إدارات ذاتية، بعضها بغطاء دولي وإقليمي. لكن هذه التجارب لم تثبت قدرتها على الصمود، لأنها قامت على أسس ضيقة ولم تستند إلى عقد وطني جامع.
لقد أظهرت الأحداث أن أي كيان لا يجد جذوره في التاريخ السوري، ولا يستند إلى شرعية شعبية واسعة، يبقى مجرد حالة مؤقتة مرتبطة بميزان القوى العسكري أو الدعم الخارجي. وما أن تتغير الظروف حتى يتكشف ضعفه. هذه الدروس تؤكد أن الإستقرار الدائم لا يتحقق إلا ضمن الدولة السورية الواحدة.
ثالثاً: المواطنة أساس العقد الاجتماعي
التاريخ يثبت أن السوريين حين يشعرون بالعدالة والمساواة، يتجاوزون بسهولة كل الفوارق الدينية أو المذهبية أو القومية. المواطنة الحقيقية تعني أن الجميع شركاء متساوون في الحقوق والواجبات. فهي ليست منحة من سلطة، بل قاعدة تأسيسية لدولة قوية.
حين نعود إلى تجربة ما بعد الاستقلال، نجد أن التنوع السوري لم يكن عائقاً، بل مصدراً للثراء. فقد اجتمع المسيحي إلى جانب المسلم، والعلوي إلى جانب السني، والدرزي إلى جانب الكردي، لبناء دولة وطنية موحدة. كان هذا ممكناً لأن الإحساس بالمواطنة كان حاضراً، ولأن المشروع القومي لم يترك مجالاً ضيقاً للهويات المتناحرة. واليوم، فإن إستعادة تلك الروح تحتاج إلى دستور عادل، يضمن الحقوق السياسية والمدنية للجميع، وإلى دولة مؤسسات تحمي المواطن من التمييز.
رابعاً: الدولة كأمّ الصبي
من أبلغ ما يمكن أن نصف به الدولة السورية، أنها “أمّ الصبي”. فكما تحتضن الأم أبناءها جميعاً، على الدولة أن تتعامل مع مواطنيها بالمنطق ذاته. حتى وإن أخطأ البعض أو تورط في مسارات جانبية خلال سنوات الحرب، فإن الحل ليس في الطرد أو الإقصاء، بل في الإحتضان المشروط بالعدالة والمساءلة.
لقد أثبتت التجارب أن الدول التي تبنت سياسات إقصائية مزقت مجتمعاتها، بينما تلك التي تبنّت سياسات عادلة ومصالحة وطنية أعادت بناء وحدتها. الدولة السورية إذا أرادت أن تعيد أبناءها فعليها أن تُطمئنهم بأنها بيتهم جميعاً، لا بيت فئة من دون أخرى.
خامساً: مخاطر “الفيدراليات” والانفصال
“الفيدرالية” التي تُفرض بالقوة ليست إصلاحاً إدارياً، بل تقسيماً مقنّعاً. والإنفصال على أساس طائفي أو قومي ليس سوى وصفة لحروب طويلة لا تنتهي. الجغرافيا السورية بمدنها وقراها المختلطة؛ لا تسمح بحدود مصطنعة تفصل بين المكونات.
يكفي أن ننظر إلى تجربة لواء إسكندرون؛ الذي إقتطعته فرنسا وسلمته لتركيا عام 1939. ورغم مرور عقود، لم تنقطع الحسرة الوطنية السورية على ذلك الجزء من الوطن. إن كان إقتطاع لواء واحد خلّف جرحاً لا يندمل، فكيف بمحاولة تفكيك سوريا كلها؟
كما أن مقارنة سريعة مع الحرب الأهلية اللبنانية، توضح حجم الكارثة التي يمكن أن تنتج عن الإنعزال الطائفي. لبنان؛ جُرّب فيه التقسيم غير المعلن، فكانت النتيجة حرباً أهلية استمرت خمسة عشر عاماً، ولم ينقذه إلا العودة إلى صيغة الدولة الواحدة. فكيف يمكن أن ينجح مثل هذا السيناريو في سوريا التي تتداخل فيها المكونات على نحو أعقد وأوسع؟
سادساً: التطمينات والثقة المتبادلة
إن مجرد إعلان التمسك بالوحدة لا يكفي. المطلوب اليوم، خطوات عملية تبني الثقة. فالمكوّن الكردي يحتاج إلى ضمانات حقيقية بأنه جزء أصيل من الدولة لا ضيفاً عابراً. والمكوّن العربي، يحتاج إلى تأكيد أن الشراكة لا تعني الانتقاص من دوره. والمكوّن المسيحي يريد أن يرى نفسه مواطناً كاملاً؛ لا أقلية مهددة؛ وكذلك العلوي والدرزي وغيرهم. هذه التطمينات لا تُمنح بالكلمات فقط، بل بالتشريعات الضامنة وبالممارسة العادلة.
العدالة في توزيع الموارد، المشاركة في المؤسسات الوطنية، إحترام الحقوق الثقافية، كلها عناصر أساسية لبناء الثقة. كما أن المصالحة الوطنية التي تنزع الأحقاد وتعيد الاعتبار للضحايا هي ركن لا غنى عنه. فالمجتمع الذي يعيش على جراح مفتوحة لا يستطيع أن يبني وطناً متماسكاً.
لقد جرّب المستعمرون تقسيم سوريا في الماضي، وفشلوا، وحاولت قوى داخلية وخارجية تكرار “السيناريو” في الحاضر وفشلوا أيضاً. سوريا لا تُقسّم لأنها أكبر من حدود “الفيدراليات”؛ وأقوى من منطق الانفصال. الوحدة ليست شعاراً “رومانسياً”، بل شرط وجود. إنها قدر التاريخ والجغرافيا والذاكرة.
المطلوب اليوم، ليس إعادة اجترار الخوف من الإنقسام، بل تحويله إلى مشروع إيجابي: دولة مواطنة عادلة، تطمئن أبناءها جميعاً، وتؤكد لهم أنهم في بيت واحد كبير. بيت قد يختلف فيه الإخوة، لكنه يظل بيتاً واحداً، لا يقبل القسمة ولا التجزئة .



