سِـحْــر الاشـتـِقــاق في اللغة العربية
فـاروق حـمـّود
//خاص المدارنت//… أحاط اللغويون عندما درسوا المناسبة بين الألفاظ والمعاني، اللّغةَ العربية بهالة من السحر، لا سيما في إبداعهم بدراستها، بسيطة كانت أمْ مركبة، أو بدراسةِ نشأتها وتولّدها، وتصنيف المعاني، أمُكتسبة في اللفظ أمْ ذاتية، فاستفاضوا في المسألة، حتّى بالغ البعضُ فيها وتكلّف الآخر، فأنبتتْ أقلامهم ثروة علمية لغوية، قلبوا فيها الأحرف، وأبدلوها وحذفوا وأضافوا، لينشئوا فناً لغويّا في صناعة الكلام وتقليبه وتوالده، وهو ما عرف بالإشتقاق.
الاشتقاق في الأصل أخذ صيغة من أُخرى، وتوليدٌ لبعض الألفاظ منْ بعض. وبعيدا عن النزاع حول ما إذا كان الكلام كلّه أصل، كما يقول منكروا الاشتقاق، أوْ أنَّ الكلام كلّه مشتق، وأخذا برأي من جمع بين القولين منهم، بأنّ بعض الكلام مُشتق، وبعضه غير مُشتق.
سنتطرق بشكل عام إلى ما وصل إليه هؤلاء، في إبداعهم بالحديث عن الاشتقاق وأنواعه، من دون الخوض في الأدلة والبراهين، الّتي ساقها كلّ طرف للدفاع عن رأيه.
بذل الأقدمون، جهدا كبيرا في دراسة الترابط بين اللفظ والمعنى، وأخذوا بتوليد الألفاظ بعضها من بعض، لخدمة المعنى. ومن هذا العمل الدؤوب، خلص نتاجهم إلى أربعة أنواع للاشتقاق، ثلاثة منها شائعة: الأصغر، والكبير، والأكبر، والنوع الرابع سُمّي بالنحت، وبعضهم سمّاه الاشتقاق الكـُبار.
الاشتقاق الأصغر، الأكثر ورودا في العربية، ويكاد يجمع عليه جميع اللغويين. يتمثل هذا الفن بتقليب تصاريف الكلمة إلى صيغ مختلفة، تخدم المعنى المراد، مع الاحتفاظ بحروف الكلمة الأصلية، كما أنّ الصيغ المشتقة ترتبطُ ارتباطًا واضحا جلياً بالأصل لجهة المعنى، كما في المثال: ضَرْب، مضروب، اضْرَب، تضارَبَ، مَضْرِب، كلّها يعود في معناه إلى (ضَرَبَ)، ولكنّ تغيّر الحركات، أو إضافة الأحرف عليها، أعطاها إضافة ًفي المعنى، وأبقاها مرتبطة بالأصل، لتصبح الكلمة الأصلية إن صح التشبيه، كجذع تتفرّع منه أغصان، تعود بأصلها إلى هذا الجذع.
الاشتقاق الكبير، هو عبارة عن ارتباط مطلق، غير مقيد بترتيب بين مجموعات ثلاثية صوتية، ترجع تقاليبها الستة إلى مدلول واحد، مهما تغيّر ترتيبها الصوتي (فقه اللغة – الشيخ صبحي الصالح ). المقصود هنا، أنْ يتم تغيير وتقليب مواقع الأحرف في الكلمة الثلاثية كـ س م ل، م س ل، س ل م، م ل س، ل س م، ل م س، وإبقاء إرتباطها بمعنى أصلي واحد، وفي هذا النوع من التكلّف ما فيه في إعادة معاني الألفاظ إلى معنى أصيل واحد، وللمثال نذكر بعض تقاليب الأصل (ج ب ر)، وهي أينما وقعت للقوة والشدة. جبرت العظم أيّ قوّيته، مجرّب شدّة الخبرة، الأبجر والبجرة القوي السُرّة، والبُرْج قوة ما يليه .
الاشتقاق الأكبر، وهو ارتباط بعض المجموعات الثلاثية ببعض المعاني ارتباطا عاما، لا يتقيد بالأصوات نفسها، بل بترتيبها الأصلي والنوع الذي تندرج تحته. وفي هذا الباب ارتكب فيه اللغويون تكلفاً لم يرتكبوه في غيره، وذلك يعود لقيام هذا الفن على الإبدال في اللغة، الذي يرتبط بدوره باختلاف اللهجات، لا سيما بين قريش وتميم. واعتمدوا في ذلك على تقارب الصفات كما في سراط وصراط، أو ساطع وصاطع، أو كشطت وقطشت، أو على التجانس بين الأحرف، كما في تجانس الدال والباء في (قاب قوسين) و(قاد قوسين)، وهذا نوع متشعّب لا حدود له.
النحت، أو الاشتقاق الكبار، وهو أن تأخذ كلمتان، وتنحت منهما كلمة تكون آخذة منهما جميعا بحظ. وهذا النوع قليل في اللغة، ولكنّه من سُنن العرب في اشتقاق الكلام، وتوليد بعضه من بعض، وقد عمل اللغويون في هذا الباب، وتكلّفوا أيضا في تقسيمه وتصنيفه، وحاولوا أن يضعوا له مقاييس محددة، وما يعنينا، هو التعرّف إلى هذا النوع بشكل عام، من خلال الأمثلة التي تستعمل، ويتم تداولها مثل (حَيْعَلة)، أيّ حيّ على، (بَسْملة)، أيّ بسم الله (حَوْقلة)، أيّ لا حول ولا قوة إلا بالله، (عَبْشَميّ)، أيّ عبد شمس، (عَبْدَري)، أيّ عبد الدار، (عَبْقسي)، أيّ عبد القيس، هذه لمحة عامة عن فن الاشتقاق، الّذي أبدع علماؤنا الأقدمون في تقليبه وإبداله وتقعيد مقاييسه، وولّدوا منه المفردات، وربطوا المعاني ببعضها البعض، فأضحوا كالساحر يخرج من أكمامه ما لا يتوقعه جمهوره.



