صحيفة عبرية: انضمام سيغلوفيتش لقائمة منصور عباس.. بين النقد اللاذع والنسمة المنعشة!

“المدارنت”
يُمثّل انضمام يوآف سيغلوفيتش إلى “القائمة الموحدة” (راعم)، سابقةً بارزةً في السياسة الإسرائيلية. لقد سبق أن كانت، ولا تزال، تحالفات سياسية بين العرب واليهود، لكنها تتجلى في أحزاب ذات “أيديولوجية” مشتركة (وخاصةً التيار الشيوعي الذي يُشكّل “رحم” الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (حداش)، أو في التمثيل الرمزي للعرب في الأحزاب الصهيونية، ولليهود في الأحزاب العربية المُعارضة للصهيونية، مثل حزب التجمع الوطني الديمقراطي (بلد)، وعادةً ما يكون ذلك في مناصب هامشية.
أما حالة سيغلوفيتش فمختلفة تمامًا. هذا ممثل صهيوني واضح ذو خلفية أمنية ثرية (وهي خلفية تُقابل عادةً بتحفظات في المجتمع العربي)، وقد تم دمجه في موقع واقعي ضمن حزب تربطه علاقات وثيقة بالحركة الإسلامية. ويُعبّر انضمام سيغلوفيتش عن استمرار لكسر الأعراف الذي ينتهجه منصور عباس، والذي يتجلّى في دمجه في ائتلاف حاكم، وتأكيده على ضرورة الاعتراف بأن إسرائيل دولة يهودية، في مقابل مطالبة القائمة المشتركة بتحويلها إلى دولة لجميع مواطنيها. وهذه محطة أخرى في “التجربة” التي يقودها عباس، والتي شهدت نجاحات، إلى جانب لحظات عصيبة، تمثلت في تفكك الائتلاف الذي كان عضواً فيه.
وتحظى جرأة عباس، بقبول واسع في القائمة الموحدة. فقد صادق مؤتمرها العام الذي عُقد الأسبوع الماضي، بالإجماع، على تفويضه في وضع مرشحين في مناصب عليا في القائمة، في حين كان واضحاً للجميع أن سيغلوفيتش هو المرشح. ترى القائمة الموحدة في هذه الخطوة مسعىً هاماً لتوسيع قاعدة مؤيدي القائمة وتنويعها، مع فتحها أمام جميع العرب (بمن فيهم المسيحيون والدروز)، وتعزيز الشراكة مع اليهود، دون المساس بطابعها الأصيل. في المقابل، يُتوقع أن يُوفر هذا التحالف ذخيرةً لمنتقدي عباس في المجتمع العربي، الذين يتهمونه بـ”الصهيونية”، والذين تصاعدت حدة انتقاداتهم مؤخراً حتى باتوا يتحدثون عن “الخيانة”.
جرأة سيغلوفيتش، لا تقل عن جرأة عباس. وينص الاتفاق مع حزب “القائمة الموحدة ” (راعم) على أنه ليس عضواً في القائمة ولا يخضع لدستورها، ويحق له حرية التصويت في قضايا الأمن والدين والدولة. لكن في ظل حملة نزع الشرعية الشرسة التي تُشنّ ضد حزب “القائمة الموحدة” عمومًا، وضد إمكانية الاعتماد على أصواته لتشكيل ائتلاف (وهي حجة طرحها جميع أعضاء الائتلاف، فضلًا عن العديد من قادة كتلة التغيير الذين كانوا مع عباس في ذلك الائتلاف حتى نهاية عام 2022)، من الواضح أن مثل هذه الخطوة ستواجه انتقادات لاذعة.
وكونه جنرالًا متقاعدًا، حقق نجاحات باهرة كنائب لوزير الأمن العام في الحكومة السابقة في مكافحة الجريمة والعنف في المجتمع العربي (وكان يحظى بإعجاب الكثيرين فيه)، لن يمنع ذلك من توجيه سهام النقد اللاذعة ضده من الجانب اليهودي. هذا فضلًا عن الشكوك التي يُرجّح أن يواجهها من بعض عناصر الرأي العام العربي في ظل حالة الاغتراب الشديد عن الدولة.
رغم الهجوم الشرس على عباس بدعوى أنه “يمثل جماعة الإخوان المسلمين” ويروج “لمؤامرات خبيثة بأسلوب ماكر”، إلا أن هناك الكثيرين في المجتمع اليهودي ممن أعجبوا حتى 7 أكتوبر، بشجاعته، ولا يزالون معجبين بها حتى اليوم، ومقتنعين بصدقه. في الانتخابات الأخيرة، حصد بضعة آلاف من الأصوات اليهودية، والآن تعقد “القائمة الموحدة” آمالاً حذرة بأن انضمام سيغلوفيتش سيعزز شرعية القائمة بين اليهود، وربما يمنحها حصة انتخابية تُضاف إلى المقاعد الأربعة أو الخمسة التي أشارت إليها معظم استطلاعات الرأي، وربما يجذب أصوات من كانوا على وشك التصويت للديمقراطيين أو القائمة المشتركة.
عشية هذه الانتخابات المصيرية، حيث يتسم الخطاب الإسرائيلي بالتطبيق الممنهج لوصف كل خصم سياسي بـ”العدو”، ويتشبع بالعداء والانقسامات والمقاطعات الواسعة، يُعد انضمام سيغلوفيتش إلى “القائمة الموحدة” بمثابة نسمة هواء منعشة، بل ويجسد بصيص أمل. هذا دليل على القيادة التي قد تتحدى هيمنة الشك والكراهية التي ترسخت بعد 7 أكتوبر، وتقدم إمكانية للشراكة لا تتطلب التخلي عن الهويات والمطالبة بتغيير الطرف الآخر، بل تؤكد على القاسم المشترك وتقدم نموذجًا رصينًا للتعايش المتسامح.



