عربي ودولي

صحيفة عبرية تدعو “الإسرائيليّين” للإصغاء لأردوغان وهو يوزع الكعك في حفل “الزفاف المركزي”!

أمين عام “الناتو” مارك روته يستقبل الرئيس التركي قبيل قمة “الناتو” في تركيا

“المدارنت”
سيبدأ اليوم، أكبر حدث على الإطلاق، يقام في “القصر الأبيض”، المجمّع الرئاسي الفاخر في أنقرة، الذي افتتحه الرئيس التركي رجب طيب اردوغان،
في العام 2014. وستمثل قمة الناتو التي ستعقد في القصر، الذي قدرت تكلفته في حينه بأكثر من مليار دولار، وتقدر تكلفة صيانته بمئات آلاف الدولارات شهريا- ستمثل ذروة جديدة في المسيرة الرئيس التركي الصاعدة، الذي يبلغ عمره 72 سنة. الشخص الذي بدأ حياته كبائع متجول للبطاقات البريدية والكعك على رصيف الشارع في حي بيوغلو الفقير في إسطنبول، أصبح زعيماً يقود هذه القوة الإقليمية منذ 23 سنة بشكل متتال.

لم يفرح الضيوف المقدرون، بمن فيهم 32 رئيس دولة وحوالي 100 وزير وآلاف المراسلين ورجال الأعمال والسياسيين، من أن القصر الإمبراطوري الذي سيقيمون فيه قد بني بشكل غير قانوني على أرض كان وهبها مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك، الذي كان صاحب تلك المزرعة، للدولة. وكانت هذه الأرض مصنفة كمحمية طبيعية لا يجوز البناء عليها. وعندما أمر مجلس الدولة، أعلى محكمة إدارية في البلاد، بتعليق بناء القصر، كان أردوغان بدأ بالفعل وألحق الضرر بالنظام القضائي في تركيا. “سنرى كيف سيهدمون المبنى”، استهزأ. “لقد أمروا بتعليق البناء، لكنهم لن يستطيعون وقفه. سأفتتحه (القصر) وأعيش فيه”، وعد وأوفى.

 لكن احتلال القصر ليس كاحتلال حلف الناتو. فما زال التحالف، الذي انضمت إليه تركيا في 1952 كدرع واق شرقي في وجه التوسع السوفييتي، وحتى الآن ينظر التحالف إلى الزعيم التركي بعين الريبة. وقد عقب الدكتور علي محمدوف، الباحث في الشؤون التركية وحلف شمال الأطلسي، في مقال نشره هذا الشهر في موقع معهد دراسات الحرب الحديثة في ويست بوينت: “عندما تندلع أزمة يكتشف أعضاء التحالف أهمية تركيا الاستراتيجية. وعندما يزول التهديد يشعرون بالقلق بشأن تركيا وتوجهها السياسي وهويتها وطموحاتها في مراكمة النفوذ.

 لا يخفى على أحد الأمثلة الكثيرة على ذلك، بدءاً من غزو قبرص في 1974، الذي أصبح محور صراع طويل المدى بين تركيا وأوروبا، ورفض السماح للولايات المتحدة باستخدام أراضيها كقاعدة انطلاق لشن الهجوم على العراق في العام 2003، وشراء منظومات الدفاع الروسية “اس 400″، التي رسخت صورة تركيا كتهديد لأمن دول الحلف، وسياستها في سوريا التي تصادمت بسياسة الولايات المتحدة وأوروبا حتى سقوط نظام الأسد، وخلافها مع الاتحاد الأوروبي بشأن قمع حقوق الإنسان، وهي قضية تثير قلق الكونغرس الأمريكي أيضاً.

 من جهة أخرى، ها هي تركيا -التي تربطها علاقة وثيقة مع روسيا وأوكرانيا وإيران والسعودية ودول الخليج، والتي حولت سوريا إلى محمية سياسية وعسكرية وتخوض صراعاً داخلياً عميقاً في ليبيا- تقدم نفسها “كجسر بين الشرق والغرب”، لا بل كدولة حيوية لحل النزاعات الإقليمية. وقد حصل أردوغان بالفعل على ثناء واسع من ترامب على “العمل الممتاز” الذي قام به في سوريا، وقبل ذلك في اتفاقيات إطلاق سراح المخطوفين الإسرائيليين.

 تعدّ تركيا من الدول الرئيسية في دعم حل أزمة غزة، وهي تجري مفاوضات كثيفة بين دول الخليج وإيران بشأن اتفاق ملاحة في الخليج، وتقدم نفسها الآن كذراع أمنية جديدة تحت تصرف الدول الأوروبية في طريقها لتأسيس تحالف عسكري في مواجهة التهديد الروسي، وهو تحالف لا يعتمد على الولايات المتحدة بشكل كامل. وتقدم تركيا أيضاً “تحركاً” من تبعية دول الخليج، التي خاب أملها من سياسة ترامب تجاه إيران، من خلال إضفاء طابع عملي على المبدأ الذي صاغه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، صاحب مصطلح “السيادة على الأمن”. وهذا يعني إقامة محور عسكري – سياسي، عربي وتركي وباكستاني، يمكنه مواجهة التهديدات العسكرية وحده. وفي تركيا أصوات معظمها من اليمين القومي، تطالب أردوغان بالانسحاب من حلف الناتو وصياغة استراتيجية مستقلة بالتعاون مع دول المنطقة.

 ولكن أردوغان يحرص على عدم تبني ما يمكن تقديمه للدول غير الأعضاء في الناتو، الذي هو نفسه يحذر من تبنيه. وما زال أردوغان يعتبر استمرار عضوية تركيا في الحلف عنصراً حيوياً في المعادلة التي تحدد هوية تركيا الاستراتيجية ككيان يمكنه تحقيق الاستقلالية السياسية. ويرى أن قدرة تركيا على فرض الشروط على حلف الناتو، كما ظهر ذلك في فرض شروط انضمام السويد وفنلندا، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقة وثيقة مع روسيا، هي التي تعطيها النفوذ الذي لا تتمتع به أي دولة عضوة أخرى.

 المفارقة أن تركيا، حتى في ظل هذا الإطار “المستقل”، ما زالت تعتمد بشكل كبير على صناعة السلاح الأمريكية. فهي تأمل موافقة الكونغرس الأمريكي على بيعها طائرات “اف35″، وأن يعيدها إلى مشروع تطوير الطائرات الذي أبعدت عنه بعد شراء الصواريخ المضادة للطائرات من روسيا، وتزويدها أيضاً بالمحركات النفاثة المطلوبة لاستكمال برنامج تطوير طائرة الشبح “كان” التركية.

 وتقر دول الناتو بأهمية تركيا العسكرية التي تملك ثاني أكبر جيش في الحلف، وتعتبرها مورداً محتملاً مهماً للمعدات والوسائل القتالية المتقدمة، فضلاً عن الجنود الذين يفترض أن يعززوا قدرة الحلف العسكرية. ولكن في الوقت نفسه، تقارب تركيا من جبهة الصراع في الشرق الأوسط وانخراطها في نزاعات إقليمية يجعلها دولة محاطة بالأخطار، التي قد تجر حلف الناتو إلى ساحات لم تكن في أهدافه الاستراتيجية.

 ديبلوماسي أوروبي، عمل لسنوات في مجال العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي، قال لصحيفة “هآرتس”: “تركيا دولة قوية ومهمة، تضيف ثقلاً كبيراً لقوة الحلف، لكن يجب على الحلف إعادة النظر باستمرار في أهمية هذه الميزة مقارنة مع الأخطار التي قد تشكلها”. وأضاف: “تركيا بالفعل على صلة جيدة بدول المنطقة. ولكن تصعب الإشارة إلى نزاع وطني أو دولي نجحت في حله. حتى الآن، في ظل الحوار المعقد بين أمريكا وإيران حول إنهاء الحرب، يبدو أن دولاً صغيرة نسبياً مثل قطر وباكستان، تتمتع بتأثير أكبر على إيران من تركيا. مشكلة تركيا ربما تكمن في محاولتها المشاركة في كثير من التحالفات”.

 يعتبر الشرق الأوسط محور حفل الزفاف “المركزي” الذي سيسعى أردوغان إلى تسويقه للضيوف. فهو الساحة التي تمكنه من استقطاب ترامب إلى جانبه، الذي يشعر بالاستياء من عدم تعاون دول الحلف بشأن إيران. وقال معلق تركي يكتب في صحيفة موالية للحكومة، لصحيفة “هآرتس”: “إذا لم ترغب دول حلف الناتو في التدخل في شؤون الشرق الأوسط، فإن اردوغان سيوضح لها بأن الشرق الأوسط سيتدخل في شؤونها. لا توجد دولة في حلف الناتو أو خارجه بعيدة عن أحداث الشرق الأوسط. وقد كانت هذه هي الحال عندما اعتقدت دول أوروبا بأن “داعش” لن يغزوها، وأن اللاجئين من الحرب الأهلية في سوريا لن يتدفقوا إلى القارة، وأن المشروع النووي الإيراني مشكلة إسرائيلية، وأن ما يحدث في الخليج الآن مشكلة أمريكية”. وأوضح بأن تركيا ممثلة الشرق الأوسط في حلف الناتو، وهي التي ستحدد أيضاً موقف الحلف من إسرائيل، “التي تبين أنها العامل الرئيسي في إشعال الصراعات، وهي التي تشكل العقبة أمام حلها”. وهذا ليس رأي مراقب ومعلق فقط؛ فقد قال مسؤول رفيع المستوى في حزب “العدالة والتنمية” الحاكم، ومسؤول عن السياسة الخارجية التركية، لـ “هآرتس”، بأن وثيقة تتداولها وزارة الخارجية التركية منذ بضعة أشهر تبين تدهور مكانة إسرائيل الإقليمية وما يمثله ذلك من إمكانيات كامنة لتركيا.

 لا يقتصر الأمر على تدهور العلاقة بين نتنياهو وترامب، واعتراف دول الخليج والدول العربية بشكل عام بأن إسرائيل هي المسؤولة المركزية عن أزمة مضيق هرمز، والمسؤولية عن التغير الاستراتيجي في وضع إيران، والصراعات التي تحدث في سوريا ولبنان. وقال المصدر نفسه: “توصلنا إلى قناعة بأننا لم نعد نتنافس مع إسرائيل على النفوذ في البيت الأبيض، أو دول المنطقة. لقد أصبح وضع إسرائيل كتهديد أمراً واقعاً، والسؤال المطروح الآن هو: كيف ستترجم تركيا هذا الواقع إلى إنجازات سياسية ملموسة. أوصيكم بالاستماع جيداً إلى ما سيقوله أردوغان في قمة الناتو. ستكون خارطة طريق تركيا للسنوات القادمة”.

تسفي برئيل/ “هآرتس” العبرية
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى