صفقة القرن وإرهاصاتها..

//خاص المدرنت//.. كتب المهندس أحمد كرنبي/ لبنان
إن مشروع صفقة القرن، هو في الأساس دراسة جامعية صاغها وناقشها د. محاضر في جامعة “كولومبيا” الأميركية، وهي عبارة عن بحث جدّي يتناول قضية إنماء وتحسين الوضع المعيشي في الارياف، ونقل الاستثمارات والمشاريع الكبرى خارج العواصم والمدن الرئيسية، وبخاصة المناطق الحدودية.
وتم اسقاط المشروع على منطقة فلسطين، متلازماً بعملية سياسية في دراسة نوقشت لاحقا وتم حفظها. ومن ثم سُرق هذا المشروع الذي تبناه جاريد كوشنير، وعمل على تسويقة في مؤتمر البحرين.
يقول الكاتب في جريدة “جلنار” الاردنية د. لؤي ديب تحت عنوان الدجال كوشنير. ادعى كوشنير امام الحضور في مؤتمر البحرين ان الخطة الاقتصادية عمل عليها 850 بروفيسور في الاقتصاد، وشغلنا عقولنا، وبدأنا البحث، واكتشفنا ان المشروع مسروق منه الشقّ الاقتصادي فقط من بحث أكاديمي لجامعة “كولومبيا” في العام 2010، وتم حذف الشقّ السياسي منه. قررنا مراسلة البروفيسور دايفيد.ل. فيليبس وعند سؤاله أجابنا حرفياً:
أصدقائي الأعزاء، لا يوجد أيّ جديد فيما سُمي ورشة عمل/ سلام من خلال الازدهار/ لجاريد كوشنير. ففي يناير 2010 شاركت في اجتماعات project Palestinian interprise الذي درس فرص التنمية الاقتصادية في الاراضي الفلسطينية، الى جانب التعاون بين رجال الاعمال الفلسطينيين والاسرائيليين، مرفق طيّه نسخة عن تقريرنا الذي اقره توني بلير، بالنيابة عن اللجنة الرباعية. نحن لا نشكك في اهمية الوظائف والفرص الاقتصادية، ومع ذلك يجب ان تتم المحادثات حول التنمية الاقتصادية، بالتوازي مع عملية سياسية جدية تعالج الاسباب الجزرية للصراع”. (انتهى حديث دايفيد).
أول من نظر الى مشروع صفقة القرن كان شيمون بيريزفي نهايات القرن الماضي، وهيأ له كل الدراسات والحجج القانونية وضروراتها للمنطقة بكتابه الشهير “الشرق الاوسط الجديد” هذا المشروع الذي لاقى استحساناً عند اغلب مراكز القرار العالمية، وترحيبا ضمنيا عند بعض من يمثل القرار العربي، حيث تمت ملاقاته في مؤتمر القمة العربية الذي انعقد في بيروت عام 2002، وخرج بالموافقة على خطة سلام تحت عنوان “الارض مقابل السلام”.
طبعا بدأ التحضير على امل الوصول الى ساعة الصفر، وملاقاة المشاريع الاقتصادية القادمة الحاملة للانماء والازدهار الى المنطقة، فكان في لبنان رفيق الحريري، وفي العراق اياد علاوي، وفي تركيا اردوغان، وبشار الاسد في سوريا، الذي بادر الى اصلاحات دستورية تطلق يد القطاع الخاص، وأصدر قرارات لتحسين ظروف العمل والانفتاح الاقتصادي على الغرب .
صفقة القرن ما تزال مشروع الشرق الاوسط الجديد، ولكن مع جملة تغييرات، وأصبحت تحت شعار “الازدهار مقابل السلام” وليس “الارض مقابل السلام ، وتغيرت الجغرافيا والانظمة والواقع السياسي في المنطقة، وتبدلت التحديات الاقتصادية.
امريكا التي دمرت العراق وساهمت في تدمير سوريا واليمن، وتطمح الى الحصول على كل امتيازات اعادة البناء، وجدت نفسها مهددة من خلال هجوم اقتصادي كاسح تقوم به الصين، من خلال مشروع “طريق الحرير” الذي يربط الصين مباشرة بخطوط برية وبحرية مع إيران ودول الخليج وسوريا ولبنان، والذي يعرف اليوم باسم “الحزام والطريق”، ويهدف الى ربط الصين بالعالم عبر استثمار مليارات الدولارات في البنى التحتية، على طول الطرقات التي تربطها بالقارات الاوروبية والاسيوية والافريقية والأميركية، ويشمل بناء الموانئ والطرقات السريعة والمطارات وسكك الحديد والمناطق الصناعية والتجارية الضخمة وتمديدات خطوط الغاز والنفط.
وترى الصين ان فوائد هذا المشروع ستشمل اكثر من ستين دولة بمساحة 40 مليون كلم مربع و يطال 4.5 مليار انسان من سكان العالم، و تقدر كلفة المشروع بتريليون دولار.
ويصرح “مركز نيو امريكا فانديشين” في واشنطن، ان طريق الحرير الجديد لا يؤدي فقط الى تنشيط الاقتصاد الصيني فحسب، ولكنه سيساهم في تغيير المشهد الجيو ـ اقتصادي والجيو ـ سياسي للشرق، وهو ما يؤدي بدوره الى تداعيات خطيرة بالنسبة لسياسة الولايات المتحدة الخارجية. فمن هنا لاحظنا ان كل مشاريع صفقة القرن تركزت على المشاريع الكبرى من بناء الموانىء والمطارات والجسور والطرقات السريعة وتمديدات الغاز والنفط، وشبكات طرقات سريعة تربط كل عواصم المنطقة ببعضها، وبناء المدن الصناعية والاسواق التجارية الكبرى. اذا مشروع طريق الحرير هو المحفز الاساسي لمشروع صفقة القرن، او الشرق الاوسط الجديد.
إن مؤتمر الدوحة، كان فاصلا اعلانيا ترويجيا للمشروع، وليس لجس نبض الشارع وانتظار ردة فعل الفلسطينيين على هذا المشروع، الذي لم تبحث به سوى الورقة الاقتصادية، وبناء الجسور والموانىء واستجلاب الإستثمارات الفلسطينية والاجنبية الى قطاع غزة الجديد الحديث، بعد ضم جزء من سيناء اليه وجعله واحة سياحية، ومدخلا بحريا حيويا من خلال مرفأ ومطار العريش. فيما الورقة السياسية بقيت طيّ الكتمان حتى تنضج الفكرة، وتعالج كل المواضيع الخلافية إن حصل توافق .
الورقة السياسية .
ان حالة الضعف في البيئة العربية والاسلامية والانقسام الفلسطيني شجعت الادارة الاميريكة على محاولة تقديم مشروع تسوية يتناسق مع المعايير الاسرائيلية، ومحاولة قطف ثمار حالة العلو التي يشهدها المشروع الصهيوني، في مقابل حالة التردي التي تشهدها الامة العربية، وما تسرب من بنود الصفقة التي لم تنشر رسميا، ولا حتى في الاعلام، هي اقرب الى حزمة افكار كان قد طرحها سابقا رئيس حكومة العدو الاسرائيلي بنيامين نتن ياهو في واشنطن، وتخرج بخلاصة الى ان معالم الصفقة تتلخص في الآتي .
1 – حكم ذاتي للفلسطينيين تحت السيادة الاسرائيلية في الضفة والقطاع، بما يسمى شكليا دولة واسقاط مشروع حلّ الدولتين، واغلاق الباب امام امكانية تحول السلطة الى دولة ذات سيادة .
2 – بقاء القدس الغربية والشرقية بما فيها المسجد الاقصى تحت السيادة الاسرائيلية، واصطناع قدس جديدة للفلسطينيين مركزها حي أبو ديس، مع انسحاب اسرائيلي من بعض الاحياء القريبة من الحي .
3 – لا عودة للاجئين الفلسطينيين، ويتم حلّ قضيتهم من خلال التوطين والتعويضات .
4 – بقاء المستوطنات الاسرائيلية في الضفة الغربية، نحو 190 مستوطنة. وشرعنة البؤر الاستيطانية القائمة، نحو مئة مستوطنة.
5 – لا سيادة للدولة الفلسطينية على الارض، ولا سيطرة على الحدود ولا على المجالين الجوي والبحري.
6 – لن يكون هناك انسحاب اسرائيلي من حدود ما قبل 1967 وستبقى السيادة الاسرائيلية على المستوطنات وما وراء الجدار العنصري العازل، نحو 12% من الضفة، مع طروحات ان تبقى السيادة على كافة مناطق “ج” في الضفة الغربية، اي نحو 60% من مساحتها الاجمالية .
7 – لن يكون للفلسطينيين جيش عسكري، وإنما شرطة تحافظ على الامن الداخلي.
8 – اعتراف العالم اجمع بإسرائيل دولة قومية لليهود، والكيان الفلسطيني دولة قومية للفلسطينيين.
9 – التركيز على السلام الاقتصادي، ومحاولة تقديم الصفقة في صورة عملية تنموية اقتصادية للفلسطينيين والمنطقة.
10 – تطبيع كامل قبل التسوية، من خلال اخذ موافقات من الدول العربية الرئيسية المعنية بالشأن الفلسطيني، وخصوصا مصر والسعودية والاردن على الصفقة، بحيث تتم محاصرة الفلسطينيين، وعزلهم، ونزع ورقة القوة العربية من ايديهم .
11 – حرف بوصلة الصراع، من خلال السعي الى انشاء تحالف اقليمي ـ عربي ـ اسرائيلي ضد ايران من جهة، ويستهدف من جهة اخرى تيارات الاسلام السياسي وحركات وقوى التغيير الثوري في المنطقة، بما يضمن استقرار الانظمة السياسية المتوافقة مع السياسة الاميركية .
خلاصة القول والرأي: إن مؤتمر البحرين كناية عن بالون صوتي انفجر، ولم يلاقي ايّ صدى في المحيط، وأن الصفقة وفق التسريبات المتداولة، تواجه مأزقا حقيقيا بسبب صمود الشعب الفلسطيني وقواه الاسلامية والوطنية الفاعلة، وبسبب تراجع وبرودة البيئة العربية التي لم تقدم اي دعما للصفقة .
كلمة أخيرة: إن القضية الفىسطينية لا تموت، وفيها شبل فلسطيني واحد يطالب بحق العودة. فلسطين لاهلها مهما طال الزمن، والشعب الذي ناضل وصبر سبعون عاماً، يستطيع ان يناضل ويصبر مدى الدهر، ويحصل على حقوقه كاملة .
والجدير بالذكر، الإشارة الى الدول التي شاركت في مؤتمر البحرين، وهي: “مصر، السعودية، البحرين، المغرب، الاردن، الامارات، أميركا والكيان الصهيوني.
وأن الدول التي قاطعت المؤتمر، هي: “لبنان، العراق، سوريا، الكويت، تونس، عُمان وقطر.
وهنا نلفت النظر، الى ان لبنان سيكون احد اهم البلدان المستهدفة بصفقة القرن، لأن العملية لا تستهدف القضية الفلسطينية فحسب، إنما اعادة ترتيب البيئة الاقليمية المحيطة بفلسطين، بما يتوافق مع المصالح الاميركية ـ الصهيونية، بما في ذلك انهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين وقطع الطريق على اي نهضة حضارية وحدوية، بما يعيد توجيه بوصلة الصراع في المنطقة من صراع عربي ـ اسرائيلي الى صراع طائفي ـ عرقي، تقف فيه اسرائيل الى جانب الدول الحليفة لأميركا والسعودية، مقابل ايران وحلفائها في المنطقة، وبالتالي سيدخل لبنان دائرة الاستهداف باعتباره احد بلدان الطوق المطلوب تطويع نظامها السياسي، بما يتوافق مع السياسة الاميركية، أو تحييده عن دائرة الصراع، أو إفقاده فعالية مقاومة الصفقة، وحلّ قضية اللاجئين على ارضه، سواء بتوطينهم او تسهيل هجرتهم .
في الآونة الاخيرة، كثر الحديث عن محاولات أميركية لإدخال لبنان في صفقة القرن، وتتالت زيارات المبعوث الاميركي دايفيد ساترفيلد بين لبنان والكيان الصهيوني ودول اخرى في المنطقة، وكانت قضية استخراج الغاز في المياه الاقليمية اللبنانية في واجهة المحادثات.
وقيل أن مؤتمر البحرين خصّص مبلغ ستة مليارات دولار للبنان، وأن هناك اتصالات أميركية ـ خليجية مع احزاب و مسؤولين لبنانيين، لاستكشاف امكانية تمرير الصفقة، وان المدخل الاقتصادي والمالي يستخدم كورقة ضغط بإتجاهين، حيث انه يمكن ان يساهم في حلحلة الوضع الاقتصادي المتأزم نتيجة الدين العام، والعجز في الميزانية والمشكلات المعيشية المزمنة، مثل الكهرباء وغيرها، وكلها ستجد حلولا من خلال دعم عربي ـ خليجي ـ أميركي، اذا اعطت الاطراف اللبنانية الضوء الاخضر باتجاه الصفقة، واسرائيل ستساعد على ترسيم الحدود البحرية، وتتساهل في استخراج الغاز اللبناني، وستفتح المجال لاستخدام خط انابيب الغاز المزمع انشاءه من اسرائيل الى اوروبا عبر قبرص. وإذا اعترض لبنان على الصفقة، فثمة اشارات بترك منظومة الحكم تغرق في مشكلاتها وأزماتها الاقتصادية، الى ان يتجاوب مع المتطلبات المطلوبة منه .
ونرى ان المطلوب من لبنان اتجاه صفقة القرن نقطتين، الاولى: إيجاد بيئة سياسية موافقة على الصفقة، او على الاقل ليست عثرة في وجه انجاحها او تمريرها، وفي هذا الاطار تطرح المسائل المرتبطة بالتطبيع مع اسرائيل، والتعامل مع سلاح المقاومة الفلسطينية واللبنانية، واخراجه من معادلة الصراع مع العدو الصهيوني، او تحييده، بحيث لا يكون مستقبلا عنصر قلق إسرائيلي. ولان امكانية سحب سلاح حزب الله شبه مستحيلة، وأن عملية نزع السلاح بالقوة العسكرية غير واردة، لا عند الاميركان ولا اسرائيل في الوقت الحالي، لان دونها خسائر كبيرة عسكريا واقتصاديا، فلذلك يفضل الامريكان الاستمرار في الضغوط السياسية والاقتصادية على الدولة اللبنانية، لتحصيل افضل ما يمكن، من دون الدخول في حرب، او التسبب بالوقت في انهيار الحكم في لبنان، ودخوله في الفوضى وابقاء الوضع على حاله .
النقطة الثانية، وهي قضية اللاجئين الفلسطينيين، وتسهيل هجرة البعض منهم واعطاء الجنسية للبعض الاخر،والمقدر عددهم بحوالي مئة الف تقريبا، وتفكيك المخيمات، ونزع اسلحة المنظمات الفلسطينية وبسط سلطة الدولة عليها .
في احصاء اجرته منظمة “الاونروا”، يظهر نتائج الاحصاء الرسمي للاجئين الفلسطينيين، ان عددهم بحدود ١٧٤ الف، مع الادراك ان عدد اللاجئين المسجلين رسميا بلغ ٥٥٠ الفاً، مما يعني ان معظم هذا العدد قد غادر لبنان بشكل مؤقت او دائم، و بقي اسمه مسجلا على لوائح لبنان. وهذه الاحصائية تعطي حلحلة لقضية التجنيس، بحيث تصبح اسهل. والاحصائية تقول انه لو اعطيت الجنسية لأولاد الام اللبنانية المتزوجة من فلسطيني، وتم تجنيس من لم يُجنّس من الفلسطينيين المسيحيين، وتجنيس اصحاب رؤوس الاموال واصحاب الشركات، فإن الرقم قد يصل الى هذا الحدّ تقريبا .
وعليه، فقد اصبحت الشكوك تحوم حول التسوية الحكومية التي ابرمها (الرئيس) سعد الحريري مع (الرئيس ميشال) عون، والشكوك تدور حول تعثر عمل الحكومة في هذا الوقت تحديدا، وخلافات الحريري مع كل حلفائه، علما أن مشكلة الجبل او بنود الموازنة ليست اسباب مقنعة لتعطيل اجتماعات الحكومة، بل هما اسباب تدعوا الى تكثيف الاتصالات والاجتماعات لحلحلة الامور، والمطلوب أميركياً من الحريري، هو ما يعثر عمل الحكومة وهو المحسوب سياسيا على أميركا، التي تسعى الى تمرير الصفقة بأي ثمن، وهو المحسوب عربيا على السعودية، التي تسعى الى تمرير الصفقة، وبناء حلف عسكري مع اسرائيل لمواجهة التمدد الايراني، كما أنه محسوب على شركات النفط التي تسعى للتنقيب واستخراج الغاز والنفط من البحر ويهمه استعمال خط اسرائيل لنقل الغاز الى أوروبا .
سعد ابن رفيق الحريري، أحد ركائز مشروع الشرق الاوسط الجديد، هو اليوم احد المستفيدين من مشروع صفقة القرن، سياسياً ومالياً، وعليه لا نستغرب ارتباطه الوثيق بعون، وفك ارتباطه بـ(رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد) جنبلاط، وخضوعه للاملاءات السعودية والأميركية، وتجاهله التام، وصرف نظره عن الحرب الطائفية المعلنة التي يقودها جبران باسيل، ضدّ السُنة والنازحين السوريين.



