ضد التطبيع أم ضد الكيان؟!

خاص “المدارنت”
ترتفع في أرجاء لبنان والمنطقة، دعوات تحت شعار: “رفض التطبيع” مع دولة الكيان، وعلى الرغم من أهمية هذه الدعوة والإنخراط فيها؛ وعلى الرغم من صدق نوايا المنخرطين فيها والمحرضين عليها؛ إلا أنها تحمل في ذاتها دلالة سلبية؛ توحي بما يمكن أن يحمل شبهة إعتراف ضمني بتلك الدولة، مع الوقوف ضد إقامة علاقات معها تحت ما يسمى التطبيع.
ومع أن حركة المقاطعة للكيان أصبحت عالمية، وتلقى إهتمامًا وتجاوبًا متصاعدًا من قطاعات شعبية متنوعة؛ إلا أنها يجب أن تأخذ معنى مختلفًا مع أبناء الوطن العربي، المهتمين والمعنيين بمستقبل أمتهم وبلادها وصراعها ضد الكيان اللقيط المصطنع..
وإذا كان أي موقف سلبي لأي إنسان غير عربي؛ تجاه دولة “إسرائيل”؛ سواء كان موقفا إعلاميا أو تعبيرا كلاميا عن رفض عدوانها وجرائمها بحق شعب فلسطين العربي، أو كان موقفا عمليا مقاطعا أي شكل من أشكان التعاطي أو التعاون مع أيّ جهة تمثل تلك الدولة المجرمة؛ هو موضع تقديرنا وإحترامنا وعرفاننا؛ فإن الأمر مختلف بالنسبة للإنسان العربي للأسباب التالية:
1/ إن تأسيس دولة الكيان كان مشروعا إستعماريا يستهدف الوجود العربي ذاته: إجهاض أي محاولة لتوحيده أو تنميته أو تحريره من أي إحتلال أجنبي، بمعنى أن الهدف الإستعماري الغربي من إغتصاب فلسطين وتأسيس دولة غريبة مصطنعة على أرضها في قلب الوطن العربي؛ كان ولا يزال تأبيد حالة الضعف والتفكك العربيين، ومنع العرب من التحرر والوحدة والتقدم ومن ثم إبقاء وجماية النهب الإستعماري لمقدرات بلادهم وسلبهم إرادتهم؛ لتبقى مرتهنة لكل شكل من أشكال الهيمنة الخارجة على تنوع وتبدل مصادرها، وهذا يعني بوضوح تام أن دولة الكيان هي عدو وجودي للعرب، لا خيار غير ذلك، وبالتالي، فإن صراعهم ضدها وضد مشروعها التوسعي ليس خلافا سياسيا، ولا خلافا حدوديا، كما ليس تضارب مصالح أيًا تكن تلك المصالح..
فالموقف العربي الحر؛ يجب أن يكون الرفض التام لوجود هذا الكيان من أساسه، لتعود فلسطين حرة إلى شعبها العربي، ومن ثم لتعود جزءًا من أمتها العربية الواحدة عضوا متفاعلا معها متكاملا مصيره من مصيرها..
2/ دولة الكيان دولة مصطنعة ومصنعة تصنيعًا، ومناقضة بطبيعة تكوينها وعناصر تكوينها، وعقلها التلمودي الصهيوني الإستعماري لطبيعة المنطقة، وتاريخها وحضارتها وقيمها، وبالتالي، لا إمكانية لأي تعايش معها أو تبادل أو تعاون من أي نوع، كما ليس السلام أو المسالمة أمرًا ممكنا بطبيعة الحال، وعليه فلا خيار سوى بقاء وسيطرة أحد الوجودين:
– إما وجود عربي توحيدي جامع
– وإما وجود صهيوني عدائي ومعادي مخرب..
3/ دولة الكيان، هي أداة صنعتها القوى الإستعمارية للسيطرة على الوطن العربي، ولم تكن أداة لها إلا لإخضاع وتطويع العرب..
4/ وعلى ضوء الموقف العربي الجذري؛ تتحدد كثير من المواقف العالمية الشعبية المؤيدة لحرية فلسطين، أما الموقف العربي المتردد، فإنه يؤثر سلبيا في مواقف غير العرب، ويدفعهم ربما إلى التردد أو الإحجام أو ضعف المبادرة، والإكتفاء بالتعبير النظري عن الموقف المستنكر لممارسات دولة العدو والإجرام..
لهذه الأسباب جميعا، فإن تعاطي العربي مع هذا الكيان ومشروعه؛ يختلف في المنطلق والغاية عن موقف من هو غير عربي، الذي لا يتعرض لتهديد وجودي من دولة الكيان، حتى وإن كان معارضا لسياساتها العدوانية الآجرامية..
إن الدافع الأساسي لغالبية الرافضين لممارسات دولة الكيان العدوانية، والمدينين لحرب الإبادة الجماعية التي يرتكبها بحق شعب فلسطين؛ هو دافع إنساني تهوله جرائم الحرب الفظيعة وغير المسبوقة التي يرتكبها بنو صهيون ضد فلسطين وشعبها..
حتى لأؤلئك المقاطعين والمنخرطين في حركة المقاطعة العالمية، ومع أن دوافع تحررية أخرى تحرك كثيرين ممن أدركوا طبيعة الدور الإستعماري للكيان، ومهمته في خدمة أهداف نظام الرأسمالية المتوحش المفترس؛ إلا أن أبعاد الصراع بالنسبة للإنسان العربي، تطرح عليه دوافع أكثر شمولا وأعمق أثرا وأكثر إمتدادا، لأنها ترتبط بوجوده ذاته وبمدى تمتعه بإرادة حرة مستقلة؛ تستطيع توظيف إمكانيات بلاده لتطويرها وتقدمها..
إنطلاقا من هذا كله، فإن الموقف العربي الحر السليم، يجب أن يكون: رفض وجود الكيان ذاته، وليس رفض التعامل معه أو تطبيع العلاقات معه..
إن رفض التطبيع شيء؛ ورفض وجود الكيان شيء آخر..
إن رفض وجود الكيان يتضمن حكما رفض التعامل معه، وكل نوع من أنواع التطبيع..
أما رفض التطبيع معه؛ فلا يتضمن بالضرورة رفضا لوجوده ذاته..
وإذا كان حال الضعف العربي الراهن؛ لا يوفر عوامل القوة الذاتية لمواجهة وجود الكيان، فإن التمسك بالموقف العقائدي الملتزم الرافض لوجوده، ينبغي أن يبقى حاضرًا وبقوة في كل خطاب عربي تحرري مقاوم..
أما الإكتفاء برفض التطبيع، من دون ربطه برفض وجود الكيان؛ فإنه موقف منقوص لا يدل على معرفة متكاملة الأبعاد بطبيعة المشروع الصهيوني الإستعمارية..
وعلى كل من يرفض التطبيع والمشروع ذاته، أن يترجم هذا الرفض مواقف يومية عملية، وعلى عاتق الأحزاب والتنظيمات السياسية، تحديد كيفية تحويل هذا الرفض إلى مهمات يومية على مستوى كل مواطن وكل إنسان..
أما الإكتفاء بالإدانة والشجب، فليس إلا نفاقًا أو هروبًا أو تقاعسًا عن العمل المُجدي..



