ليس بالخبز وحده يحيا الفلاح

كتب عمر سعيد/ لبنان
خاص “المدارنت”
في مسرح بيتيما – عيتا الفخار، وبين جدرانه الحجرية، التي نحتتها أكف البنائين، وتحت قناطره التي تذكّرني بآلاف الظهور التي انحنت، لينهض الإنسان في هذه الأرض..
انبعث صوت أميمة الخليل، إلى جوار عود زياد الأحمدية، كما تنبعث مسابك النعناع والبقدونس في حواكير قرانا، التي لا تخاف التقدّم في السن.
كالخاشعة في السَّحَر، وقفت أميمة، وراحت تمرّر كفّها على الميكروفون، كما لو أنها توقظ رضيعًا تكاسل في غفوته.
وبصوت فاض من حنجرتها فيضان الماء عن شفة الجرّة، سالت عربها، وتقافزت فوق حبالها الصوتية تقافز عصافير التين، تطارد الحلاوة من كوز إلى كوز.
وراحت تنشر بكفّها مشاعر الحب، فنبت البابونج على المقاعد، وتحول الجمهور إلى أغصان من صعتر، تتمايل أذرعهم المصفّقة، كما تتمايل أنغامها على خصر الموسيقى التي حرّرها زياد تارة من جوف العود، وطورًا من صدر البيانو.
فأطلّ عصفور، ينادى نونو، واحتار الحضور بين أن يصدّقوا أرواحهم التي أيقظتها أميمة على الحب، وبين أن يكذّبوا واقعًا يغرق في الحرب وقسوة الاقتصاد.
لم تغنِّ أميمة. إنما وقفت في محراب الحب، توضأت بنور الجمال، وفرشت الزوفا سجّادةً لمن أمّتهم، وراحت تصلّي بخشوع الأنقياء الخالدين.
في صوت أميمة كثير من الناس، وفي أغانيها حقول من الطيّون والنرجس والياسمين.
فيه ناس قرانا البسطاء؛ أولئك الذين لا همّ لهم في السياسة والحكم، ولا يريدون من هذه الدنيا أكثر من ماء يروي حبق شبابيكهم، وماء يسقي أشجار الزيزفون والرمان في حدائقهم والكروم، ومصباح زقاق يحمي العائدين من سهرات جيرانهم عثرات الطريق.
في صوتها أولئك الذين لم يتعلموا كثيرًا عن العالم، لكنهم عرفوا كيف يحبونه.
وفي صوتها ريفٌ يعرف أن الحياة ليست خبزًا فقط، وأن الإنسان، حين تضيق به الأيام، يحتاج إلى أغنية كما يحتاج إلى رغيف.
في ريفٍ يقدّم للفن والثقافة بيتيما، مهما كانت الطريق إلى أميمة الخليل بعيدة، يعرف كيف يسلكها إليها.
وقد قَطَرَ في قافلة حجّه إليها عشرات المؤمنين بالجمال؛ أولئك الذين آمنوا بأن ليس بالخبز وحده يحيا الفلاح، بل بقليل من الموسيقى، وقليل من الزهور، وكثير من الحب..
ذلك الحب الذي يحفره الفلاح على جذوع الأشجار أينما جلس.



