ضربة “إسرائيلية” وصمت مُريب!

خاص “المدارنت”
غارة جوية إسرائيلية تستهدف اجتماعًا لكبار قيادات الحوثيين، تودي بحياة رئيس حكومة الحوثيين وعدد من الوزراء وكبار العسكريين. ورغم ضخامة الحادثة وأثرها، تأخر الحوثيون في الإعلان عن مقتل قياداتهم، وهو ما يثير تساؤلات عديدة حول الأسباب والدلالات.
البُعد السياسي والعسكري لهذه الضربة لم تكتفِ باستهداف مواقع عسكرية أو مخازن سلاح، بل انتقلت إلى سياسة اصطياد الرؤوس. هذه الاستراتيجية تحمل دلالة واضحة: تل أبيب لم تعد ترى في الحوثيين مجرد ميليشيا هامشية في اليمن، بل جزءًا عضويًا من محور إيران الممتد من طهران إلى بيروت وغزة وصنعـاء.
الرسالة الاسرائيلية بأن الحوثي ليس بمنأى عن الحرب الإقليمية، وأي تهديد في البحر الأحمر أو هجوم بصواريخ ستكون كلفته باهظة”.
فمسألة تأجيل الحوثيين الاعتراف بمقتل هذه القيادات يطرح أكثر من احتمال لعل منها امتصاص الصدمة الداخلية الضربة طالت شخصيات مركزية في الحكومة الموازية بصنعاء. أي إعلان فوري قد يُظهر الحركة في موقف ضعف وارتباك، وربما يفتح الباب أمام صراعات داخلية على المناصب والقيادة. لذلك فضّل الحوثيون تأخير الإعلان حتى يُعيدوا ترتيب صفوفهم.
ثم تأتي مسألة الحفاظ على معنويات الأنصار الخطاب الحوثي قائم على “القداسة” و”الانتصار المستمر”. الاعتراف السريع بخسارة بهذا الحجم يضرب صورة “الزمن الإلهي” التي يسوقونها لأتباعهم، لذا حاولوا تأخير الصدمة، وصياغة القصة بطريقة تجعل من القتلى “شهداء قضية” بدل أن يظهروا كضحايا ضربة إسرائيلية مباغتة.
التفاوض على الخطاب السياسي الإعلان المتأخر منح الحوثيين فرصة للتنسيق مع طهران وحلفائها على كيفية صياغة الموقف السياسي والإعلامي. فالتوقيت وطريقة النعي لا تقل أهمية عن الحدث نفسه في صراع مبني على الرموز.
فالتداعيات المحتملة قد ينتج عنها تصعيد متبادل فالحوثيون قد يلجؤون إلى تكثيف هجماتهم البحرية والصاروخية للرد، في محاولة لإثبات أنهم ما زالوا قادرين على الفعل رغم الخسارة.
ارتباك في الإدارة الداخلية غياب وجوه سياسية وعسكرية بارزة دفعة واحدة قد يفتح فراغًا قياديًا، ويُظهر هشاشة البنية التنظيمية للحركة، حتى وإن حاولت تغطيتها بخطاب “التضحية والفداء”.
انعكاس إقليمي الضربة قد تُقرب الحوثيين أكثر من إيران وحزب الله، ليس فقط عسكريًا بل حتى في الخطاب السياسي، وهو ما يعزز صورة المحور الإيراني ككتلة واحدة تواجه إسرائيل.

اغتيال قيادات الحوثيين لم يكن مجرد عملية عسكرية معزولة، بل جزء من معادلة أكبر تتعلق بميزان القوى في المنطقة. لكن الأهم من الغارة نفسها هو صمت الحوثيين وتكتمهم، والذي يكشف عن أزمة ثقة داخلية وخوف من اهتزاز صورتهم أمام جمهورهم.
الإعلان المتأخر لم يُخفِ الحقيقة بقدر ما فضح مأزقهم: بين خسارة الكوادر القيادية وبين ضرورة إظهار التماسك، وجد الحوثيون أنفسهم مضطرين لاختيار “الوقت المناسب” للكشف عن موتهم، في مشهد يعكس هشاشة داخلية أكثر مما يعكس قوة.



