ضم “إسرائيل” للضفة الغربية تهديد وجودي للأردن أخطر من إيران!
“المدارنت”
نشرت مجلة “فورين بوليسي” مقالا للبرفسور شون يوم، المحاضر في جامعة تيمبل، قال فيه إن الأردن يرى أن التهديد الأكبر لأمنه هو إسرائيل وليس إيران، فالضم الزاحف الى الضفة الغربية، يمثل تهديدا وجوديا عليه.
ففي أثناء الحرب الأمريكية ضد إيران أطلقت الأخيرة حوالي 300 مسيرة وصاروخ استهدفت فيها، وبشكل كبير، القوات الأمريكية في بلد لم يسع أبدا للمواجهة مع طهران. وبعد الهجوم في تموز/يوليو الذي قتل فيه ثلاثة جنود أمريكيين، ظهرت عريضة مثيرة للجدل وقع عليها أكثر من 100 ناشط تطالب بخروج القوات الأمريكية.
وكما هو متوقع، تصاعد القلق الغربي بشأن بقاء البلاد، حيث تساءلت تعليقات عما إذا كانت الاضطرابات الشعبية ستضعف النظام الملكي الحاكم الذي لطالما كان أحد أقرب الشركاء الاستراتيجيين لواشنطن في الشرق الأوسط.
ومع ذلك كشفت محادثات أخيرة للكاتب مع مسؤولين وصحافيين ومعلقين أردنيين عن قلق مختلف تماما. صحيح أن إحباطهم من الحرب الإيرانية حقيقي، لكنه يتضاءل أمام شعورهم بالخوف الوجودي إزاء تسارع إسرائيل في ضمّ الضفة الغربية (المحتلة).
ويفترض الأردنيون أنه إذا أعلنت إسرائيل سيادتها الكاملة أو الجزئية على الأراضي الفلسطينية، فسيجبر العديد من الفلسطينيين على الانتقال إلى الأردن. وهذا من شأنه أن يضع ضغطا غير مسبوق على الانقسامات الديموغرافية والسياسية في البلاد، مما قد يدمر الاستقرار الذي يجعلها حليفا حيويا للاقتصاد الأمريكي. ويصف الأردنيون هذا الوضع بـ”الوطن البديل”، في إشارة إلى الادعاء الإسرائيلي بأن الأردن يجب أن يكون وطنا فلسطينيا.
وأضاف أنه في حالة مضت إسرائيل في ضم الأراضي، فإن نهجها سيحدد تأثير ذلك على الأردن، فقد قسمت اتفاقيات أوسلو الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق إدارية، يقطن معظم الفلسطينيين، البالغ عددهم ثلاثة ملايين نسمة، في المنطقتين (أ) و(ب)، اللتين تضمان مدنا رئيسية وتخضعان لدرجات متفاوتة من سيطرة السلطة الفلسطينية. أما المنطقة (ج) الأكبر، فتضم ما يقارب ثلثي مساحة الضفة الغربية، ويقطنها نحو 250 ألف فلسطيني، وهي تحت سيطرة إسرائيل، وتشهد حاليا أكبر مشاريعها الاستيطانية.
ويتضمن مخطط الضم الأكثر تطرفا ضم إسرائيل للمناطق (أ) و(ب) و(ج) في آن واحد، وهو ما سيؤدي إلى حل السلطة الفلسطينية فورا وتدبير عملية تهجير جماعي واسعة النطاق للسكان إلى الأردن. أما المقترح الأقل حدة، فيتضمن ضم المنطقة (ج) فقط، بالإضافة إلى القدس الشرقية. وقد يبقي هذا المقترح السلطة الفلسطينية كإدارة هامشية، ولكنه سيمكن إسرائيل مستقبلا من التوغل في مدن مثل الخليل ونابلس في المنطقتين (أ) و(ب)، ما سيدفع الفلسطينيين إلى العيش في جيوب مكتظة وغير صالحة للسكن. ومن هناك، سيواجه الكثيرون ضغوطا للهجرة إلى الأردن.
وبالتالي، فإن العدد الدقيق للاجئين الفلسطينيين الذين سينتقلون شرقا يعتمد على المناطق التي سيتم ضمها من الضفة الغربية والظروف المعيشية في الجيوب الفلسطينية وقوة القوة العسكرية المستخدمة.
وكما قال أحد الاستراتيجيين الأردنيين، حتى في أفضل السيناريوهات، من المتوقع أن يؤدي ضم المنطقة (ج) إلى وصول ما يصل إلى 500 ألف فلسطيني إلى المملكة، وقد يؤدي تنفيذ خطة شاملة إلى إرسال أعداد أكبر بكثير.
وأضاف الباحث أن الأردن واجه منذ بداية الألفية تداعيات العنف الجهادي وتدفق اللاجئين الناجمة عن حرب العراق والحرب الأهلية السورية. وشهدت البلاد ثورات الربيع العربي التي أشعلت فتيل عقد من الاحتجاجات على البطالة والفساد.
وقبل خمس سنوات، استهدفت مؤامرات انقلابية داخل القصر الملك عبد الله الثاني، وتفاقم انعدام الأمن على الحدود مع سوريا، والذي تفاقم بسبب عنف تهريب المخدرات، منذ سقوط “الطاغية المخلوع بشار) الأسد.
ومع ذلك لا يزال الأردن صامدا، فبدعم من قوات عسكرية وأمنية قوية، تدير القيادة الملكية ببراعة التوترات العامة من خلال الموازنة بين قمع معتدل وإصلاحات مستمرة تعد بمزيد من الديمقراطية والازدهار. وهذا ما يجعل المملكة حصنا مثاليا للمصالح الأمريكية. ويستضيف الأردن قوات أمريكية في اثنتي عشرة قاعدة، مما يجعله مركزا لوجستيا رئيسيا للقيادة المركزية الأمريكية. ولا تتلقى أي دولة أخرى في الشرق الأوسط، باستثناء إسرائيل، هذا القدر من المساعدات الخارجية الأمريكية، حيث من المقرر أن تحصل عمّان على أكثر من ملياري دولار من المساعدات الاقتصادية والأمنية هذا العام.
وقال الكاتب إن الحرب في غزة والتقدم الإسرائيلي الأخير في لبنان وسوريا قد زادا من المخاوف من الضم. ووصلت العلاقات الثنائية إلى أدنى مستوياتها منذ ما قبل معاهدة السلام الموقعة في عام 1994 برعاية أمريكية.
ورغم استمرار التعاون العسكري تحت إشراف الولايات المتحدة، فقد ساعد الأردن في اعتراض صواريخ إيرانية متجهة إلى إسرائيل فوق مجاله الجوي في نيسان/أبريل 2024 وحزيران/يونيو 2025. لكن البلدين سحبا سفيريهما وألغيا اتفاقيات الطاقة والمياه. وأعلن الملك عبد الله، الذي يحكم منذ عام 1999، أن الضم خط أحمر بالنسبة للأردن. وقد ألمح المخططون الأردنيون علنا إلى أن عمان سترد بإلغاء اتفاقية السلام واتخاذ “إجراءات جذرية” أخرى.
وأشار الكاتب إلى أن التركيبة السكانية في الأردن والعلاقات بين الأردنيين الأصليين والفلسطينيين، والتي تأثرت بأحداث القرن الماضي، وبخاصة أحداث أيلول الأسود عام 1970، زرعت بذور انعدام ثقة عميق. ومنذ ذلك الحين، ساد نظام عرقي هش ولكنه راسخ: إذ تهيمن القبائل الأردنية الشرقية على الدولة والجيش بصفتها وكيلة للتاج، بينما يساهم الأردنيون الفلسطينيون في دفع عجلة الاقتصاد، لكنهم يفتقرون إلى الصوت السياسي.
وظلت الملكية الهاشمية ولأجيال تدافع عن قيام دولة فلسطينية لأنها كانت بمثابة صمام أمان يخفف من حدة التوترات الداخلية. واعتقد القوميون في شرق الأردن أن قيام دولة فلسطينية سيشجع الفلسطينيين الأردنيين على العودة.
وبالنسبة للفلسطينيين الأردنيين، مثلت قضية تقرير المصير الفلسطيني مركزا للتضامن يعوض تهميشهم السياسي في الأردن. وهكذا، ساهمت جهود مقاومة إسرائيل في رأب الصدع الاجتماعي الهش من خلال عدو مشترك. في الواقع، شهد الأردن بعضا من أكبر الاحتجاجات المناهضة لإسرائيل بين الدول العربية خلال حرب غزة. وإلى جانب تأثر العلاقات بين الأردنيين والفلسطينيين بسبب الضم، ستتأثر الحياة السياسية الأردنية سلبا من جوانب أخرى أيضا.
كما أن استيعاب الوافدين الجدد سيشكل ضغطا هائلا على اقتصاد منهك يعاني أصلا من دين عام يبلغ نحو 83%، ونسبة فقر تصل إلى 24%، وبطالة بين الشباب تصل إلى 45%. كما ستفقد الملكية سيادتها على المواقع الإسلامية والمسيحية في القدس الشرقية، التي كانت تعزز شرعيتها. إضافة إلى كل هذا، سيواجه الأردن تداعيات سياسية أخرى، من مظاهرات شعبية في الشوارع إلى جماعات مسلحة تُخطط لشن هجمات ضد إسرائيل.
وباختصار، سيؤدي ضم إسرائيل للضفة الغربية إلى ما لم تفعله الحرب الإيرانية وانعدام الأمن على الحدود السورية والعنف الجهادي: تقويض الركائز الديموغرافية والسياسية والمالية للاستقرار الأردني.
ومع أن القيادة الأردنية لديها خطة أمنية محكمة للتعامل مع ضم الضفة الغربية، حيث سيقوم الأردن بإلغاء معاهدة السلام لعام 1994 وقطع جميع العلاقات الرسمية مع إسرائيل وإغلاق المعابر البرية مثل جسر الملك حسين وتفعيل الجيش على طول الحدود لمنع التوغلات الجماعية ومناشدة الولايات المتحدة للتدخل، على الأرجح من خلال التهديد بإلغاء امتيازات قواعدها العسكرية.
وربما لن يكون هذا كافيا للتخفيف من التداعيات. فمن جهة، سيواجه الأردن صعوبة في تنفيذ تهديداته بإغلاق القواعد الأمريكية في الوقت الذي يحتاج فيه إلى مساعدة ضخمة من واشنطن للتعامل مع تدفق اللاجئين. ومن المرجح أيضا أن تكون إجراءات أمن الحدود غير كافية، فقد منعت مصر تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة المجاور، نظرا لأن حدودها المشتركة التي تمتد لثمانية أميال مسطحة ومؤمنة أمنيا. كما أن صحراء شبه جزيرة سيناء، التي يبلغ عرضها 130 ميلا، تزيد من عزلة القاهرة عن تلك الحدود.
وفي المقابل، يشترك الأردن مع الضفة الغربية في حدود وعرة تمتد لستين ميلا وتتكون من وديان وتلال ومجاري أنهار، ولا يستطيع جيشه الأصغر حجما إحكام إغلاقها. ولا يفصل تلك الحدود عن ضواحي عمان، حيث يقيم ما يقرب من نصف سكان البلاد، سوى 20 ميلا.
وحتى وقت قريب، افترضت القيادة الأردنية أن إسرائيل لن تضم الضفة الغربية نظرا للتكاليف السياسية والاستراتيجية. أما الآن، فيعتقد كثير من الأردنيين أن هذه القيود تتلاشى.
أولا، الحاجة الاستراتيجية إلى استقرار الأردن، التي كانت تشكل أساس عقيدة الأمن القومي الإسرائيلي. فقد كانت المملكة تقليديا بمثابة الدولة العازلة لإسرائيل، والتي حمت، تحت مظلة أمنية أمريكية مشتركة، أطول حدود برية لإسرائيل عن بقية الشرق الأوسط. بل إن البلدين كانا ينسقان بانتظام بشأن القضايا الأمنية حتى قبل معاهدة السلام عام 1994.
وقد مكن وجود جبهة شرقية مستقرة إسرائيل من مواجهة تهديدات إقليمية أكبر. لكن تلك التهديدات قد تلاشت، فحماس لم تعد كما كانت وقضى الجيش الإسرائيلي على حزب الله، ويشن الآن حربا شاملة في جنوب لبنان. وفي سوريا، سقط نظام الأسد، وإسرائيل تقصف أهدافا دون رادع. أما العراق فغارق في الطائفية وإيران لا تزال غارقة في صراع خاسر مع الولايات المتحدة، ولا تزال تفتقر إلى الأسلحة النووية.
وأدت اتفاقيات إبراهيم لعام 2020 إلى تطبيع العلاقات الإسرائيلية مع أربع دول عربية، ويعتقد المتفائلون أن اتفاق سلام سعودي بعيد المنال لا يزال ممكنا.
وفي ظل نظام إقليمي جديد يتميز بالهيمنة الإسرائيلية القسرية، بات استقرار الأردن أقل أهمية من الناحية الاستراتيجية.
ولطالما جادلت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بأن انهيار المملكة سيكون مكلفا. لكن نظراء هؤلاء القادة المدنيين أشاروا إلى أن إسرائيل تستطيع تأمين نفسها بإجراءات دفاعية شاملة، مثل عسكرة الحدود واحتلال غور الأردن المشترك بشكل استباقي. وبالنسبة لأنصار الضم الإسرائيليين، فإن استعادة “يهودا والسامرة” التوراتية، وهو حلم خلاصي متجذر في العهد الإلهي لا في الحسابات الجيوسياسية، يبرر التضحية بالأردن.
ثانيا، داخل السياسة الإسرائيلية، تحولت الدعوات إلى الضم بشكل جذري من الصهيونية اليمينية المتطرفة التي يروج لها مستوطنو الضفة الغربية المحتلة إلى التيار السياسي السائد. لقد تجاوز الرأي العام الإسرائيلي منذ فترة طويلة حل الدولتين. الآن، وكما هو الحال مع حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو اليمينية، فإن معظم الأحزاب الأخرى، بما في ذلك بعض الأحزاب المتوقع فوزها في الانتخابات العامة في تشرين الأول/أكتوبر، تؤيد شكلا من أشكال الضم.
وفي الواقع، يراقب الأردنيون بقلق كيف تسارعت وتيرة الضم بفعل أدوات أخرى من أدوات قوة الدولة الإسرائيلية. في العام الماضي، أقر الكنيست بأغلبية ساحقة اقتراحا رمزيا لفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية. ويدعو مسؤولون بارزون، من وزير الأمن القومي إلى الحاخام الأكبر، إلى تطهير غزة عرقيا وتوجيه أنظار إسرائيل شرقا.
وفي الضفة الغربية هذا العام، تصاعدت عمليات التهجير القسري للفلسطينيين وبناء المستوطنات غير القانونية في المنطقتين (ب) و(ج)، مدعومة بفرض غير مسبوق لقوانين مدنية وقانونية إسرائيلية لتسهيل الاستيلاء على الأراضي.
وما يثير قلق الأردنيين بشكل خاص هو ما ينظر إليه على أنه إفلات من العقاب للتوسع الإسرائيلي في مواجهة الضغوط الخارجية. فالمجتمع الدولي يعتبر الضم غير قانوني بشكل صارخ، رغم أن دولا عدة شعرت بهذا تجاه سلوك إسرائيل في حربها مع حماس في غزة، ولم يكن لهذا تأثير يذكر على مسار الحرب.
وتظل الجهة الوحيدة القادرة على منع الضم هي واشنطن، إلا أن عمان لم تنس أن إدارة بايدن ساهمت في تمويل حرب غزة. وفي العام الماضي، ضغط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صراحة على الملك عبد الله لقبول اللاجئين الفلسطينيين من غزة. في بادرة إيجابية، يعارض ترامب الآن علنا ضم إسرائيل للضفة الغربية. لكن الأردنيين يخشون أنه إذا اضطرت واشنطن للاختيار، فستنحاز إلى إسرائيل على حساب المملكة الأردنية الهاشمية.
لكل هذا، فوضع الأردن هو التأهب الأقصى وقبل وقت طويل من مقتل جنود أمريكيين جراء غارات إيرانية. وكما قال صحافي أردني ساخرا في عمان: “اسألوا أهل غزة عن مدى نجاح أملهم في ضبط النفس الإسرائيلي”، ثم “اسألوا بقية العالم عن مدى نجاح التزام ترامب بوعوده”.
وعليه يرى الباحث أنه من الأجدر بالمعلقين الأمريكيين الذين يدافعون عن الأردن كواحة استقرار أو يحذرون من التهديد الإيراني الذي يواجهه، أن يعترفوا أيضا بالتهديد الذي يركز عليه الأردنيون أنفسهم.



