مقالات
عـمــــر الإنـســـان فـــي بـلـــــدي!
خاص “المدارنت”..
بادئ ذي بدء أقول: في لحظات معينة من حياتنا، وبعد بلوغنا هذه المرحلة العمرية من حياتنا (مرحلة بداية الشيخوخة) والتي تعتبر (أولى علاماتها أن يتحول الإنسان فيها من إنسان يحلم إلى إنسان يتذكر…) كما يقول الطبيب والكاتب المسرحي والقصصي الروسي والذي يعتبر في مقدمة رواد القصة القصيرة على مدى التاريخ/ أنطوان تشيخوف.
في هكذا مرحلة وهكذا لحظات… كم نحن في أمس الحاجة إلى النبش في ذكرياتنا القديمة الجميلة على قلّتها، وذلك كي تخفف عنا نفسيا ولو بجزء بسيط من رتابة الحياة اليومية حتى ولو كانت تلك الرتابة سعيدة فما البال إذا كانت قاسية وصعبة يندب فيها الإنسان حظه..كما هو حالنا في هذا البلد..والتي تعتبر حياتنا فيه مرحلة عمرية واحدة (مرحلة الشيخوخة) إن لم تكن فيزيولوجية فهي أكيد نفسية نفسانية..
إن العمر الحقيقي للإنسان لا يقاس بالشهور والسنين والعقود, إنما يقاس بمدى الإنجازات التي حققها ذلك الإنسان في فترة وجوده على هذه الحياة.. فكم من أناس عاشوا عقودا طويلة حتى وصلوا إلى اراذل العمر لكنهم لم ينجزوا شيئا يذكر لا في حياتهم ولا بعد مماتهم, وهم الغالبية العظمى…
وكم من أناس عاشوا فترات زمنية قصيرة قد لا تتعدى العقدين أو الثلاثة, لكنهم خلالها أنجزوا الشيء الكثير الذي خلدهم بعد مماتهم, ليس في محيطهم فقط, بل خارجه وقد يتعدى ذلك ويشمل العالم بأجمعه..
إن عمر الإنسان ينقسم إلى مرحلتين: الأولى: مرحلة الإعداد والتأسيس والتخطيط للمستقبل… الثانية: مرحلة الحصاد للمرحلة الأولى، وذلك عندما يصل الإنسان إلى سنّ محدد من عمره وهو يعد ويؤسس ويخطط للمستقبل, والتي لا تتجاوز العقد الرابع من عمره في الظروف الطبيعية طبعا, يدخل في مرحلة الحصاد لكل ذلك، ويبدأ في جني ثمار ذلك وهو مستقر ماديا ومعنويا، ويتفرغ وقتئذ للإبداع.. وهو ضامنا مقومات حياته اليومية الوجودية…
تلك المرحلة الأولى، التي لا يمكن لها بأن تكون وتنجح وتؤتي أكلها ونتائجها الخيرة إلا في إطار مجتمع مستقر وآمن تحكمه دولة مؤسساتية تعبر عنه وتلبي كامل متطلباته الحياتية, بحيث أن الإنسان الفرد لا يمكن له بأن يتعدى المرحلة الأولى من عمره، إلا بمساعدة ومساندة تلك الدولة التي توفر له كل الفرص والإمكانيات المتاحة، لكي يتعدى تلك المرحلة العمرية من عمره “المرحلة الأولى”, وتكون المفاضلة بين أفراد المجتمع قائمة على أساس قاعدة التميز في القدرة والكفاءة ووفقا لها, وليس على أساس قاعدة التمييز.. مهما كانت القدرة والكفاءة…
أما في تلك المجتمعات غير المستقرة وغير الآمنة، والتي تنعدم فيها تلك الدولة.. وتكون المفاضلة فيها قائمة على أساس قاعدة التمييز.. لا التميز والتمايز.., ولا يوجد فيها أي إعتبار للإنسان الفرد فيها, حقوقا مقدسة, فإنني أستطيع القول بأن عمر الإنسان فيها لا تنطبق عليه تلك المراحل…
فهو يقضي جلّ حياته في مرحلة واحدة فقط, تلك المرحلة هي مرحلة التيه والضياع والتخبط هنا وهناك, مرحلة عدم الإستقرار وعدم الأمن, سواء كان ذلك الإستقرار والأمن ماديا أو معنويا.. فهو غير مستقر وغير آمن، لا في دخلة ولا في كل ما يتصل به ويتعلق وفي حياته على وجه العموم… فهو يجد نفسه وفي ظل غياب تلك الدولة.. يقضي جل حياته اليومية والشهرية والسنوية والعقديه، باحثا عما يسدّ به رمقه ورمق أفراد عائلته وأسرته, مهما بلغ مستواه العلمي أو الوظيفي اللهم إلا إذا كان!, يعاني من مشكلة إيجار البيت ومصاريف التعليم ومستلزمات الصحة وكل ما يتصل بحياته ويتعلق بها…
وذلك لأن الدخل الوظيفي له, طبعا إن وجد ذلك ولم يتم حرمانه منه..!, لا يكفيه لحاجات وحاجيات السكن, من إيجار وماء وكهرباء, فما باله بالأشياء الأخرى الضرورية في حياته… هكذا إنسان وفي هكذا مجتمع وتحت سيطرة هكذا دولة.. لا يستطيع أن يفكر حتى مجرد تفكير أو حتى يحلم مجرد حلم في أن يعد ويؤسس ويخطط للمستقبل, فهو لا يملك ولا يمتلك حاضره فكيف بمستقبله..
ذلك الإنسان.. يتعدى من سنه العقد الخامس أو السادس أو السابع, طبعا إذا وصل إلى ذلك ولم يقضي حياته موتا أو.. أو.. أو.. ! قبل أن يصل إلى تلك العقود, وهو على هذه الحالة, لا يشعر بأنه عاش يوما أو حتى لحظة منها وهو مستقر وآمن, بل الأعجب من ذلك والعجب العجيب والعجاب من كل ذلك, أن تجده وقد بلغ من العمر العقد الخامس أو السادس أو السابع مازال يشعر ويحس بأن حياته لم تبدأ بعد,وبأن المستقبل ما يزال أمامه, منتظرا تلك اللحظة التاريخية التي سيأتي فيها ذلك المستقبل..! فجأة ومن دون سابق إنذار وفي غفلة من الزمن، وهو على هذه الحالة.. يجد نفسه قد فارق الحياة مخلفا كمًا هائلا من المآسي والأحزان والآلام والأوجاع والآهات والتأوهات, وكمًا هائلا من الديون والمستحقات عليه, وكمًا هائلا من أفراد أسرة لا يجدون من يعيلهم أو يرعاهم ومصيرهم مجهولا مجهولا مجهولا… هكذا إنسان، يكون صيدا سهلا لكل عمل شنيع بيد أي شخص أو جهة أو فئة…
هكذا إنسان لا يمكن له بأن يشعر بأن له وطنا وبأن يضحي في سبيله, بل ممكن أن يبيعه في أقرب سوق نخاسة لبيع الأوطان.. ولأول مشتري مهما كان الثمن بخسا.. هكذا مجتمع يكون مرتعا خصبا وبيئة خصبة لكل أنواع التطرف والإرهاب والكراهية ولكل عمل غير إنساني.. إلخ، أمام، وإزاء، وحيال،هكذا مأساة فظيعة للإنسان في بلدنا, ومن ينكر ذلك أو يتنكر لذلك أو يحاول تبرير ذلك فهو, عفوا لا أستطيع وصفه من هول وفظاعة كل ذلك, ألا يحق لنا بأن نحلم بدولة تضمن لنا حاضرنا ومستقبلنا وحاضر ومستقبل أبنائنا وأحفادنا وتمنع عنا وعنهم هذا الحاضر الفظيع وذلك المستقل الضائع..؟!.
أم أن ذلك الحلم محرّم وممنوع علينا, بل أن السؤال الجوهرى الذي يفرض نفسه هنا، ويطرح نفسه: ألَم نصل بعد إلا مرحلة ردة الفعل جراء وتجاه الفعل..؟!، أم أنه ما يزال أمامنا الوقت الطويل والمآسي العظام لكي نقوم بردة الفعل تلك…!
قلت لأستاذي ومعلمي وأخي وصديقي وزميلي، وقد شارف عقد عمره السادس على الإنتهاء, لماذا لا تكتب مذكراتك؟ ردّ عليّ بنبرة صوتية وجدانية آهاتية آلامية حسراتية وأوجاعية، زادت من آهاتي وآلامي وأوجاعي وحسراتي, حتى إنني إلى الآن لم أستطع نسيان تلك اللحظة وذلك الصوت، قائلا:
“كيف تريدني وتريد لي أن أكتب مذكراتي وأنا لم أعش بعد؟!”… هذه هي خلاصة حياة وعمر الإنسان في بلدي! فهل هي كذلك في بلدانكم؟ ذرفت عيناي دمعا وتمالكت نفسي من أن أجهش بكاء وعويلا… وأنا أخط هذه الكلمات.. ولكي لا يسمعني اولادي المجاورين لي في الغرفة المجاورة.
قال شاعرنا (اليمني) الضرير عبد الله البردوني (رحمة الله عليه) في وصف حالنا:
“مـواطـن بــلا وطـن لأنّــه مــن الـيـمن
تــبـاع أرض شـعـبه وتـشـترى بــلا ثـمن
بادئ ذي بدء أقول: في لحظات معينة من حياتنا، وبعد بلوغنا هذه المرحلة العمرية من حياتنا (مرحلة بداية الشيخوخة) والتي تعتبر (أولى علاماتها أن يتحول الإنسان فيها من إنسان يحلم إلى إنسان يتذكر…) كما يقول الطبيب والكاتب المسرحي والقصصي الروسي والذي يعتبر في مقدمة رواد القصة القصيرة على مدى التاريخ/ أنطوان تشيخوف.
في هكذا مرحلة وهكذا لحظات… كم نحن في أمس الحاجة إلى النبش في ذكرياتنا القديمة الجميلة على قلّتها، وذلك كي تخفف عنا نفسيا ولو بجزء بسيط من رتابة الحياة اليومية حتى ولو كانت تلك الرتابة سعيدة فما البال إذا كانت قاسية وصعبة يندب فيها الإنسان حظه..كما هو حالنا في هذا البلد..والتي تعتبر حياتنا فيه مرحلة عمرية واحدة (مرحلة الشيخوخة) إن لم تكن فيزيولوجية فهي أكيد نفسية نفسانية..
إن العمر الحقيقي للإنسان لا يقاس بالشهور والسنين والعقود, إنما يقاس بمدى الإنجازات التي حققها ذلك الإنسان في فترة وجوده على هذه الحياة.. فكم من أناس عاشوا عقودا طويلة حتى وصلوا إلى اراذل العمر لكنهم لم ينجزوا شيئا يذكر لا في حياتهم ولا بعد مماتهم, وهم الغالبية العظمى…
وكم من أناس عاشوا فترات زمنية قصيرة قد لا تتعدى العقدين أو الثلاثة, لكنهم خلالها أنجزوا الشيء الكثير الذي خلدهم بعد مماتهم, ليس في محيطهم فقط, بل خارجه وقد يتعدى ذلك ويشمل العالم بأجمعه..
إن عمر الإنسان ينقسم إلى مرحلتين: الأولى: مرحلة الإعداد والتأسيس والتخطيط للمستقبل… الثانية: مرحلة الحصاد للمرحلة الأولى، وذلك عندما يصل الإنسان إلى سنّ محدد من عمره وهو يعد ويؤسس ويخطط للمستقبل, والتي لا تتجاوز العقد الرابع من عمره في الظروف الطبيعية طبعا, يدخل في مرحلة الحصاد لكل ذلك، ويبدأ في جني ثمار ذلك وهو مستقر ماديا ومعنويا، ويتفرغ وقتئذ للإبداع.. وهو ضامنا مقومات حياته اليومية الوجودية…
تلك المرحلة الأولى، التي لا يمكن لها بأن تكون وتنجح وتؤتي أكلها ونتائجها الخيرة إلا في إطار مجتمع مستقر وآمن تحكمه دولة مؤسساتية تعبر عنه وتلبي كامل متطلباته الحياتية, بحيث أن الإنسان الفرد لا يمكن له بأن يتعدى المرحلة الأولى من عمره، إلا بمساعدة ومساندة تلك الدولة التي توفر له كل الفرص والإمكانيات المتاحة، لكي يتعدى تلك المرحلة العمرية من عمره “المرحلة الأولى”, وتكون المفاضلة بين أفراد المجتمع قائمة على أساس قاعدة التميز في القدرة والكفاءة ووفقا لها, وليس على أساس قاعدة التمييز.. مهما كانت القدرة والكفاءة…
أما في تلك المجتمعات غير المستقرة وغير الآمنة، والتي تنعدم فيها تلك الدولة.. وتكون المفاضلة فيها قائمة على أساس قاعدة التمييز.. لا التميز والتمايز.., ولا يوجد فيها أي إعتبار للإنسان الفرد فيها, حقوقا مقدسة, فإنني أستطيع القول بأن عمر الإنسان فيها لا تنطبق عليه تلك المراحل…
فهو يقضي جلّ حياته في مرحلة واحدة فقط, تلك المرحلة هي مرحلة التيه والضياع والتخبط هنا وهناك, مرحلة عدم الإستقرار وعدم الأمن, سواء كان ذلك الإستقرار والأمن ماديا أو معنويا.. فهو غير مستقر وغير آمن، لا في دخلة ولا في كل ما يتصل به ويتعلق وفي حياته على وجه العموم… فهو يجد نفسه وفي ظل غياب تلك الدولة.. يقضي جل حياته اليومية والشهرية والسنوية والعقديه، باحثا عما يسدّ به رمقه ورمق أفراد عائلته وأسرته, مهما بلغ مستواه العلمي أو الوظيفي اللهم إلا إذا كان!, يعاني من مشكلة إيجار البيت ومصاريف التعليم ومستلزمات الصحة وكل ما يتصل بحياته ويتعلق بها…
وذلك لأن الدخل الوظيفي له, طبعا إن وجد ذلك ولم يتم حرمانه منه..!, لا يكفيه لحاجات وحاجيات السكن, من إيجار وماء وكهرباء, فما باله بالأشياء الأخرى الضرورية في حياته… هكذا إنسان وفي هكذا مجتمع وتحت سيطرة هكذا دولة.. لا يستطيع أن يفكر حتى مجرد تفكير أو حتى يحلم مجرد حلم في أن يعد ويؤسس ويخطط للمستقبل, فهو لا يملك ولا يمتلك حاضره فكيف بمستقبله..
ذلك الإنسان.. يتعدى من سنه العقد الخامس أو السادس أو السابع, طبعا إذا وصل إلى ذلك ولم يقضي حياته موتا أو.. أو.. أو.. ! قبل أن يصل إلى تلك العقود, وهو على هذه الحالة, لا يشعر بأنه عاش يوما أو حتى لحظة منها وهو مستقر وآمن, بل الأعجب من ذلك والعجب العجيب والعجاب من كل ذلك, أن تجده وقد بلغ من العمر العقد الخامس أو السادس أو السابع مازال يشعر ويحس بأن حياته لم تبدأ بعد,وبأن المستقبل ما يزال أمامه, منتظرا تلك اللحظة التاريخية التي سيأتي فيها ذلك المستقبل..! فجأة ومن دون سابق إنذار وفي غفلة من الزمن، وهو على هذه الحالة.. يجد نفسه قد فارق الحياة مخلفا كمًا هائلا من المآسي والأحزان والآلام والأوجاع والآهات والتأوهات, وكمًا هائلا من الديون والمستحقات عليه, وكمًا هائلا من أفراد أسرة لا يجدون من يعيلهم أو يرعاهم ومصيرهم مجهولا مجهولا مجهولا… هكذا إنسان، يكون صيدا سهلا لكل عمل شنيع بيد أي شخص أو جهة أو فئة…
هكذا إنسان لا يمكن له بأن يشعر بأن له وطنا وبأن يضحي في سبيله, بل ممكن أن يبيعه في أقرب سوق نخاسة لبيع الأوطان.. ولأول مشتري مهما كان الثمن بخسا.. هكذا مجتمع يكون مرتعا خصبا وبيئة خصبة لكل أنواع التطرف والإرهاب والكراهية ولكل عمل غير إنساني.. إلخ، أمام، وإزاء، وحيال،هكذا مأساة فظيعة للإنسان في بلدنا, ومن ينكر ذلك أو يتنكر لذلك أو يحاول تبرير ذلك فهو, عفوا لا أستطيع وصفه من هول وفظاعة كل ذلك, ألا يحق لنا بأن نحلم بدولة تضمن لنا حاضرنا ومستقبلنا وحاضر ومستقبل أبنائنا وأحفادنا وتمنع عنا وعنهم هذا الحاضر الفظيع وذلك المستقل الضائع..؟!.
أم أن ذلك الحلم محرّم وممنوع علينا, بل أن السؤال الجوهرى الذي يفرض نفسه هنا، ويطرح نفسه: ألَم نصل بعد إلا مرحلة ردة الفعل جراء وتجاه الفعل..؟!، أم أنه ما يزال أمامنا الوقت الطويل والمآسي العظام لكي نقوم بردة الفعل تلك…!
قلت لأستاذي ومعلمي وأخي وصديقي وزميلي، وقد شارف عقد عمره السادس على الإنتهاء, لماذا لا تكتب مذكراتك؟ ردّ عليّ بنبرة صوتية وجدانية آهاتية آلامية حسراتية وأوجاعية، زادت من آهاتي وآلامي وأوجاعي وحسراتي, حتى إنني إلى الآن لم أستطع نسيان تلك اللحظة وذلك الصوت، قائلا:
“كيف تريدني وتريد لي أن أكتب مذكراتي وأنا لم أعش بعد؟!”… هذه هي خلاصة حياة وعمر الإنسان في بلدي! فهل هي كذلك في بلدانكم؟ ذرفت عيناي دمعا وتمالكت نفسي من أن أجهش بكاء وعويلا… وأنا أخط هذه الكلمات.. ولكي لا يسمعني اولادي المجاورين لي في الغرفة المجاورة.
قال شاعرنا (اليمني) الضرير عبد الله البردوني (رحمة الله عليه) في وصف حالنا:
“مـواطـن بــلا وطـن لأنّــه مــن الـيـمن
تــبـاع أرض شـعـبه وتـشـترى بــلا ثـمن
يبكي إذا سألتـه من أين أنت؟.. أنت مَن
لأنّــه مــن لا هـنـا أو مــن مـزائد الـعلن.




