عندما تسقط الأقنعة وتتضح الصورة!

كتب نظام مير محمدي/ إيران
خاص “المدارنت”
تميزت السياسة التي مارسها النظام الإيراني طوال أكثر من 4 عقود بنمطين أساسيين؛ الأول:
وهو الظاهري، فيما يتعلق ببلدان المنطقة والعالم، حيث أكد على التزامه بالمبادئ والأعراف المعمول بها في العلاقات الدبلوماسية بين دول العالم.
أما الثاني: وهو المخفي إلا أنه الوجه الحقيقي للسياسة التي يمارسها النظام تجاه بلدان المنطقة والعالم، فقد بُنيت على أساس تصدير التطرف والإرهاب وممارسة الضغط والابتزاز من أجل تحقيق الأهداف والغايات المرجوة.
ولا بد هنا من التنويه أيضاً بأن النظام قد دأب في الوقت نفسه على التأكيد للشعب الإيراني بكونه يتبع سياسة إقليمية ودولية من النمط الأول، لكن الأحداث والتطورات المتتالية وما نجم وتداعى عنها رسمت خطاً بيانياً مختلفاً تماماً عن ذلك الذي ابتغاه النظام، ولاسيما عندما بدأت التأثيرات السلبية للسياسة الحقيقية المكلفة التي يمارسها على الأوضاع المختلفة وتؤثر سلباً على الشعب.
وفي الحقيقة فإن النظام قد دأب طوال عقود، على تسويق نفسه باعتباره حامياً للبلاد ومدافعاً عن مصالح الشعب، غير أن الوقائع اليومية أثبتت أن همه الأول والأخير هو الحفاظ على سلطته ولو على حساب تجويع الإيرانيين وسلبهم أبسط حقوقهم. فبينما يرزح المواطن تحت وطأة الغلاء وانهيار العملة وندرة فرص العمل، يواصل النظام إنفاق ثروات البلاد في مشاريع توسعية خارج الحدود، وفي دعم أجهزته القمعية والأمنية، غير آبه بما آلت إليه أوضاع الشعب من بؤس واختناق معيشي.
وهنا تتجلى واحدة من أكبر مفارقات الخداع السياسي: نظام يرفع لواء الدفاع عن المستضعفين، فيما هو في الواقع صانع للفقر والبؤس والحرمان.
وكل تلك الآثار والنتائج السلبية ناجمة ومتداعية عن النمط الثاني للسياسة التي يتبعها النظام والتي يريد من خلالها فرض واقع يقوم على ممارسة الضغط والابتزاز والمساومة، غير أن ما قد آلت إليه الأوضاع بعد سلسلة النكسات والهزائم العسكرية والسياسية التي واجهها منذ عام 2023 وحتى الآن، وضعته في موقف المساءلة أمام الشعب، خصوصاً وإن الحربين الأخيرتين اللتين واجههما لم يكن ممكناً حدوثهما لولا سياسته المشبوهة التي مهدت لهما، مع ملاحظة أن أخطر ما افتضح من كذب هذا النظام هو ادعاؤه المتواصل بالتماهي مع إرادة الشعب وتمثيل تطلعاته، في وقت لم يتردد فيه في مواجهة الاحتجاجات الشعبية بالرصاص والاعتقالات والإعدامات.
ومع كل انتفاضة تشهدها المدن الإيرانية، يتأكد أن الهوة بين الشعب والنظام باتت عميقة إلى حد يستحيل معه الحديث عن أي شرعية حقيقية. إذ كيف لنظام يقتل أبناء شعبه في الشوارع، ويزج بالشباب والنساء والعمال والطلاب في السجون، أن يدعي تمثيلهم أو التعبير عن مصالحهم؟ إن هذا التناقض الفاضح بين الخطاب والممارسة هو في حد ذاته شهادة إدانة سياسية وأخلاقية لهذا النظام.
إن انكشاف وجه النظام الإيراني أمام الشعب ليس حدثاً عابراً، بل هو مسار تاريخي يتعمق يوماً بعد يوم مع كل أزمة جديدة، ومع كل وعد كاذب، ومع كل قطرة دم تُسفك ظلماً.
لقد بات واضحاً لقطاعات واسعة من الإيرانيين أن أصل المأساة ليس في حادثة هنا أو مسؤول هناك، بل في بنية نظام قام على الاستبداد الديني، وعلى احتكار الحقيقة، وعلى مصادرة إرادة المجتمع باسم شعارات فقدت معناها ومصداقيتها منذ زمن طويل.



