عربي ودولي

غزة/ الطلاق مقابل الإبراء ونساء يخرجن من الزواج بتنازلات مؤلمة!

“المدارنت”
في ظل حرب إبادة أنهكت تفاصيل الحياة اليومية، لم يعد قرار الطلاق مرتبطًا بالخلافات الزوجية فقط، بل أصبح أحيانًا نتيجة مباشرة للظروف القاسية التي فرضها النزوح والفقدان وضيق المعيشة.

وبين ضغوط الحرب وصعوبة تأمين أبسط مقومات الاستقرار، تجد بعض النساء أنفسهن أمام خيار الطلاق مقابل الإبراء، إذ يتنازلن عن جزء من حقوقهن أو عنها كاملة لإنهاء العلاقة، في وقت تتداخل فيه الأزمات الإنسانية مع القرارات الأسرية المصيرية.

تنازلات مصيرية
أوضح القاضي الشرعي عمر نوفل أن الطلاق في الشريعة والقانون ينقسم إلى عدة أنواع تختلف باختلاف ظروف وقوعه والحقوق المترتبة عليه.
فالطلاق الرجعي يكون من قبل الزوج، وتبقى للزوجة خلاله حقوقها، بما في ذلك نفقة العدة. أما الطلاق البائن قبل الدخول والخلوة، فتستحق معه نصف المهر المسمى، بينما يترتب على الطلاق البائن قبل الدخول وبعد الخلوة استحقاق الزوجة كامل المهر ونفقة العدة.

وفي حالة الطلاق البائن بينونة كبرى، تستحق الزوجة كذلك كامل المهر ونفقة العدة، وفق الأحكام الشرعية.
وأضاف نوفل لـ«القدس العربي» أن من صور الطلاق أيضًا الخلع الرضائي، أو ما يُعرف بالطلاق البائن مقابل الإبراء، والمستند إلى قوله تعالى: «فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ»، وهو يتم برضا الطرفين، سواء كان قبل الدخول أو بعده أو حتى بعد البينونة الكبرى. ويكون الإبراء مقابل التنازل عن كامل المهر أو جزء منه، أو عن نفقة العدة، ويُعد كل طلاق يتم مقابل بدل طلاقًا بائنًا.

وأشار إلى أن الإبراء قد يشمل حقوقًا مالية مختلفة، مثل المهر المؤجل وتوابعه، وما تبقى من المهر المعجل، ونفقة العدة، والمصاغ الذهبي، والنفقات المتراكمة.
وقد يتضمن، في بعض الحالات، تعهدات إضافية، كالتزام الزوجة بعدم المطالبة بنفقة الأبناء أو بأجر الحضانة أو الرضاعة طوال فترة حضانتهم، إذا كان ذلك جزءًا من الاتفاق بين الطرفين.
وأكد نوفل أن المحكمة الشرعية تحرص على حماية حقوق المرأة ومنع تعرضها للغبن أو الخداع، ولذلك تشترط حضور ولي أمر الزوجة في حالات الإبراء، مع توضيح جميع الآثار القانونية والشرعية المترتبة على تنازلها عن حقوقها قبل إتمام الاتفاق.

الإبراء وحقوق الأطفال
وشدد على أن الإبراء، في الأصل، لا يمس حقوق الأطفال أو الحضانة، إذ تبقى هذه الحقوق مستقلة، ولا يشملها التنازل إلا إذا نص الطرفان صراحة على ذلك، ضمن اتفاق يتضمن تعهدات متبادلة.
وأوضح القاضي الشرعي عمر نوفل أن أسباب الطلاق تتغير باختلاف الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي يمر بها المجتمع، إلا أن أبرزها في المرحلة الحالية يتمثل في الاستخدام غير المنضبط للإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، إذ يقود، في كثير من الحالات، إلى نسج أحد الزوجين أو كليهما علاقات مع أطراف أخرى، يراها البعض غير مشروعة، بينما يراها آخرون مقبولة، ما يخلق خلافات تنتهي أحيانًا بالطلاق.

أضاف أن الحرب وما فرضته من نزوح أوجدت تحديات جديدة أمام الحياة الزوجية، إذ جمعت أزواجًا من بيئات مختلفة، ومع هذا التداخل ظهرت اختلافات في العادات وأنماط الحياة وطريقة إدارة الأسرة، ما أسهم في زيادة الخلافات بين بعض الأزواج.
كما أن عجز بعض الأزواج عن توفير الحد الأدنى من مقومات الاستقرار، حتى في صورة خيمة مستقلة، إلى جانب تدخل الآخرين في الحياة الزوجية، شكّلا عاملين إضافيين أسهما في وصول عدد من الخلافات إلى المحاكم الشرعية.

خطوبة منتهية
وتروي غزيات تجاربهن عن رحلة لم تستمر طويلا مع زواج لم يكتمل.
وتقول سحر غنام لـ«القدس العربي»: «كنت مخطوبة بعقد شرعي قبل الحرب، وكنا نستعد لبداية حياتنا مثل أي شابين يحلمان ببيت يجمعهما. أمضينا أشهرًا في تجهيز شقتنا، قطعةً قطعة، واخترنا أثاثها بعناية، وكل تفصيلة فيها كانت تحمل حلمًا صغيرًا بمستقبل كنا نعتقد أنه بات قريبًا. لكن الحرب جاءت وأخذت كل شيء في لحظة. دُمرت الشقة، وضاع الأثاث، واختفت سنوات من التعب والادخار بغمضة عين».

وبعد النزوح، «عشنا في أحد مراكز الإيواء، وانتقل خطيبي مع عائلته إلى خيمة. ولم تكن الظروف تسمح له حتى بتوفير خيمة ثانية لنبدأ فيها حياتنا، فقد كان همه الأول أن يؤمن مأوى لأسرته. وكنت أدرك حجم المسؤولية التي يحملها، ولم أكن ألومه، فالحرب سلبت الجميع القدرة على التخطيط للمستقبل، وجعلت أبسط الحقوق حلمًا بعيد المنال».
وتتابع «لكن مع مرور الوقت، بدأ أهلي يشعرون بأن فترة الخطوبة طالت من دون أفق واضح للزواج، ومع استمرار الظروف الصعبة، انتهت الخطوبة وانفصلنا. ولم يكن الانفصال نتيجة خلاف بيننا، بل نتيجة حرب سرقت بيتنا وأحلامنا وقدرتنا على البدء من جديد».

وفي اليوم الذي حضرت فيه إلى المحكمة الشرعية لإنهاء إجراءات الانفصال، عاشت سحر موقفًا لن تنساه.
«بينما كنت أحاول استيعاب نهاية قصة كنت أظن أنها ستنتهي بالزفاف، دخلت امرأة إلى المحكمة لتوثيق طلاقها، لكنها كانت توزع الحلوى على الموجودين. فشعرت بالدهشة، وتساءلت في داخلي كيف يمكن لحدث واحد أن يحمل معنيين متناقضين: بالنسبة إليّ، كان يومًا أودع فيه حلمًا لم يكتمل، وبالنسبة إليها، كان بداية لحياة جديدة اختارتها بإرادتها. عندها أدركت أن الحروب لا تدمر البيوت فقط، بل تعيد تشكيل مصائر الناس بطرق لا يمكن توقعها، وتجعل لكل إنسان حكايته الخاصة مع الفقد».

وتدل تجارب الغزيين أن الحرب لم تسرق البيوت والممتلكات فحسب، بل امتدت آثارها إلى أدق تفاصيل الحياة الأسرية، فبددت أحلام كثير من الشباب في تكوين أسر مستقرة.
فبين محاكم الطلاق والخيام ومراكز الإيواء، تبقى العلاقات الزوجية والمقبلون على الزواج من أكثر الفئات تأثرًا بواقع فرضته الحرب، لتصبح قرارات الانفصال، في كثير من الأحيان، انعكاسًا لظروف قاهرة أكثر من كونها نتيجة خلافات بين الطرفين.

وردة الشنطي/ “القدس العربي”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى