العرب ورسالة الإسلام

خاص “المدارنت”
بسم الله الرحمن الرحيم.. “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون”. صدق الله العظيم (من سورة الحِجر)..
لا شكّ أنّ قضيّة ارتباط العرب بالإسلام هي مدار بحث وتفاعل، لا ينقطِع، عبر العصور، ولا يجب أن ينقطع لأنٌ هذه العلاقة التي رسمها الله في كتابه العزيز، عبر آيات بَيِّنات، ومن خلال اختيار النبيّ العربيّ محمّد، عليه الصلاة والسلام، لتبليغ رسالة الإسلام بلسان عربيّ مُبين..
هذه الرسالة العظيمة التي نهضت بالعرب من حياة التمزُّق والتقوقُع والفوضى إلى حياة الوحدة والانفتاح على العالم، وبناء حضارة حفِظَت ما سبقها، وقدّمت للإنسانيّة أسُسًا علميّة وأخلاقيّة أثرَت مسيرة البشريّة، ووضعتها على بداية طريق التقدُّم الذي شهِدته بعد عصور.
لقد قدّم العرب، بالإسلام، حضارة دامت لقرون عديدة؛ اختلطت مُقَوِّماتُها وأصولها وفروعها إلى حدود لا يمكن فصلها عن بعضها أو التمييز بينها، فأطلق عليه العالَم مصطلحَ “الحضارة العربيّة الإسلاميّة”.
لقد أسهم في بناء تلك الحضارة، تحت راية العرب، شعوب كثيرة كانت قد اعتنقت الإسلام، فتعلّم كثير من مبدِعيها اللغة العربيّة، لغة القرآن، فكتبوا فيها ودوّنوا بها أفكارَهُم وإبداعاتهم في كلّ ميادين اللغة والأدب والفنّ والعلوم الانسانيّة والعلوم التجريبيّة، كالرياضيّات والفيزياء والكيمياء، وعلوم الدين بمختلف طبقاته وأصوله وفروعه..
آنذاك، في عصر الأمويّين والعبّاسيّين، بلغت النهضة العربيّة الإسلاميّة؛ ذروتَها في كل مجالات الحياة، إلى أن أصبح العرب قادةَ العالم القديم وأسيادَه من أقصى الشرق في الصين إلى أقصى الغرب في الأندلس، فقدّمت للبشريّة أرضيّة صلبة تمّ البناء عليها إلى حين حدوث النهضة الأوروبِّيّة المعاصرة التي قفزت بالعالم إلى ما هو عليه الآن..
نعود لنستنتج من معنى الآية الكريمة، التي بدأنا بها والتي تتحدّث عن الذكر وحفظِه.
ألذكر هو الصيغةُ الصوتيّةُ المُنطَقةُ للقرآن كلِّه. هذا الذكر، أي القرآن الكريم، هو باللغة العربيّة، وهو محفوظ بقدرة الله وعهده، وعدًا صادِقًا لا جدال ولا شكّ فيه على الإطلاق؛ لا في الزمان ولا في المكان.
ألعرب، إذن، بلغتهم وبأيّ كيان لهم ينطق بها، محفوظون تلقائيًّا بحفظ القرآن، ويستحيل القضاء عليهم مهما تكالبت عليهم قوى العدوان؛ وألمّت بهم حالات الضعف والهوانِ..
لولا ذلك لانقرضنا منذ زمن بعيد، كما انقرضت عشرات الشعوب في هذه المنطقة المستهدَفة والمتحوِّلة من العالم – مع احترامي لكلّ التضحيات ووِقِفات الكرامة والعزّ ومحاولات التصدّي والصمود. لذلك، وباختصار شديد، نحن قوم لا بدّ ننهض مهما تعدّدت وطالت كبواتُنا، لأنّنا محكوم علينا بالبقاء طالما هذا الذِكر باق..
ألأمّة لا تعني، بالضرورة، وجودًَا في كيان سياسيّ واحد – وإن كان ذلك شرطًا أساسيًّا للنهوض – وإنّما هي ذلك الشعور الوجدانيّ الذي لا يموت، كما نراه، باستمرار، في مجال الرياضة وفي كلّ مناسبة تختبر مشاعر العرب أينما وُجدوا، والذي سيُتَرجَم، يومًا ما، مهما طال الزمن وعظُمت المآسي والتضحيات، بالوحدة والنهوض الشامل.
ألأُمّة في القرآن، فكرة، تصوُّر، أفُق، وبذلك تتعالى على الزمان المكان. أمّا الأمم البشريّة فهي كيانات سياسيّة وثقافيّة متمايزة. من هنا يأتي دور العروبة الذي يترجم العلاقة العضويّة بينها وبين الإسلام، لتُشكِّل هذا الكيان السياسيّ الممتدّ بين المحيط الأطلسيّ والخليج العربيّ، الذي يشمل تنوُّعًا من الأقوام التي وحّد وجدانها الإسلام والعروبة، معًا، لتكون نواةً لدولة مترامية الأطراف والثقافة؛ تصلح وعاءً لصنع حضارة قائمة على العلم الأخلاق لتأكيد قضيّة العمران في الأرض…



