غليون: وضع المعارضة لا يرضي السوريين!

“المدارنت”..
أكد الباحث والمفكر السوري د. برهان غليون، أن “وضع المعارضة (السورية) لا يرضي السوريين”، لافتا الى أنه “خرج مصير البلاد من أيادي أبنائها واصبح موضع تنازع وتنافس بين دول وميليشيات اجنبية او مرتبطة بأجندات اجنبية”، مضيفا “ينبغي ان نفكر بشكل الدولة، فدرالية او مركزية او لامركزية، انطلاقا من شروطنا وأوضاعنا الخاصة”.
وقال غليون في حديث تلفزيوني: “وضع المعارضة لا يرضي السوريين. لكنه احد مظاهر الوضع البائس الذي تعيشه القضية السورية التي خرج فيها مصير البلاد بأجمعها من ايدي ابنائها واصبح موضع تنازع وتنافس بين دول وميليشيات اجنبية او مرتبطة بأجندات أجنبية. والأصل في هذا الوضع هو سياسة الأسد او نحرق البلد، الذي قاد النظام السوري القائم الى شن حرب همجية وابادية ضد الشعب السوري ودمر البلاد فصار حارسا على باب الاحتلال. ونحن جميعنا مسؤولون عن استمرار هذا الوضع وعن ضعف مؤسسات المعارضة ايضا”.
وعن رأيه بالفيدرالية واللامركزية في سوريا.. لفت الى أنه “في الأصل تنشأ الدولة الفدرالية للجمع بين دول مستقلة مختلفة واحيانا بين شعوب مختلفة تريد ان توحد فضاءها الجيوسياسي من اجل توسيع سوقها الاقتصادي وقدرتها على تحقيق الرفاه والأمن لشعوبها وتحسين مركزها على خارطة توزيع القوة العالمية. واول من اخترع الدولة الفدرالية هي الولايات المتحدة الامريكية التي كانت دولا شبه مستقلة خاضعة كل منها للسيادة البريطانية، ووجدت أن من الأفضل لها ان تحافظ على وحدتها الاقتصادية والسياسية بدل ان تتفرق الى دول عديدة. وتحتفظ الحكومة الاتحادية بسلطات واسعة فيما يتعلق بالسياسات الاقتصادية والمالية والعسكرية والخارجية تعبيرا عن سيادة الدولة ووحدتها.
في المقابل فكرة اللامركزية تعززت في العقود الماضية من اجل اعطاء فرص اكبر للجماعات الاقليمية للمشاركة في تنمية مناطقها. وسمحت بعض الدول، في العديد من المناطق التابعة لها بإنشاء مجالس محلية ذات صلاحيات موسعة او حتى اقامة مؤسسات تمثيلية وانتخابات للمحافظين او حكام المناطق.
وقد بدأت كل الدول الاوروبية القومية في صيغة مركزية تركزت فيها الجهود على بناء دولة حديثة ومؤسسات سياسية تنفيذية وتشريعية وقضائية متينة وراسخة، ولم تظهر مطالب اللامركزية فيها الا منذ وقت قريب بعد رسوخ المؤسسات ونمو ثقافة المواطنة واحترام القانون وتطور تقاليد ديمقراطية قوية. وكثيرا ما كانت المبادرة من الدولة المركزية نفسها التي ارادت ان تدفع الى توسيع سلطات المناطق لانعاش الديمقراطية وإعطاء دفع اكبر للمشاركة السياسية التي اخذت تتراجع في بعض البلدان.
وليس هناك دليل على ان أداء الدول الفيدرالية كان افضل من الدول المركزية ولا العكس ايضا، لا في ميدان التنمية السياسية ولا التقدم الاقتصادي والتقني والتنمية الاجتماعية ولا ممارسة الحريات واحترام حقوق الانسان. فالصين دولة مركزية خاضعة لسلطة حزب واحد، وهي لا تقل انجازا في ميادين التنمية الاقتصادية والاجتماعية عن الولايات المتحدة التي هي دولة فدرالية. وهذا هو الحال في ميدان ممارسة الحريات الديمقراطية. ففرنسا الدولة الأشد مركزية في اوروبا لا تقل ديمقراطية عن المانيا الدولة اللامركزية او الفدرالية منذ خسارتها الحرب العالمية الثانية.
ينبغي ان نفكر بشكل الدولة، فيدرالية او مركزية او لامركزية، انطلاقا من شروطنا واوضاعنا الخاصة واقتناعنا كشعب بالصيغة التي نعتقد انها الأكثر ملاءمة وفائدة لنا لتحقيق الاهداف الاساسية التي تسعى اليها شعوبنا كشعوب الأرض قاطبة، وهي اليوم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والأمن الداخلي وبشكل خاص الخارجي، اي تحقيق السلام لشعوبها، والديمقراطية وما تعنيه من احترام الحريات الاساسية الفردية والجماعية للناس. فمن هذا المنطلق وعلى هذا الاساس ينبغي ان نفكر نحن ايضا في سورية المستقبل، ونختار النظام السياسي الملائم لتحقيق هذه الغايات الكبيرة. بمعنى آخر المركزية واللامركزية مشكلة براغماتية وليست مبدئية، وبراغماتية تعني اختيار الحل الاصلح والذي يتوافق عليه الشعب باغلبيته الانتخابية لتحقيق الغايات المنشودة.
وعلى جميع الاحوال لا ينبغي ان نخلط بين الفيدرالية او اللامركزية والديموقراطية. فاستبداد النظام السوري لا ينبع من كون الدولة السورية مركزية، فقد كانت كذلك قبل مجيئه، وإنما من طبيعة نظام الحكم الذي ولد مع سيطرة حزب البعث على السلطة واصداره دستورا ينص بمادة من مواده على ان حزب البعث قائد للدولة والمجتمع، مما يعني انه جرد دستوريا الشعب من سيادته وجرد المواطنين من حقوقهم بل الغى المواطنة واحل محلها الولاء والمحسوبية الطائفية او الشخصية، وسن قانون التمييز العنصري بين افراد الشعب الواحد، فصار هناك من هو صاحب أهلية وطنية من الموالين والمصفقين ومن هم فاقدو الاهلية والحقوق السياسية واحيانا المدنية. وهو ما لم يحصل حتى في دساتير الدول الشيوعية القديمة. وما لبث حتى تحول الى نظام حكم عائلي وصار اسم سوريا رسميا: “سوريا الاسد”. وتحوّلت البلاد الى ملكية مطلقة متخلفة شبيهة بملكية الاقطاعيين في القرون الوسطى حيث كان السيّد الاقطاعي مالك للارض وللاقنان العاملين فيها، وله الحق في تسييرهم وقتلهم اذا اراد من دون ان تترتب عليه اي مسؤولية.
لهذا لم يكن لسكان دمشق، الحق في المشاركة في السلطة أكثر من سكان الحسكة او السويداء او ادلب. جميعهم كانوا غرباء ولاجئين أو عبيد مملوكين في ما كان ينبغي ان يكون وطنهم الذي يحميهم ويمكنهم من حقوقهم ويساعدهم على التقدم في تاهيلهم المهني والعلمي وحياتهم. بل لقد كان الدمشقيون اكثر تعرضا للتمييز السلبي والتهميش لان وجودهم في مركز السلطة يجعلهم اكثر قدرة على التاثير وبالتالي اجدر بالمراقبة والإذلال والاضطاد والترويع.
وبالمثل لم يمنع كون روسيا دولة فيدرالية، واسمها الاتحاد الروسي من ان تعيش في ظل حكم فردي شبه مطلق ايضا، وان لا يكون للحريات الفردية والحقوق الانسانية فيها اي اعتبار. وها هو العراق، دولة فيدرالية، بعد ان كان ديكتاتورية قاسية. لكن فيدراليته لم تجعله اكثر ديموقراطية، ولا مكنت العراقيين على مختلف طوائفهم وقومياتهم من المشاركة في حياة البلاد السياسية، ولكنها سلمت العراق الى الاحتلال الايراني، بعد رحيل قوات الغزو الاميركية، واقامت في ظل هذا الاحتلال نظام المحاصصة السياسية، ووزعت البلاد ومواردها إقطاعات على زعماء الميليشيات والطوائف والعشائر، وتركت العراقيين يعيشون في حالة مزرية من البؤس والجوع والبطالة واليأس لا يتوقفون فيها منذ ثمانية سنوات عن الانتفاضات لاسترجاع حقوقهم من دون تحقيق اي انجاز واعد في هذا المجال.
وبالنسبة لموقفي الشخصي، لو خُيّرت الآن لاخترت لسوريا القادمة شكل الحكومة المركزية، على الأقل في المرحلة الأولى، من اجل بناء مؤسسات سياسية وقانونية سليمة والقضاء على حكم الميليشيات، وتعزيز مكانة الدولة وامنها واستقلالها، وفي مرحلة ثانية، يمكن توسيع سلطة الأقاليم، بحيث يكون للجماعات المحلية دور اكبر في ادارة شؤونها.
واخشى اننا لو طبقنا الفيدرالية مسبقا، ومن دون ترسيخ اركان الدولة وسلطة القانون، وبناء مؤسسات تنفيذية وسياسية وتشريعية وقضائية قوية وفاعلة، ومن دون مشاورات شعبية ونقاش وطنيين يشارك فيهما الشعب السوري كله ويقتنع باختياره، أقول أخشى، ان تكون الفيدرالية تكريسًا لسلطات الامر الواقع، وهي جميعها اليوم، في المناطق المختلفة، سلطات ميليشاوية تخضع لاحزاب او هيئات او زعامات تحتكر السلطة ولا تؤمن لا بديمقراطية ولا بدور الشعب ولا يحقوق المواطنة المتساوية وحقوق الافراد ولا تقيم اعتبارا لمصالحهم وكرامتهم، وتعتبر الحريات خطرا على وجودها. وعندئذ سنخسر الدولة، ونخسر الاقاليم، ونخسر التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي هي جوهر الاجتماعات السياسية المعاصرة، ونخسر الامن والسيادة، لتصبح كل منطقة مركز نفوذ لأمراء الحرب وللدولة الاجنبية التي تدعمها. اي انه سيكون لدينا عدد اكثر من اشباه دول لا تختلف في ادارتها عن ادارة دولة الاسد لكن في صور أشد ركاكة وتأزما ونزوعا الى العنف والاقصاء والقمع، واحوالا معيشية لا تختلف عن الاحوال العراقية.
وعن مستقبل سوريا والسوريين؟ قال غليون: “مستقبل سوريا يتوقف على سلوك واختيارات النخب، السياسية والعسكرية التي لا تزال تتحكم بجزء من السلطة والموارد في المركز او في المناطق المتباعدة وشبه المستقلة عنه. وجميعها لا تزال مهووسة بإعادة بناء نظام على شاكلة الاسد في هذه المناطق التي تسيطر عليها، وتعتقد مثله ان سيطرتها على مناطقها تساوي ملكيتها لها، بارضها ومواردها والبشر المقيمين عليها، وهي حرة حرية مطلقة بالتصرف فيها وتحديد مصير ابنائها كما تراه مناسبا لها. وسوف نتحول جميعا الى أقنان لا يراعي من يحكمنا فيها لا اعتبارا سياسيا ولا اخلاقيا ولا حرمة لحياة اي واحد يعيش على اراضيها. وجميع هؤلاء الحاكمين الصغار ينتظر أول فرصة كي يستقل بنفسه وينتزع الاعتراف من الدول التي لها مصلحة في دعمه، ليضع نفسه في خدمتها. وكلهم يتقنون اللعب على مشاعر الناس ومظلومايتهم الدينية او المذهبية او القومية او المناطقية ليرسخوا اركان إماراتهم، ولا يهمهم مصير مواطنيهم/أقنانهم من قريب او بعيد. وجميعهم يأملون ان يرحل عنهم اكثر ما يمكن من السكان حتى يتفرغوا لنهب ما تبقى من موارد وتجييرها لحساباتهم الشخصية.
أما المستقبل فهو يتوقف على صحوة الشعب السوري او من سوف يبقى حيًا من بين افراده على الأرض السورية. وبعد ان يكتشف هواة الامارات المستحيلة خداع “أمرائهم” وسوء نية مسيلماتهم وكذبهم سوف يرتدون عليهم، كما يرتد اليوم العراقيون على مضطهديهم الذين سيدوا انفسهم عليهم. وستكون معارك ومجاز عنيفة على شاكلة ما شهدناه في مناطقنا المنكوبة.
وتوقع أن “تتفاقم الأزمة في سوريا، وتتدهور الاوضاع في جميع المناطق السورية”.
وعن الدور الروسي في سوريا وتداعياته؟ لفت الى انه “كما يراه الروس أنفسهم، أيّ مستعمرين جدد، متخفين خلف الجثة السياسية لرئيس قاتل يجهدون من دون كلل ولا ملل لإثبات شرعيته وإعادة تأهيله من دون جدوى، ولا يهمهم لا مصير السوريين ولا مستقبل بلادهم”.
وكيفية تقييمه للدور الإيراني في سوريا والمنطقة عموماً؟ وتبعات الاتفاق النووي الإيراني إذا حصل على سوريا والمنطقة؟ أشار الى انه “صار من الواضح خلال العقدين الماضيين ان سياسة طهران في المنطقة، هي التخريب بالمعنى الشامل للكلمة، تخريب الدول والاقتصاد والسياسة والقانون والمؤسسات بما فيها العسكرية، وتحويل البلدان التي تحتلها، او تنخرها بحرسها الثوري وميليشياتها المحلية من المرتزقة، الى هشيم يسهل ابتلاعه. لكن، في النهاية، سوف تختنق سلطة ولاية الفقيه في المستنقع الذي صنعته بيديها ولن يبقى من مشروعها الامبرطوري الا الذكرى البائسة والحزينة لأمة ايرانية كبيرة ضلت طريقها. وهذا سواء تم التوقيع على الاتفاق النووي ام لا”.
وعن التدخل الصيني في سوريا وإمكانية جرّ البلاد إلى هلاك اقتصادي؟! قال غليون: “لا اعتقد ان الصين جاهزة في هذه الحقبة للتدخل في سوريا على اي صعيد كان. لكن بالتأكيد سيكون لها دور اقتصادي كبير، عندما تنتهي الحروب المتوازية والمتقاطعة التي تخترق المنطقة في كل الاتجاهات”.
وعن دور الدول العربية وبخاصة الخليجية في تعويم الأسد في سبيل إنقاذ المنطقة من خطر التمدد الإيراني وذلك وفقا لمصالحهم السياسية؟ ردّ غليون متسائلًا: “هل يريد الاسد فعلا تعويم نفسه؟! ولو اراد ذلك هل هو قادر عليه؟! الأسد أصبح كذبة لا أحد يصدقها، لكن الجميع يستخدمونها للتغطية على أهدافهم الحقيقية. وبالنسبة لدول الخليج، لا اعتقد انها بعيدة عن ادراك ذلك”.
ولفت الى أن “الأزمة السياسية الحالية في العراق، هي تعبير فاضح عن فشل النظام السياسي الذي ولد من اسقاط نظام صدام حسين، والذي اراد الاميركيون من خلاله ان يجهزوا نهائيا على العراق كدولة وشعب، ويحوّلوه الى مقبرة لابنائه وساحة حرب بين الطوائف والمذاهب والاقوام لا نهاية لها ولا حلّ. إنه نظام المحاصصة وتقاسم السلطة والمال بين الزعماء والاتباع والموالين على حساب العراقيين بجميع ولاءاتهم وانتماءاتهم. ولا حل لماساة العراقيين الا بإسقاط النظام السياسي القائم وبناء نظام وطني تنبثق السلطة فيه عن الشعب، ممثلا بالناخبين، بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية والقومية، لا عن تفاهم زعماء المافيات والميليشيات والعصائب والحشود والمرجعيات”.
وعن الوضع اللبناني المتدهور ومساراته؟! أكد غليون، أن “لبنان بلد مخرّب، ودولة معطلة، وشعب مهجّر او على طريق التهجير. لبنان هو ما تريده ايران، وبعض مشغليها أن يكون مستقبل كل الاقطار العربية المشرقية”.
المصدر: صفحة غليون.



