عربي ودولي

“فايننشال تايمز”: المال والعلاقات العامة والتقارب من “إسرائيل” يعززون نفوذ أبو ظبي في واشنطن!

ترامب ومحمد بن زايد آل نهيان

“المدارنت”
نشرت صحيفة “فايننشال تايمز”  تقريرا أعدته مراسلتها في واشنطن أبيغل هاوسلونر، كشفت فيه عن الطريقة التي توصلت فيها الإمارات للحصول على حظوة واشنطن. وقالت إن أبو ظبي استخدمت مزيجا المال والعلاقات العامة لتتحول إلى أهم حليف للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

ولتصل إلى هذه المكانة، تعلمت الإمارات من أخطائها القديمة، فقبل 20 عاما كانت في قلب عاصفة سياسية في واشنطن، حيث أثار عرض من الدولة الخليجية لشراء ستة موانئ بحرية أمريكية رئيسية عبر شركة موانئ دبي العالمية للخدمات اللوجستية، ضجةً كبيرة بين المشرعين الأمريكيين.

وجاء العرض بعد خمسة أعوام من هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، حيث كان اثنان من منفذي الهجمات إمارتيين، وزعم حينها بعض أعضاء الكونغرس أن الإمارات مركز تمويل لتنظيم القاعدة، وأنها “مشكلة مستمرة في مكافحة الإرهاب”، محذرين من تهديد خطير للأمن القومي الأمريكي إذا سمح للإمارات بإدارة موانئ استراتيجية.

ولم يهتم المشرعون أو معارضو العرض بأن الإمارات كانت الدولة العربية الوحيدة التي نشرت قوات لدعم الحرب الأمريكية في أفغانستان، وأن إدارة بوش قد دعمت صفقة الموانئ. وقد أجبرت هذه الضجة شركة موانئ دبي العالمية على التراجع عن العرض.

وشكلت هذه القضية نقطة تحول حاسمة للإمارات وعلاقتها بالولايات المتحدة. وفي أبوظبي، عقد الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد الإمارات آنذاك، اجتماعاً طارئاً مع مستشاريه. وأوضح لهم أن “الأزمة” كشفت عن سوء فهم جوهري لدى معظم الأمريكيين تجاه الإمارات، وأن الوقت قد حان لتصحيح هذا الفهم.

وهو ما نجحوا بعمله بعد عقدين من الزمن، حيث أصبح الشيخ محمد بن زايد رئيسا للإمارات، وتحولت الدولة الخليجية إلى واحدة من أقوى حلفاء أمريكا في الشرق الأوسط.

 وفي 28 تموز/يوليو، أعلن الجيش الأمريكي تعاونه مع الإمارات لتسريع تطوير “الذكاء الاصطناعي العسكري”، كما استثمرت الإمارات إلى جانب العلاقات العسكرية، أموالا من صناديقها السيادية التي تديرها وتبلغ قيمتها 1.7 تريليون دولار، وكذا الشركات المدعومة من الدولة، بكثافة في أمريكا، وفي مصالح عائلة الرئيس دونالد ترامب التجارية. ولم يعد الكونغرس ذو الأغلبية الجمهورية قلقا كما كان من قبل بشأن الاستثمارات في المجالات الحساسة للأمن القومي الأمريكي. وقد منح ترامب مؤخرا الإماراتيين إمكانية الوصول إلى بعض من أحدث رقائق الكمبيوتر الأمريكية، وذلك بعد أشهر فقط من استثمار أحد الأمراء الإماراتيين مبلغ 500 مليون دولار في أعمال العملات المشفرة لعائلة ترامب.

ومع ذلك، لم تكن الأمور دائما على ما يرام، فقد غضبت الإمارات من بين أمور أخرى عندما وقّعت واشنطن الاتفاق النووي مع إيران عام 2015، واختبرت حرب ترامب مع إيران حدود نفوذ محمد بن زايد، إذ أصبحت الإمارات الهدف الرئيسي للرد الإيراني، وأثار وابل الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية تساؤلات حول صورة الاستقرار في البلاد وجدوى طموحها في أن تصبح مركزا عالميا للتكنولوجيا.

ونقلت الصحيفة عن باربرا ليف، التي شغلت منصب سفيرة الولايات المتحدة في أبوظبي من 2014 إلى 2018، ثم منصب وزيرة الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط قولها: “يدرك الإماراتيون أن لديهم نفوذا وحضورا وتأثيرا، لكن في نهاية المطاف، لم يكن لهم رأي في حرب اندلعت على حدودهم، وتحملوا نصيب الأسد من الهجمات بسببها”.

 ومع ذلك، عززت الحرب وجهة النظر السائدة في أبوظبي بضرورة تعزيز العلاقات، حيث راهنت أبوظبي استراتيجيا على شراكتها مع الولايات المتحدة وتوطيد علاقاتها مع إسرائيل. ويقول المسؤولون إنها لا تنوي فقط الاستمرار على النهج الحالي، بل تعزيز هذه الروابط.

ولكن كيف تطورت الشراكة والتعاون؟ فهذا مرتبط كما تقول الصحيفة بدور سفير أبو ظبي في واشنطن، يوسف العتيبة، المستشار السابق لمحمد بن زايد وخريج جامعة جورجتاون الذي أرسل إلى واشنطن عام 2008 ليقدم للأمريكيين صورة مختلفة عن الإمارات التي كانوا يعتقدون أنهم يعرفونها. وبمساعدة مجموعة كبيرة من جماعات الضغط البارزة، نجح في ذلك. وكانت الوسيلة الرئيسية هي المال. فقد أنفقت الإمارات أكثر من 270 مليون دولار في واشنطن خلال السنوات العشر الماضية وحدها، حسب موقع “أوبن سيكرتس” الذي يرصد الأموال في السياسة الأمريكية. وتصنف الإمارات، إلى جانب جارتيها الخليجيتين السعودية (422 مليون دولار) وقطر (269 مليون دولار)، ضمن أكبر عشر دول إنفاقا في العالم على العلاقات العامة.

كما ضخت الإمارات أموالا في بعض أبرز مراكز الأبحاث في واشنطن، من بينها المجلس الأطلنطي، ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ومؤسسة راند. واستضافت الإمارات عشرات المؤتمرات والندوات الدولية.

ووصف مسؤول سابق بارز في وزارة الخارجية الأمريكية دور السفير الإماراتي قائلا: “لم يوفر العتيبة جهدا في استضافة المناسبات الاجتماعية لكسب تأييد مؤيديه في كلا الحزبين”. ويضيف المسؤول: “من المثير للدهشة عدد المسؤولين السابقين وموظفي الكونغرس الذين كتبوا مقالات رأي تشيد بالعلاقة التي يفترض أنها ذات منفعة متبادلة بين الولايات المتحدة والإمارات”.

وتشير الصحيفة إلى أن العتيبة، استغل جريمة مقتل الصحافي جمال خاشقجي في تركيا عام 2018، لتسويق الإمارات كمنارة للحداثة والواعدة، موطن دبي المعتدلة والملائمة للأعمال، وواحة ليبرالية ظاهريا في منطقة ذات أغلبية مسلمة محافظة.

وشجع العتيبة صناع القرار الأمريكيين على زيارة الإمارات، وقاد جهود السفارة للتواصل مع الكونغرس ومراكز الأبحاث والجامعات والمدارس ووسائل الإعلام، واستضاف حفلات لنخبة واشنطن.

وفي حملة ترامب الأولى، توطدت علاقة العتيبة بجاريد كوشنر، صهر الرئيس الذي أصبح لاحقا أحد أبرز مستشاريه في شؤون الشرق الأوسط.

وأدت العلاقة لموافقة الإمارات على تطبيع علاقاتها مع إسرائيل فيما عرف باتفاقيات إبراهيم عام 2020. ووصف مسؤول سابق في وزارة الخارجية قرار الإماراتيين للتطبيع بقوله: “كانوا قادرين على استشراف المستقبل ومعرفة ما يهم الولايات المتحدة، وأدركوا أن إسرائيل وسيلة للتقرب من فريق ترامب”. ويضيف: “كانت العلاقات الوثيقة مع إسرائيل بمثابة مخرج واسع النطاق للتهرب من الانتقادات التي كانت تواجههم”.

وتعتقد الصحيفة أن توثيق العلاقات مع الولايات المتحدة يحقق، بالنسبة لمحمد بن زايد، مجموعة من الأهداف الاستراتيجية، وفقا لمصادر مقربة من العائلة الحاكمة: تنويع الاقتصاد بما يتجاوز الاعتماد على عائدات النفط، والتحول إلى مركز عالمي للذكاء الاصطناعي، ورسم مسار خارج هيمنة المملكة العربية السعودية، القوة الإقليمية الكبرى.

وبعد عشرين عاما من فشل الإمارات في الاستحواذ على موانئ بحرية أمريكية رئيسية، بدأت تدريجيا في الاستحواذ على حصص في قطاعٍ ذي قيمة أكبر بكثير. وأطلقت صناديق استثمار مدعومة من الدولة، مثل صندوق أبوظبي السيادي “مبادلة” وشركة “إم جي إكس” التي يرأسها مستشار الأمن القومي الإماراتي وشقيق رئيس الدولة، الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، شراكاتٍ واسعة مع شركات تقنية مثل “أوبن إيه آي” و”إكس إيه آي”.

كما حصلت هذه الصناديق على حصة مسيطرة في شركة “غلوبال فاوندريز” لصناعة الرقائق الإلكترونية، واستثماراتٍ كبيرة في أسهم شركة “سيريبراس سيستمز” لصناعة الرقائق الإلكترونية، وشركة “ألايند داتا سنترز” لتطوير مراكز البيانات. كما شهدت أبوظبي نقلة نوعية جديدة مع قرار وزارة التجارة الأمريكية بالسماح ببيع رقائق إلكترونية متطورة للإمارات وإلغاء القيود المفروضة على صادراتها. وقد أشاد السفير العتيبة بصفقة الرقائق واصفًا إياها بـ”إنجاز هام” مبني على “تعاون مستمر”. إلا أن الديمقراطيين نظروا إليها من منظور مختلف: فقد وصفتها عضو الكونغرس عن ولاية أريزونا، ياسمين أنصاري، بأنها “ربما واحدة من أكبر وأوضح عمليات الفساد في تاريخ الولايات المتحدة”.

وكان مسؤولون في الأمن القومي الأمريكي ومشرعون، قد حذروا لسنوات من أن السماح للإماراتيين بالوصول إلى الرقائق الإلكترونية المتقدمة سيجعل التكنولوجيا الأمريكية الأكثر حساسية عرضة للاستحواذ عليها من قبل منافسها العالمي الأكبر، الصين، التي تربطها علاقات تجارية وتقنية وثيقة بالإمارات. وتقول إدارة ترامب والإمارات إنهما اتخذتا تدابير لحماية هذه التكنولوجيا. إلا أن بعض المسؤولين والمشرعين السابقين يشككون في ذلك.

ويقول مسؤول سابق في وزارة الخارجية الأمريكية: “لقد أقامت أبو ظبي علاقة مع الولايات المتحدة تصب في مصلحة الإمارات بشكل كبير، ولكنها تضر بالسياسة الخارجية الأمريكية ومصالحنا الوطنية”.

وقد أثمرت دبلوماسية الإمارات واستثماراتها بطرق أخرى غير مباشرة، كإجراء مناورات عسكرية مشتركة مع الصين، أو تزويد قوات الدعم السريع، وهي ميليشيا سودانية متهمة بارتكاب جرائم حرب، بأسلحة ثقيلة.

وفي العام الماضي، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأن الإمارات “تدعم علنا كيانا يرتكب إبادة جماعية” في السودان، وهو اتهام تنفيه الإمارات. إلا أن المشرعين صوتوا  باستمرار ضد جهود في الكونغرس لمنع مبيعات الأسلحة لأبو ظبي بحجة أنها حليف استراتيجي.

كما أفلتت الإمارات من أي عقاب جاد لدورها كمركز لتمويل إيران غير المشروع. كان هذا الدور محوريا لبقاء النظام الإيراني قبل اندلاع الحرب، لدرجة أن ترامب صرح هذا العام بأن الإمارات “بمثابة مصرفي لإيران”.

وخلص تحليل أجرته صحيفة “فايننشال تايمز” للعقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأمريكية على إيران إلى أن الإمارات كانت ثاني أكثر الدول ذكرا بعد الصين، على الرغم من موقف أبوظبي المتشدد تقليديا تجاه طهران. ومن بين 1,573 كيانا وفردا خاضعين للعقوبات ممن تربطهم صلات بدولة خارج إيران، يحمل 22% منهم جنسية الإمارات أو عناوينهم أو شركاتهم مسجلة فيها.

ويقول السيناتور الديمقراطي عن ولاية ميريلاند، فان هولين: “للإمارات نفوذ كبير هنا في واشنطن، نفوذ مفرط. لذا فقد أفلتت من العقاب على أمور لم تستطع دول أخرى فعلها”. ورغم كل هذا النفوذ، لم تتمكن الإمارات من منع الولايات المتحدة وإسرائيل من شن الحرب على إيران هذا العام.

إلا أن الإمارات اتخذت منذ بداية الحرب قرارا حاسما بتعزيز علاقاتها مع واشنطن وإسرائيل، بل شنت عشرات الغارات الجوية على إيران.

كما تقاربت الإمارات من إسرائيل، وفي مايو/أيار انسحبت من منظمة أوبك التي تقودها السعودية، مما زاد من تقاربها مع ترامب، الذي لطالما كره تأثير أوبك على أسعار النفط. ويضيف مسؤول إماراتي أن السعودية لم تعد القوة المهيمنة التي كانت عليها عندما زار ترامب الخليج العام الماضي.

ويتوقع بعض الخبراء أن التركيز على العلاقات الأمريكية والإسرائيلية، على حساب التحالفات الإقليمية العربية، سيؤدي إلى نتائج عكسية. ويقول أندرو ليبر، خبير شؤون الشرق الأوسط في جامعة تولين، إن الإمارات العربية المتحدة، بفعلها هذا، “تخاطر بالتنازل عن استقلالها الاستراتيجي لتلك الدول”.

كما يعتقد بعض الديمقراطيين أن يوم الإمارات أمام القضاء بات وشيكا، في حال استعاد الحزب الديمقراطي سيطرته على الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي في  تشرين الثاني/نوفمبر، الأمر الذي قد يمهد الطريق أمام تحقيقات الكونغرس.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى