فـلـسـفـــة الـعـلـــوّ والـسـمـــوّ الإنـســـانـــــي!

خاص “المدارنت”..
يقول سقراط: “إن الفضيلة هي المعرفة والرذيلة هي الجهل”.
ويقول جمال الدين الأفغاني: “إن التسفّل أيسَر من الترفّع”.
ويقول أخر: “إن الرجل العظيم، ليس هو ذلك الذي لم يسقط في حياته أبدأ، إنما هو ذلك الذي يستطيع النهوض والاستقامة والصعود مجددًا بعد السقوط والهبوط”..
فكل معرفة “فضيلة”، تعتبر ضدّ قانون الجاذبية الجهلية “الرذيلة”، لأنها ترفع الإنسان إلى الطبقات العليا للإنسانية الأخلاقية…
لذلك فإن من يملكها ويمتلكها يحتاج إلى قوة جبارة لكي يصعد إلى تلك الطبقات، ومن ثم يحتاج إلى تلك القوة لكي يحافظ على بقائه في ذلك المستوى الذي صعد إليه، حتى لا يسقط من ذلك العلو…
ذلك بعكس الجهل “الرذيلة”، التي تتوافق مع تلك الجاذبية في السقوط والهبوط… لذلك، ما أصعب الصعود والعلو وأسهل السقوط والهبوط!
إن العلو الحقيقي، هو علو النفس والذات البشرية الإنسانية وسموّها، ومن ثم تحليقها في الفضاء الإنساني الأوسع والأرحب للإنسانية جمعاء، وهذا لا يستطيع القيام به إلا العظماء الإنسانيّين، وهم قلة قليلة، فكأن العلوّ والسموّ هو ضد قانون الجاذبية الأرضية ” قانون جاذبية الانحطاط والتدني”، أما عكس ذلك فهو مع تلك الجاذبية…
لذلك، فإن عملية العلوّ والسموّ، تعدّ أمرًا صعبًا، بل بالغًا في الصعوبة، وتحتاج لمن يقوم أو يقومون بذلك إلى صفات وسمات وخصائص إنسانية ليست يَسيرة، وإلى قدرات وإمكانيات فردية في المقام الأول، ليست بالهيّنة، وإلى عزيمة وتصميم وإردة لا يمكن تخيلها..
بل أن عملية المحافظة والحفاظ على ذلك العلوّ والسموّ والاستمرار فيه أو حتى المحافظة والحفاظ على المستوى الذي وصل إليه، تعد أصعب بكثير من عملية العلوّ والسموّ ذاتها، بخاصة، عندما تعيش في مجتمع كل ما فيه يمنعك عن فعل ذلك، بل يشدّك شدًا نحو قاعِه، فهو لا يريدك أن تكون متميزًا عنه وفيه، بخاصة من أقرب المحيطين بك.. أما الهبوط فما أسهله، وما أكثر الهابطين نحو القاع..
وبناء على ذلك، فإن هنالك من يحلق عاليًا, وعيًا وفكرًا وثقافةً وعقلية، قبل قولا وعملا وسلوكا وتصرفا في الفضاء الإنساني الأوسع والأرحب, الأفضل والأجمل والأحسن للإنسانية المتمثلة والممثلة بالإنسان الفرد، والإنسان المجتمع, إنسانيته وآدميته وحريته وكرامته وعزته وحقه الطبيعي المقدس في الوجود والحقوق.. ويستمر في ذلك مهما كانت ضخامة وحجم العواصف التي تعترضه, ومهما كانت قوة الرعود التي تخيفه بصوتها, ومهما كانت حدة البرق التي تصيبه بلمعانها, ومهما كانت برودة الهواء وقسوتها, ومهما كانت الآلام والأوجاع والمعاناة القاسية التي يشعر بها ويحس بها ويعيشها, ومهما طال أمد تحليقه وكلت أجنحته وضعفت وخارت قواه حتى لو أدى كل ذلك إلى سقوطه, فسقوطه هنا بشرف وفضيلة وعزة واعتزاز وشموخ أفضل من العلو والاستمرار برذيلة ودناءة وقبح وكسر ناموس! مهما كانت المغريات.. فهم قد ملكوا وأمتلكوا زمام أنفسهم، وتمردوا تمردًا إيجابيا على الوحل الذي فرض عليهم العيش في مستنقعه، وأبوا إلا أن يحلقوا.. وهم قلة قليلة…
وهنالك من يفعل عكس ذلك تماما, ولا يستطيع التحليق عاليا، فهم قد جلبوا على العيش في قيعان الوحول والمستنقعات القذرة، وطبعوا أنفسهم عليها, وارتضوا لأنفسهم ذلك, مهما كانت ضآلة وقبح وعفن المخلفات القذرة, مخلفات أولئك الذين يربتون على رؤوسهم، ويتربعون على أكتافهم التي تفيض بها مؤخراتهم، التي يحصلون عليها, ومهما كانت روائحها الكريهة, فهم يأكلون ذلك..ويشتنشقون ذلك، أكلا نهمًا ولذيذا وروائحا عطرة، وكأنها من ألذّ المأكولات وأفخر العطورات، غير آبهين بذلك ولا متذمرين من ذلك, وغير آبهين بمن يحلق عاليا، ولا يسيطعون رفع رؤوسهم والنظر إليهم بعيونهم, حتى لو كانت مغمضة, بل أنهم إذا فعلوا ذلك فإنما من باب التشفي بهم ومحاولة جرّهم إلى الوحل الذي يقبعون في عمق أعماق الأعماق له, غير مدركين بأن من يحلق عاليا من أجلهم وفي سبيلهم..
فهم مقصوصي الأجنحة وعديمي الإرادة ومسلوبي الحرية والكرامة والعزة والاعتزاز, وفاقدي ذواتهم وذاتيتهم..
“يا إخوتي، الذين يعبرون في المساء منكّسي رؤوسكم هنا على قارعة الطريق.. إرفعوا رؤوسكم للثائر المشنوق.. سوف تصبحون مثله في الغد.. إرفعوا رؤوسكم للثائر المشنوق.. فربما إذا التقت عينيه في عيونكم تبسّم الفناء داخلي.. لأنكم رفعتم رؤوسكم مرة..”.
“العفو، إذا كانت هذه الأبيات الشعرية للشاعر المرحوم/ أمل دنقل ليست بنفس الصيغة الأصلية لها, فأنا هنا كتبتها بحسب ذاكرتي..”. وهم الغالبية العظمى..
وهنالك من يوهم الآخرين ويوهم نفسه, بل يتخيل للبعض ويخيل لهم, سواء أولئك الذين يحلقون أو أولئك القابعون بأنهم ينتمون للصنف الأول، لكنهم حقيقة ينتمون إلى الصنف الثاني، مهما حاولوا إيهام أنفسهم وإيهام الآخرين بأنهم غير ذلك، فسرعان ما تظهر حقيقتهم..
وإذا أردنا أن نعرف حقيقة أولئك الأشخاص، الذين نعتبرهم منفتحين ومتسامحين وقابلين للرأي والرأي الآخر، فما علينا إلا التعرّض لتلك الصنمية التي تسيطر عليهم وتتحكم بهم، وعيًا قبل سلوكًا، “ايديولوجية” كانت أم حزبية أم عقائدية أم فئوية أم جهوية، في كليتها أو بعض منها، فكرة أو شخصية، وفي ماضيها أو حاضرها، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، تجعلهم يظنون بأن ذلك التعرض فيه إشارة سلبية لصنميتهم! عندئذ سنتبيّن حقيقتهم، وهم من العدد الكثير الذي لا يستهان به…
الخلاصة:
ليحاول كل منا العلوّ والسموّ الإنساني والتحليق عاليًا في الفضاء الإنساني الأوسع والأرحب، مهما كانت درجة علوّه, كل بحسب قدرته وقدراته, وبحسب إمكانياته وموقعه، فما أجمل العلوّ والسموّ والتحليق عاليا، وأقبح السقوط في القيعان!
إنها فلسفة العلوّ والسموّ الإنساني، إنها عملية التحليق عاليًا، وفي نفس الوقت: إنها ضحالة السقوط والهبوط اللإنساني، إنها عملية الوقوع في قعر القاذورات..!



