عربي ودولي

“فورين بوليسي”: الناخب الأميركي يهتم بالسياسة الخارجية و”الكونغرس” الديمقراطي يجب أن يتعامل مع قلقه من “إسرائيل” و”إيران” بجدية

“المدارنت”
لفت المعلق في مجلة “فورين بوليسي” هوارد فرينتش، الى أن إنتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، أثبتت أن الأمريكيين وبشكل عام تهمهم السياسة الخارجية، وهو أمر يدعو للنظر بالمقولة أو حتى المسلمة في الصحافة الأمريكية، والتي تؤكد أن الأمريكيين لا تهمهم السياسة الخارجية، عندما يتعلق الأمر بالانتخابات الوطنية. وقد أثبت الفوز الذي حققه الديمقراطيون في الكونغرس، يوم الثلاثاء، أن هذه المقولة ليست قاعدة ثابتة.

وحتى يستدعي موثوقية لكلامه، قال فرينتش: “لا تصدقوا كلامي” ولكن انظروا إلى ما كتبه نائب الرئيس جيه دي فانس في منشور يوم الأربعاء على منصة “إكس” حلل فيه النتائج المحبطة لحزبه الجمهوري، وقال فيه: “السبب في خسارتنا هو الحرب. الرئيس نفسه قال ذلك الليلة الماضية والجميع يعلم سبب خسارتنا، وأي نقاش صريح حول وجهتنا المستقبلية يجب أن يبدأ من هنا”.

وكان فانس ينسب إلى رئيسه وضوحا في الموقف بشأن الحرب سيّئة التخطيط والتنفيذ ضد إيران، التي يعتقد العديد من المراقبين أنها كانت من أفكار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ولطالما سعى نتنياهو إلى إقناع رؤساء الولايات المتحدة بمهاجمة إيران، ووجد في ترامب أخيرا شريكا راغبا أو ساذجا.

وكما بات واضحا الآن، فشلت حرب ترامب ونتنياهو ضد إيران. ولم يتم تدمير نظام الحكم الإسلامي، ولم توقف الحرب طموحات طهران الإقليمية بشكل نهائي، بل ربما لم تقلصها حتى. ولا تزال إيران تسيطر بشكل كبير على إمدادات النفط إلى الأسواق العالمية عبر مضيق هرمز.
ولم يظهر حلفاؤها اليمنيون فقط إصرارا، بل تقدما مفاجئا في مهاجمة السعودية وحلفاء عرب رئيسيين آخرين وموردين للأسلحة للولايات المتحدة.

ويعتقد فرينتش أن هذه ليست سوى بداية المعاناة التي سببتها هذه الحرب للولايات المتحدة.
ولعل العامل الأهم في الانتخابات هو ارتفاع أسعار البنزين والديزل في الولايات المتحدة إلى مستويات أعلى بكثير من مستويات ما قبل الحرب، مما أدى إلى تفاقم التضخم ورفع أسعار الفائدة وسبب معاناة لعشرات الملايين من الأمريكيين.
وربما قال المتشككون إن هذا يؤكد ببساطة الحكمة القديمة القائلة بأن الأمريكيين لا يهتمون بالشؤون الخارجية إلا عندما تكلفهم أموالا، إلا أن هذا تمييز لا يحدث فرقا كبيرا.

فلم يكن الناخبون مترددين بشأن أسباب معاناتهم، كما أقر فانس نفسه، فقد كانوا يعلمون أنها الحرب.
ويقول الكاتب إن الحرب ضد إيران كانت وبلا شك حربا اختيارية، يرى كثير من الأمريكيين أنها غير ضرورية واستنزفت بشدة العديد من ذخائر واشنطن الأكثر تطورا وتكلفة، مما أضعف موقفها العسكري في أكثر جبهات القتال حساسية في العالم كبحر الصين الجنوبي وأوكرانيا والمناطق الحدودية لحلف الناتو مع روسيا.

وبالإضافة إلى الانتشار الموسع لمجموعات حاملات الطائرات القتالية في الشرق الأوسط، جعل هذا الاستنزاف تايوان والجزر المتنازع عليها بين بكين وطوكيو أكثر عرضة للهجوم الصيني من أي وقت مضى في الذاكرة الحديثة.
وفي الوقت نفسه، حتى لو استطاع ترامب أن يستفيق من غفلته التي يبدو أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد وضعه فيها، فإن واشنطن الآن تمتلك عددا أقل بكثير من أنظمة الأسلحة المتقدمة التي تحتاجها كييف بشدة للدفاع عن نفسها ضد هجمات موسكو الصاروخية وهجمات الطائرات المسيرة العشوائية.

وبعد انتخابات التجديد النصفي، من المرجح أن تبقى السياسة الخارجية في صدارة الصراع بين ترامب والكونغرس خلال العامين المقبلين، فالرؤساء الذين يخسرون أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما في انتخابات التجديد النصفي يواجهون عادة قيودا شديدة على صلاحياتهم. ونادرا ما تتمكن إدارتهم من تمرير أي تشريع محلي هام في ظل هذه الظروف.
ولذا، يميل الرؤساء المنتهية ولايتهم إلى تركيز جهودهم على السياسة الخارجية، وهو مجال يمنح فيه الدستور الرؤساء نفوذا هائلا.

في الوقت نفسه، من غير المرجح أن يتمكن الديمقراطيون في مجلسي الشيوخ والنواب من تمرير أي إصلاحات جوهرية يوقعها الرئيس لتصبح قانونا.
ومثل ترامب، قد يجد هؤلاء المشرعون أن بعضا من أعظم فرصهم للتأثير على السياسة الأمريكية ومكانة البلاد في العالم فيما يتعلق بالشؤون الدولية. وستكون أولويتهم القصوى، نظرا لكونها وعدا انتخابيا في جميع سباقات الكونغرس، هي إنهاء الصراع مع إيران.

وتساءل فرينتش عن كيفية تحقيق ذلك من داخل الكونغرس؟ ويجيب أنه يكمن في فرض رقابة صارمة على الميزانية، وتطبيق نظام المساءلة الذي تخلى عنه الكونغرس الجمهوري السابق تماما. ويسعى ترامب إلى زيادة هائلة في الإنفاق العسكري، ويملك الكونغرس الجديد صلاحية ضمان عدم تمويل تمديد الحرب في إيران.

وهي مهمة كبيرة ولن تكون هينة، ولطالما واجه الكونغرس صعوبة في مقاومة طلبات الإنفاق الجديدة لوزارة الدفاع (البنتاغون). لكن هذا الكونغرس، وقادته الديمقراطيين، سيحاسبون إلى حد كبير على قدرتهم على كبح جماح ترامب في الشرق الأوسط. وهذا يتطلب تدقيقا شاملا في مخصصات الإنفاق العسكري، وعقد جلسات استماع تسعى إلى استخلاص توضيحات غير مسبوقة من المعينين العسكريين والسياسيين الخارجيين للرئيس.

ويعد وزير الدفاع، بيت هيغسيث، المتغطرس وغير المستعد، الهدف الأبرز هنا. لكن وزير الخارجية، ماركو روبيو، يستحق اهتماما مماثلا. فقد كان مراوغا في التهرب من مناقشة صريحة ومفصلة للحرب على إيران، ويجب أن يتوقف هذا الآن. وإذا كانت إيران على رأس قائمة أولويات السياسة الخارجية للكونغرس الجديد، فإنها مع ذلك تواجه منافسة جدية.

وبإمكان الديمقراطيين، بل يجب عليهم، تحقيق المساءلة المطلوبة بشدة في مجالات أخرى أيضا.
وواحد منها هو التواطؤ الأمريكي المتزايد الفظاعة مع روسيا في حربها على أوكرانيا. وقد تجاوز هذا التواطؤ مؤخرا مجرد الحد من إمدادات الأسلحة إلى كييف واحتمال عرقلة عمليات الاستخبارات عبر الأقمار الصناعية من خلال نظام ستارلينك التابع لإيلون ماسك والذي تحتاجه أوكرانيا بشدة للدفاع، بل يشمل هذا التواطؤ الآن تقديم سلسلة من الدعم الاقتصادي لموسكو عبر صفقات النفط والضغط على أوروبا لاستئناف إمدادات الطاقة الروسية.

أما المجال الثاني الذي سيكون للكونغرس دور حيوي فيه، فهو التحقيق في انقلاب البيت الأبيض السريع في فنزويلا، والذي اختطف فيه رئيسا في منصبه، ونصّب عميلا له لقيادة البلاد، ثم أمّن ترتيبات مبهمةً لواشنطن والمصالح الأمريكية الخاصة في قطاع النفط الفنزويلي الضخم، وإن كان متهالكا.
وبطريقة أوسع، فقد انتهك ترامب العلاقات مع الحلفاء الصناعيين المتقدمين في جميع أنحاء العالم، من كندا إلى اليابان إلى كوريا الجنوبية. وفي الوقت نفسه، أدار ظهره لما يسمى بالعالم النامي، مظهرا استخفافا صارخا بإنسانية شعوب الدول الفقيرة، التي كان الكثير منها ينظر إلى الولايات المتحدة بإجلال.

ويجب على الكونغرس، كحد أدنى، أن يكشف عن التناقض الصارخ والتدمير الذاتي الكامن في سياسات ترامب هذه في مجالات تتراوح بين النمو الاقتصادي والدفاع المشترك والصحة العامة العالمية.
والآن جاء الدور على  إسرائيل، ليس لأنها الأقل أهمية بين هذه المواضيع، بل لأنها قد تكون الأكثر صعوبة. وسيتعين على الديمقراطيين مواجهة انقساماتهم الداخلية قبل أن يتمكنوا من مواجهة خطأ السياسة الخارجية الأمريكية تجاه إسرائيل. ومع ذلك، فقد حان الوقت للولايات المتحدة أن تتوقف عن التغاضي عن أسوأ ممارسات إسرائيل، بما في ذلك الفظائع الإبادية التي ترتكبها خلال حملتها في غزة، وعنف المستوطنين وتزايد تهجير الفلسطينيين في الضفة الغربية.

وقد حاول ترامب نفسه استباق هذه القضية يوم الانتخابات بالقول إن الولايات المتحدة لن تدعم دفاع إسرائيل بشكل كبير، كما فعلت لعقود، وستبيعها بدلا من ذلك الأسلحة التي تحتاجها، لكن الأمر يتطلب أكثر من ذلك بكثير. ولطالما كانت الولايات المتحدة شريكا لإسرائيل في تدمير المجتمعات الفلسطينية.
وقد تظاهرت لسنوات قبل إدارة ترامب بالالتزام بحل الدولتين، ثم أسقطت قناعها وتوقفت حتى عن التظاهر بالاهتمام بمصير الفلسطينيين.

ويدرك الديمقراطيون أن تزايد السخط الشعبي من عنف إسرائيل المتهور كان عاملا مهما في فوزهم هذا الأسبوع. والآن، عليهم أن يتجاوزوا الفكرة التي لا تزال رائجة في أوساط كثيرة، بأن انتقاد سلوك إسرائيل صراحة ومحاسبة هذا الحليف الأمريكي العريق يعد معاداة للسامية.

في الواقع، يتطلب التعامل مع إسرائيل احترام هذا الأمر، وكذلك يتطلب الحفاظ على التحالف الأمريكي الإسرائيلي. وفيما يتعلق بإسرائيل، كما هو الحال مع إيران، تحرك الناخبون بوتيرة أسرع من إجماع واشنطن.
كانت المقولة الشائعة أن الأمريكيين لا يصوتون على السياسة الخارجية، لكنهم فعلوا ذلك هذا الأسبوع، وعلى الديمقراطيين الذين انتخبوهم أن يأخذوا كلامهم على محمل الجد.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى