في معاني الاقتدار العربي

“المدارنت”../ لم يكن الإنسان العربي يومًا شخصًا هامشيًا على التاريخ كما الجغرافيا، وإنما يزخر تراثنا القديم والحديث، بكل ما قدمه العرب للإنسانية من حضارة ومدنية وتقدم وإبداع في مختلف مجالات العلوم التطبيقية منها، والإنسانية، والبطولات النادرة.
والعربي الذي يخاطبك اليوم من اليمن والجزيرة العربية والعراق وبلاد الشام أرض الكنانة وبلاد المرابطين، ليس سوى الامتداد البيولوجي لمن بنوا سد مأرب، ومن حملوا الرسالات السماوية إلى أصقاع العالم مبشرةً بالعدالة والرحمة، فأرسوا مداميك الأمن والاستقرار أينما حلّوا، بعدما أدهشوا العالم في بناء الأهرامات في مصر، وتصدير الأبجدية، وقانون حمورابي، وخزنة البتراء، ونواعير المياه على ارض سوريا الطبيعية، إلى جامعة القيروان، وما أضافه مغرب الوطن العربي من إضافات فكرية وفلسفية للثقافة التي حملها العرب إلى الغرب، ولم يزل يحتفظ بقواعدها وإشراقاتها في جامعاته الأكاديمية حتى اليوم…
لم يكن العربي يومًا جبانًا البتة، وهو يخوض معارك الدفاع عن القِيم الإنسانية، ويسجل له التاريخ انتصارات لم تدفع به إلى الغرور، وانكسارات لم تفتُ من عزيمته، ولم تشكل أية عوائق له نحو المحاولة من جديد، والاستعداد لما هو أخطر.
هكذا كان العربي على مدى التاريخ متمثلًا في بيتٍ من معلّقة امرؤ القيس الشهيرة وهو يمدح حصانه المتأهب للقتال:
مِكرٍّ مِفَرٍّ مُقبِلٍ مُدْبِرٍ معًا *** كجُلمودِ صخرٍ حطّه السيلُ من علِ
تلك المعادلة عبّر عنها عمر المختار ـ رحمه الله ـ في ليبيا، عندما حدّد أن للمعركة مع الأعداء وجهان: ننتصر أو نستشهد، ليُلاقيه صدام حسين وهو ينتصر في قادسية العرب الثالثة، مُكرسًا حقيقة أن ليس أمام المقاتل المؤمن سوى أعالي القمم أو تحت سنابك الخيل، والخيل العربية حصرًا، معقودٌ في نواصيها الخير على الدوام. وفي فلسطين المحتلة، لم يخرج شعبها المقاوم عن تلك المعادلة يومًا، وهو يعيش سنوات المواجهة أمام كل شياطين الأرض المتمثلة بالصهيونية العالمية ومن رعاها ويرعاها من استعمار قديم وحديث، ليستأهل ابن فلسطين اليوم أن يمثل كل عربي داخل الوطن العربي وبلاد المعمورة، وهو يتشبث بالحرية والدفاع عن قيَم الحق والعدالة وحقوق الإنسان.
إن أسطورة الفينيق لم تكن لتأتي عبثًا وتتناقلها الأجيال، لولا ما تختزنه إرادة العربي من قدرات هائلة، تغالب الفناء حاملة في ذراتها كل مقومات الاستنهاض والصمود والقيامة من جديد. تلك القيامة التي يعيشها ابن فلسطين قبل غيره من أبناء المعمورة، وهو يحيي قيامة المخلّص من الموت كل عام، لما يفوق الألفين من السنين، وقد امتزجت تربة بلاده بدماء وعذابات السيد المسيح، في بلادٍ مجّدها الخالق، بجعلها مسرى رسوله العربي ومعراجه للسماء، وأولى قبلته للصلاة.
لقد اثبت شعبنا في فلسطين المحتلة، أن العين تستطيع أن تقاوم المخرز، إذا توفر لها ظفرٌ وناب، وأن تكسر كل المعادلات التي زرعت اليأس والإحباط في الأمة، للقبول بالأمر الواقع، وتسخير كل الطاقات منذ اغتصاب فلسطين، بهدف إلغاء القضية الفلسطينية، التي بقيت رغم كل ذلك، حيةً، تتناقلها الأجيال، ليفاجأ العالم أجمع أن جيل القرن الواحد والعشرين، يعيش اليوم قضية أجداده وآبائه بوعيٍ متقدم، وصلابة مدهشة، وإصرار على التمسك بالهوية، معيدًا الصراع إلى مرحلة الأربعينات، وما قبل من القرن الماضي، وكأن الأمس يعود اليوم متكررًا ومتجددًا بهؤلاء الفتية، طليعة الجبارين.
من كان بيننا ليصدّق،غير المؤمنين بأمة العرب وقدراتها، أن نظرة الأستاذ ميشال عفلق لقضية فلسطين في منتصف أربعينات القرن الماضي، تتحقق اليوم بعد أكثر من سبعة عقود، على أيدي فتية لا يتعدون الثالثة عشر، وما فوق من ربيع العمر، وهم يؤكدون أن فلسطين لن يحررها إلا الكفاح الشعبي، وأن امتنا موجودة حيث يحمل أبناؤها السلاح… وسوف تنتصر فلسطين، ليس لان المجتمع الدولي سيعيد الحقوق إلى الشعب الفلسطيني على طبقٍ من ذهب، وإنما لأن شعب فلسطين بشيبه وشبابه، هو الذي سينتزع هذه الحقوق، مثبتًا أنه الأقدر على ذلك إذا توحدت لديه الإرادة والبندقية والموقف، في ثورة مستمرة حتى التحرير والنصر المؤزّر..



