قراءة في السياسة الخارجية الإيرانية.. الجزء “9”

خاص “المدارنت”..
تطرقنا في الجزء السابق الى التحالفات الإيرانية مع القوى الغربية، ومنها مع فرنسا في بداية القرن التاسع العشر، ولم نذكر ان التحالف كان مع الدولة القاجارية التي حكمت ايران من عام 1795 الى عام1925م. هذه التحالفات استفزت روسيا التي دخلت في حروب عديدة ضد إيران وهزمتها عدة مرات، وعقدت معها معاهدتين (كلستان عام 1813م وتركمانجاي عام 1838م)، تنازلت إيران بموجبهما عن المناطق التي كانت تسيطر عليها في بلاد القوقاز. وفي مرحلة لاحقة، تقاسمت روسيا وبريطانيا النفوذ على إيران وأصبحتا ترسمان السياسة الإيرانية على كل المستويات.
بشكل خاص، في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، اندفعت كل من روسيا وبريطانيا لتسوية الخلاف بينهما والحفاظ عَلى الحكم القاجاري، بعد ان شهدت إيران سلسلة من الاضطرابات والثورات والاحتجاجات. وتمخض عن ذلك توقيع اتفاقية 1907م التي حوّلت ايران الى مستعمرة تابعة لهما.
أثناء تلك الفترة، بعد أن توحّدت ألمانيا عام 1871م، حاولت إيران إضعاف النفوذ الروسي-البريطاني، فسعت الى بناء علاقات تعاون مع ألمانيا القيصرية. وقامت بعقد اتفاقية سريّة مع ألمانيا عام 1885م. من أجل بناء سكّة حديد في شمال إيران وشراء سفن حربية من الجيش الألماني والدخول بها الى الخليج العربي، لكن روسيا وبريطانيا رفضتا ذلك وأحبطتا تنفيذ الاتفاقية. وهنا برزت البراغماتية الإيرانية في مواجهة الضغوط الروسية-البريطانية، حيث تنازلت إيران وألغت الاتفاقية عام 1889 م.
وبموجب اتفاقية 1907 م. تم تقسيم إيران الى ثلاث مناطق نفوذ حيث خضع الشمال والوسط الإيراني للنفوذ الروسي، والشرق والجنوب خضع للنفوذ البريطاني. أما الجنوب الغربي أي الأحواز وعاصمتها المحمّرة، كانت شبه مستقلة وكان يحكمها أمراء قبيلة بني كعب العربية، كعب البوناصر ثم كعب البوكاسب، الذين دام حكمهم لها فترة طويلة حتى عام 1925م (عندما تنازلت بريطانيا عن حليفها الشيخ خزعل الكعبي لصالح الشاه رضا بهلوي وسمحت لإيران بإسقاطه واحتلال الأحواز).
بعد انتصار الثورة البلشفية عام 1917 م، غيّر لينين سياسة روسيا القيصرية الاستعمارية وألغى معاهدة ١٩٠٧ ثم عقد معاهدة مع إيران عام1919 م. وبذلك أصبحت بريطانيا القوة الوحيدة المسيطرة بدون منافس على إيران التي كانت مستعدة لتنفيذ أوامر بريطانيا وللحفاظ على مصالحها في الخليج العربي وافغانستان وغيرها.
وأثناء الحرب العالمية الثانية، كان رضا بهلوي مناصراً للنازية الألمانية، فتحالفت بريطانيا والاتحاد السوفياتي وقاما باحتلال إيران عام 1941 وبإسقاط رضا بهلوي وتنصيب ابنه محمد مكانه. وقد اتفق الشاه محمد معهما على احترام حدود إيران وعدم مقاومتها لهما ثم انسحابهما عند انتهاء الحرب العالمية، وهذا ماحصل فعلاً حيث انسحب السوفيات عام 1946 لكن بريطانيا حافظت على تواجدها في إيران وعملت على تقوية إيران وتعزيز مكانتها.
وبشكل خاص، تحالفت إيران مع بريطانيا ضد المدّ الشيوعي الذي شكّل مبرّراً أساسياً لبروز أهمية إيران في السياسات والدراسات الغربية الجيوستراتيجية والسياسية والعسكرية والاقتصادية. وفي عهد الشاه محمد بهلوي، استطاعت إيران تقديم نفسها كبلد وحيد في المنطقة يستطيع الغرب المراهنة عليه في صراع المصالح والنفوذ.
وفي وقت لاحق، خلال الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفياتي، انطلقت أمريكا في تنفيذ سياسة “سدّ أو ملء الفراغ” الاستعمارية حيث حلّ النفوذ الأميركي مكان البريطاني/الفرنسي وتولت أمريكا دعم إيران وتقوية جيشها وتسليحه. وتعزز دور إيران كشرطي في الخليج العربي لصالح الغرب وخاصة عبر الهيمنة على مضيق هرمز واحتلال الجزر الاماراتية الثلاث أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى. وبذلك تم قطع الطريق بين العراق واليمن الجنوبي، كحليفين للإتحاد السوفياتي، وعرقلة الدعم السوفياتي-العراقي لثوار ظفّار في عُمان التي كانت خاضعة لبريطانيا.
وطبيعة هذا الدور تنبع من مبدأ شبه ثابت يتجاوز طبيعة الحاكم ونوعية السلطة الحاكمة ملكية كانت أم دينية، ضمن إطار رؤية إيران لنفسها كمحور أقلّها إقليمي في التحالفات والعلاقات الدولية والاستراتيجيات الغربية. إذ حتى الآن، تطلب إيران التعامل معها وتعمل على أساس أنها دولة تشارك مع الدول الغربية في رسم السياسات الأمنية في العالم، من حيث انها شريكة في الهيمنة على المناطق الجيوستراتيجية العالمية. أما اختلافها مع الغرب فيكون في كيفية وحجم وحدود الدور تبعاً للظروف والمعادلات السائدة.
على سبيل المثال، في فترة الحرب الباردة، دعمت إيران، كحليفة لأمريكا، الأكراد بقيادة مصطفى البرزاني ضد العراق، كحليف للإتحاد السوفياتي، مما أدّى الى استنزاف العراق وإجباره على توقيع اتفاقية الجزائر عام ١٩٧٥ لصالح إيران، التي وقعّها نائب الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين وشاه إيران محمد رضا بهلوي بإشراف الرئيس الجزائري السابق هواري بومدين. وهكذا، عبر تعاملها وتعاونها مع الغرب وتمرُّسِها بالتعامل مع الأقوياء، استطاعت إيران تحقيق مكاسب كبيرة على حساب الدول العربية أي العراق ودول الخليج.
في الجزء القادم وهو الأخير، سنختم قراءتنا للسياسة الخارجية الإيرانية، بتناولها في المرحلة الراهنة التي بدأت بإسقاط الشاه عام 1979.
* استاذ التاريخ والدراسات الإسلامية في “جامعة بوخوم” ـ ألمانيا.
=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=



