قـِمــــم.. بـــلا هـِمـــــم!

خاص “المدارنت”..
إستولد الفكر السياسي العربي من احتياجات الواقع ومن حلم العرب بالوحدة، جامعة الدول العربية، كأول مؤسّسة قومية في آذار من عام 1945، لتقوم بدور الناظم في العلاقات القومية بين الأقطار العربية المنضوية في إطارها، ثم التدخل في صياغة المستوى العام لعلاقات الأقطار العربية الأعضاء مع بقية الكيانات في العالم، سواء أكانت دولاً أو تجمعات أو منظمات إقليمية ودولية.
ومثلما بدأت الجامعة العربية، جاءت فكرة القمة العربية، ويُذكَر أن أول مؤتمر قمة انعقد في كانون الثاني من عام 1964 في القاهرة، فكانت أول ولادة سنوية للقاء القادة العرب بشكل سنوي ودوري في كل عام، بوطن عربي وعاصمة جديدة.
وبشكل عملي، يمكن القول، أن مؤسسة القمة العربية كمؤسسة قومية، جاءت لتدارك وضع لم تستطع جامعة الدول العربية، التكيف معه في علاقة هذه المؤسسة بالقادة العرب، الذين طالما تطلعوا إلى الجامعة، باعتبارها مستوى وزارياً في العلاقات العربية، وليست مؤسسة على مستوى قادة، وبهذا المعنى، فقد كان ميلاد القمة العربية، يتضمن تطويراً لمستوى العلاقات العربية/ العربية.
إن القمة العربية كمؤسسة قومية، ولدت على قاعدة أساسها تطورات الصراع العربي/ الصهيوني، وهو أمر حافظ على أهميته ومركزيته بصورة شبه دائمة في جداول أعمال القمم العربية وبياناتها، وفي ذلك كان لا بد من التفاهم والتقارب العربي، ليتمكن القادة من الإجتماع وبحث القضايا المطروحة، وعليه فإن استمرار القمة وانعقاد دوراتها المتتالية، افترضت تضامناً عربياً في حدود معيّنة للسير بالعمل العربي المشترك، على مستوى القمة باتجاه أهدافه ومراميه.
والقمة العربية، كمؤسسة قومية هدفها ترتيب علاقات ومواقف عربية على مستوى القادة، مما استلزم مستوى معيناً من الوحدة على المستوى القومي، من حيث التقارب والتآلف، ولكن الأمر لم يكن يخلو بصورة مستمرة من أهداف مبطنة لهذا القطر العربي أو ذاك، أو لهذه المجموعة أو تلك من الأقطار العربية.
ومنذ انبعاث القمم العربية، ظهرت قضايا أساسية على جدول الأعمال، باعتبارها محور اهتمام القادة العرب وهي:
1 – إنهاض الوضع العربي في مواجهة الأخطار المختلفة وخاصة الخطر الصهيوني
2 – دعم وتأييد القضية الفلسطينية ونضال الشعب العربي الفلسطيني
3 – معالجة الأوضاع والعلاقات العربية/ العربية على قاعدة التضامن العربي
4 – إستمرار عمل القمة كمؤسسة قومية، تحاول تطوير الفعل العربي في كافة المجالات، وإذا كانت القضايا الأربع تحظى باهتمام القادة العرب، فإن هذه القضايا المتفق عليها في الإطار العام، كانت موضع خلافات وصراعات واسعة داخل القمم العربية، وذلك من خلال التفاصيل والتطورات المحيطة بكل واحدة من هذه القضايا، وعلى سبيل المثال، في موضوع إنهاض الوضع العربي، تداخلت العوامل السياسية بتفاصيلها العجيبة في أكثر من قمة عربية، من أجل ترتيب الأخطار المحدقة بالواقع العربي، فحصلت خلافات وصراعات عربية حول تحديد أيّهما أهمّ وأكثر خطراً “الخطر الإيراني” أم “الخطر الصهيوني”؟!
وزاد الطين بلة، ما تبجّح به ونطق ما يُسمى بـ”رئيس سوريا” بشار الأسد، أن هناك خطرًا جديدًا هو (الخطر العثماني أو التركي)، من دون أن يردعه أحد من القادة، ما أثار حفيظة أمير قطر الذي أحس بثِقَل وجود مجرم حرب في القمة، فانسحب قبل أن يدلي الأسد بدلوه، وكأنه يستجدي عطف العرب، من أجل أن يرفع سيف السلطان العثماني (العادل) عنه.
وللحقيقة، آخر مَن يحق له الكلام عن تركيا والعثمانيين، الرئيس السوري، الذي باع وطنه للغرباء وقتل شعبه، ودمر وأحرق أرضه، ويزعم أنه في كل إنتخابات رئاسية يفوز بـ99,99% من أصوات الشعب، على تقديماته وتفانيه في خدمة شعبه، والطيب أردوغان، ورغم الثورة الكبرى التي أحدثها من نشل تركيا كدولة مهترئة مديونة، إلى دولة كبرى منتجة وصناعية متقدمة على دول العالم، وهي الشغل الشاغل حالياً للدول العالمية، فالطيب، وخلال دورتين إنتخابيتين، ورغم كل ما بذله لشعبه، فإنه لم يتجاوز الـ60 بالمئة من أصوات الناخبين، وهذا درس للزعماء الأصنام العرب، الذين ينالون في كل إنتخابات فوق المئة بالمئة، لـ”عدالتهم ومحبتهم وقربهم من شعوبهم”.
بطبيعة الحال، أدت الخلافات والمنازعات العربية داخل القمم العربية، إلى التأثير على مستوى وحجم المشاركة في دوراتها، وفي حدود الواقع الأليم، والإحتياجات العربية في القرن الواحد والعشرين، يبدو أن تحركاً عربياً من أجل تطوير هذه المؤسسة القومية، بات شيئاً مطلوباً وضرورياً، ذلك أن العرب لا يواجهون تحديات الواقع والمستقبل فحسب، وإنّما تحديات الوجود في الوقت عينه..



