مقالات

كارثة الليطاني.. الى متى الاستهتار بحياة الناس؟!

د. حمّود

//خاص المدارنت//.. كتب د. جميل علي حمّود/ لبنان

الأيام تمر وتتوالى، المهل تطول، ثم تمدّد وتجدّد، فتطول اكثر و اكثر، الخطابات والتصريحات “الطنانة الرنّانة” تأتيك من كل حدب وصوب، الاجتماعات تعقد وتناقش وتتطابق وجهات النظر. لكن كل الضجيج هذا لم ينقذ بقاعي من بلدة برالياس مصاب بالسرطان مثلاً، ولا حتى من جلسة علاج كيميائي او إشعاعي واحدة.

لست مكلفاً الحديث باسم أهالي البلدة، ولا هم في حاجة لي، لكني ما ظننت انهم يفتخرون ويرفعون الرأس عالياً، احتفالا بتتويج برالياس البلدة الأكثر إصابة بالسرطان. لم أسألهم لكني أعرفهم. كان بود اهالي برالياس ان يدخلو التاريخ وكتب الارقام القياسية بانجاز إيجابي، انجاز من قبيل فوز احد اندية البلدة ببطولة الدوري اللبناني للدرجة الثالثة في كرة القدم، وتأهله للصعود الى الدرجة الثانية. لكن ما السبيل وقد حكمت اقدار الجغرافيا على البلدة ان تقع على ضفاف أطول نهر، ربما الأصح أطول مجرور، وهو الليطاني! وما السبيل؟ وقد حكمت اقدار السياسة ان تقع البلدة ضمن حدود محافظة غائبة عن وعي الوطن، اللهم إلاّ في موسم الصيد!

لقد تحوّل الليطاني الى ثعبان بطول ما بزيد عن 199 كلم، يبث سمومه يمينا وبسارا، من منبعه في البقاع الشمالي، الى مصبّه في الجنوب. وفي الوقت الذي ينخفض فيه منسوب مياه النهر نتيجة تغيرات مناخبة عدة، يضجّ حوضه مع ضفافه باشكال والوان من السموم القاتلة والمسببة للامراض، التي لم نعد نعرف ونحصي انواعها وأسماءها.

عشرات المصانع ترمي نفاياتها الصناعية في النهر. لكن اصحاب المصانع يُدينون التلوث. اما وزارة الصناعة فقد اعلنت الانتهاء من المرحلة الثانية من خطة صِفر نفايات صناعية، وبدأت المرحلة الثالثة. ثم تأتي بعدها المرحلة الرابعة، وربما الخامسة، وتمر الايام والشهور والسنين، والنهر يعجّ بالنفايات الصناعية. ونحن ماذا نقول لأم طفل من اي من البلدات المنتشرة على ضفاف النهر؟ اعذرينا سيّدتي، فنحن لا زلنا في المرحلة الثالثة!

المستشفيات تتخلص من نفاياتها الطبية القاتلة في مجرى وحوض الليطاني. ايّ منطق هذا؟ وايّ مسوّغ هذا الذي تبني عليه مؤسسة صحية، عندما تعالج مواطنا بإصابة او قتل مواطنا آخر؟! و هل انسانية الذي يدخل مستشفى للعلاج اكبر قيمة من الذي يسكن على ضفاف النهر؟!

البلديات تتفنّن في كيفية تحويل مياه الصرف الصحي الى مجرى الليطاني. ملايين الدولارات صُرفت على معامل تكرير لا تعمل، او تعمل بطافة محدودة او ينقصها معدات أو… وهل تصدقون ان معمل تكرير مدينة زحلة بقي لسنوات وسنوات معطّل عن العمل، لأنهم لم يجدوا طريقة لتغذيته بالتيار الكهربائي؟! رؤساء بلديات ومجالس بلدية يتباهون بزرع شجرة او اثنتين هنا او هناك، فيما سموم صرفهم الصحي تقضي على آلاف الأشجار والنبتات؟!

أما تعاطي المزارعين مع الليطاني، فيضيف عجيبة الى عجائب الدنيا السبع. يرمون أدويتهم الزراعية في النهر، ثم يستعملون مياهه لريّ الفواكة و الخضار التي يطعوننا!

الى متى تستمر المعاناة؟! الى متى تطول المهل؟! هل من نهاية للمماطلة والتسويف على حساب حياتنا؟! متى يصبح المسؤول مسؤولاً؟!

القتل جريمة يعاقب عليها القانون، وإن وقع بالخطأ. فما بالكم بمن يقتلنا كلّ يوم، وهو عالم باذى سمومه؟! ألا يرتقي تلويث الليطاني الى جريمة جماعية ضدّ الانسانية؟! الى متى الاستهتار والاستخفاف بحياة الناس؟!

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى