لبنان.. بيئة ونفايات ونكد الزمان

خاص “المدارنت”..
لعل أسوأ ما يمر على اللبنانيين من مهازل، هو أن تستحوذ مسألة النفايات على حيّز كبير غير مسبوق في يومياتهم وأوضاعهم الصحية، في ظل وجود وزارةٍ للبيئة يخالها الناظر إلى مردودها على امتداد ساحة الوطن وكأنها تعمل في البلاد الاسكندنافية، أو على ظهر كوكب من الكواكب… وما من رابط لها بهذا البلد للأسف سوى التسمية وحسب…!
لقد عوّل كثيرون على وزير البيئة الحالي، المتخصص فعليا بشوؤن البيئة، القادم من صرح الجامعة الأميركية في بيروت، والذي طالما كانت له مداخلاته القيّمة في كل ما يتعلق بالبيئة، غير أنه وبعد تبوُئه الوزارة تحوّل إلى رقمٍ كعديد وزرائنا الذين تظنُهم ولوهلة كبيرة، أنهم المعنيين فعلا في كتاب أبي العلاء المعري «لزوم ما لا يلزم»…
فقد سبق لنا وتوسّمنا خيراً بوجود أكثر من وزير متخصص على رأس وزارة البيئة، وتوهمنا للوهلة الأولى أن تكون هذه الوزارة في مقدمة الوزارات الحيوية التي تسبق في أهميتها ما يسمى وزارات سيادية وخدماتية.. وهذا ما تنبّهت له عديد من الدول المتقدمة التي جعلت من وزارة البيئة، الدينامو الفاعل في ترسيخ مفهوم التنمية المستدامة، والحفاظ على الطبيعة، وتحديد معايير التخلص من النفايات والفضلات المتأتية من مختلف الأنشطة في البلد .ولم نسمع مطلقا أن واحدة من هذه البلدان قد حوّلت أراضيها إلى مكبّات لقماماتها، وأن أجمل ما فيها من مساحات عقارية خضراء قد تحوّلت إلى أراضٍ غير صالحة للسكن فحسب، وإنما تحوّلت إلى بؤرٍ تنشر الأوبئة والأمراض، وتزيد من أعباء الوطن تلوّثاً للجو والبر والبحر معًا.
ماذا نقول في بلدٍ ذي مساحة صغيرة كلبنان مُرشّح يومًا لأن يتحول برمته إلى مكّبٍّ كبير للنفايات، يمتد على طول شريطه الساحلي، ابتداء من صيدا إلى الناعمة والكوستا برافا إلى برج حمّود فالجديدة وصولا إلى طرابلس… وأن كلا من هذه المواقع يحوي مكبّا كفيلاً لوحده بتدمير صحة كل من يحيط به من سكن وسكان وحياة، وكلها قد تجاوزت الشروط البيئية التي أنشئت على أساسها، وتجاوزت أيضا مساحاتها أضعاف.. أضعاف.. ما يجب أن تكون عليه…! هذا من دون التطرُق إلى مئات المطامر غير الصحية الأخرى، المنتشرة في أعالي الجبال اللبنانية وخطورتها على المياه الجوفية قدر خطورة مطامر الساحل على الثروة السمكية في البحر.
إن في الانفجارات الصغيرة المتقطعة الحاصلة هذه الأيام في مطمر طرابلس لهي خير عبرة، ومما يؤكد ما نحن بصدده، وكذلك على فشل السياسة البيئية الذريع في لبنان، وخصوصا أن هذا المطمر قد أصبح جبلاً يقارب ارتفاعه الخمسين متراً، بعرضٍ متمّدد كفيل بإلحاق الأذى في المدينةٍ بأكملها، وبمقدوره إزالتها عن بكرة أبيها…! بل قد يمتد أذاه إلى مناطق الجوار، وأيضاً إلى مناطق الكورة والضنية وصولا إلى عكار…

إن ما حصل مؤخراً من اشتعال للغازات الكامنة في هذا المطمر، وتصاعد دخانها الأسود المُحمّل بالسموم السرطانية، لهو أمر في منتهى الخطورة، ويستدعي دق ناقوس الخطر. لعلّ وزارة البيئة اللبنانية تفيق من غفوتها، وتتذكر أنه قد آن الأوان لمعالجات سريعة وجذرية لما ينتظرنا من أخطار مستدامة، بدل تحقيق التنمية المستدامة التي هي عمل ومهام وزارة البيئة أساساً في ظل عدم وجود أية رؤية أو خطط بيئية مستقبلية تضع البلد على سكة السلامة الصحية، وهذا ما يدفع الى التساؤل:
– كيف أن بلداناً عرفت كيف تستفيد من قمامتها، وجعلت منها ثروة قومية لا يستهان بها، سواء بتدويرها وإعادة استخدامها، أو بحرقها وتحويلها إلى طاقة كهربائية توفّر عليها المليارات التي تدفعها لشراء المشتقات النفطية، ونعجز عن كل ذلك في لبنان الأخضر…!؟
إنه لمن نكد الزمان على هذا البلد، ما نشهده من تضخُم الأنا لدى عديد من الذين يطلون علينا صباحاً مساء، وهم يُنظّرون في موضوع البيئة، ويرمون بالكلام شمالاً ويميناً بلا طائل حول اقتراحاتهم البيئية التي لم تثمر سوى المزيد من تفاقم الأزمات، وجمود الخطط المطلوبة لمعالجتها…! فلا معامل التدوير عُمِلَ بها، وكذلك الميزانيات التي خصصت لذلك لا نعرف أين ذهبت…! وتمخضت في نهاية الأمر كل الخطط عن بعض المبادرات الخجولة في بعض القرى، من دون أن ننسى أن مدينة كطرابلس قد تيسر لها يوماً إنشاء معمل كبيراً للتدوير، لكنه تحوّل اليوم بدوره إلى مكب لخردته التي تحتاج للصيانة والتأهيل بعد سنوات الإهمال المتراكمة…!
أما المحارق، فإن مجرّد الحديث عنها هو بمثابة الشعور بالذنب لكثرة المُعْترضين عليها من دون الإشارة إلى أن دولا أوروبية متقدمة كالنمسا مثلاً، لديها أهم المحارق التي تتمتع بكل الشروط البيئية في وسط العاصمة فيينا، التي تستفيد من الطاقة الكهربائية الناتجة عن إحراق النفايات، مع الإشارة أيضاً إلى أن دولاً أخرى كالنرويج، لا تكتفي بنفاياتها فقط للاستفادة من حرقها، وإنما تشتري أيضا آلاف الأطنان من الدول المجاورة لهذه الغاية.
فأي مصيرٍ بيئي قاتم ينتظرنا، ونحن نعجز عن تدبير أمورنا بأنفسنا في ظل سياساتٍ عامة تتحكم بنا، على أيدي نفايات الساسة…!





بوجود زبالة السياسة ونفايات الفاسدين من المتحكمين برقاب العباد،إضافة الى تخلف شعبنا وهرولته خلف المذاهب والإنتماءات العشائرية وبعده عن الموضوعية،لن نتمكن من التمتع بجمال بلدنا قبل أن نودع..