مقالات

لبنان بين “التغييريّين” و”السفاريّين”

د. حسام محيي الدين/ لبنان
خاص “المدارنت”..
من المؤسف أن يسمع ويقرأ اللبنانيون الصابرون، من بين سطور الأخبار، ومن فوق الطاولة ومن تحت الطاولة، “انتظارات” طبقة سياسية متعالية على كل آلام الشعب، بل “تطلعاتها” المتفائلة الى الخارج. إذ لم يعتد ربما هؤلاء، على أخذ قرار حرّ، سيد، ومستقل، لا هم، ولا حتى أسلافهم منذ عام 1943. ولعل بشارة الخوري، “ربما” كان آخر رئيس جمهورية ثار الشعب من أجل وجوده وكرامته، وكلمته السيدة الحرة المستقلة عن الانتداب. ولعل رياض الصلح ايضاً كان آخر رئيس حكومة، قامت قيامة الشعب، من اجل إخراجه ورفاقه من سجن قلعة الشقيف؛ ولعله هو، كان آخر سياسي رفض الصفقات مع الفرنسيين (أي الخارج)، مقابل حريته مصرّاً كرئيس الجمهورية على حرية زملائه وعلى سيادة واستقلال الوطن، كل الوطن، دون تجزئة، ودون اقتطاع.
إن المسرحيات المتوالية لانتخاب “رؤساء جمهورية”، والتي يشهدها مجلس النواب اللبناني حالياً، إنما تؤكد على مدى تردّي الحسّ الوطني لدى الطبقة السياسية، الرافضة للخروج من عنق الزجاجة، والمصرّة على عدم تدوير الزوايا، والمتعنتة بمواقفها على الرغم من السمعة الطويلة والعريضة للديموقراطية اللبنانية التوافقية. والواقع ليست العلة في الدستور، ولا في النصوص التي تصرّ، وفق الآليات الديموقراطية المتعددة، على دفع السياسيين الى التوافق، بل في النفوس التي ترفض المسلمات الأساسية في هذه الديموقراطية الفريدة. إذ ما نفع الآليات الديموقراطية، حتى ولو تمّ تحديثها، إذا كان السياسيون اللبنانيون يصرّون على البحث في زوايا المواد الدستورية، وعلى أطراف الهاوية والأعراف السياسية، وتحت ظلال عباءة التوافق، وتحت شماعة الميثاقية المقسّمة على المسطرة الميليمترية، عن كلّ حجر عثرة سياسية، وعن كل انسداد يخدم مصالح ضيّقة، ولا يقارب مصلحة الوطن، ولا مصلحة الشعب، لا من قريب ولا من بعيد.
لم يعد الشعب يصدّق هذه الخطابات الطوباوية، الموسومة بالدجل والتزييف المكشوف، لا من “السفاريّين” ولا من “التغييريّين”؛ فالأزمة أصبحت أعمق من أن يطالها حديث الصالونات حول التخلص من الطائفية عبر إطلاق النار “الآن”، وقبل أية أولوية أخرى، على قوانين الأحوال الشخصية؛ وصوتها أضحى أقوى من مناوشات المواقع المأزومة مع نفسها، قبل أن تكون متأزّمة مع الآخرين. فالشعب يعاني من آلام لقمة الخبز، ومن فقدان حليب الأطفال، ومن التهاب أسعار الدواء، ومن غياب الضمانات الصحية، ومن “شيزوفرينا” الحد الأدنى للأجور، وسعر الدولار الرسمي، ولعبة الغميضة بين الوزارات والعالم الواقعي للاقتصاد اللبناني! ولم يعد يعنيه، مَن مِن هؤلاء السياسيين سيستحي، أو سيحفظ ماء وجهه، بممارسة الديموقراطية ولو مع “نفسه”.
يبدو أن هؤلاء، كانوا وما زالوا متربعين على سكوت الشعب المطبق، عن أضاليلهم، وعن محاولة تزويرهم للتاريخ، متفائلين بأن برجهم العاجي ما زال يثير دهشة الناس، وما يزال يجذب إعجاب “الخارج” بحبالهم التي تسعى، ويراكمون بسحر كلامهم المعسول أرصدة المحبة على كراسٍ ضيقة في السفارات الأجنبية! وما يزالوا، على الرغم من الانهيار العظيم، ينتظرون هذا الخارج عبر لقاءاته الرباعية والسداسية، لتجدّ لهم مخرجاً من الإنسداد الديمقراطي الذي يكرر نفسه، مرة بعد مرة، لا بسبب الدستور، بل بسبب أساليب السحر التي باتت تافهة بنظر نصف الكرة الأرضية.
والشعب هذا الصامت الأكبر، وبعد أن عطلوا نقاباته وروابطه وديناميته الديمقراطية، بات هذا المظلوم، الذي وإن طالت آلامه، وإن استدام ولو حيناً انتظاره، “يده بيضاء” ناصعة، ويعلم متى وكيف تُمسَك العصا، وربما لن يتمهّل في إطلاقها لتأكل حبالهم وحيلهم التي أرهقت كاهل الدولة، لعلها تتحرر وتنجب على أرض سيدة، شعباً حراً، وسلطة مستقلة.
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى