مقالات

.. لتسقط الاستشارات قبل أن تبدأ

د. جميل علي حمّود/ لبنان

خاص “المدارنت”..

وفي اليوم الواحد والاربعين بعد استقالة الرئيس (المستقيل سعد) الحربري، “تكرّم” رئيس الجمهورية (ميشال عون)، ودعا الى عقد الاستشارات النيابية الملزمة، بهدف تسمية رئيس حكومة جديد.

وكانت مجموعات الإنتفاضة قد وجهت انتقادات متعددة لتأخير الاستشارات، وطالبت مرارا وتكرارا بعقدها فورا. لكن مطالبات الإنتفاضة لم تجد أذانا صاغية لدى قصر بعبدا، الذي ردت دوائره بأن الدستور لم يلزم الرئيس بفترة زمنية محددة. صحيح ان الدستور لم يلزم الرئيس بالحرف وبالنص. لكن اليس من المسلم به من حيث المبدأ، وبالتالي من حيث مقصد وروحية النصوص الدستورية، ان حسن إدارة الشأن العام، لا يحتمل الفراغ في اعلى سلطة تنفيذية متمثلة بمجلس الوزراء مجتمعا؟

علماً أننا، وإن تجاوزنا مقتضيات حسن الادارة المبدئية، فإننا لا نستطيع إلا ان نستغرب ونستهجن مسلكية رئيس الجمهورية ازاء عقد الاستشارات، الذي بدأ في تأخيره لها غير عابئاً لا بأزمة البلد الاقتصادية الحادة، ولا بوضع الوطن النقدي الطارئ، ولا بالحراك الشعبي العارم والمستمر منذ اكثر من ٥٠ يوماً.

إن حقيقة الامر، هي ان الرئيس تجاهل خطورة ازمة البلد، التي تستوجب معالجات سريعة، وانصرف الى مشاورات وتسويات المحاصصة والنفوذ والمصالح الفردية والفئوية، مع قوى السلطة الاخرى، وكأن لا انتفاضة قامت، ولا الناس تحتج على منهجية الحكم السائدة. واذا صحّ ما تداولته بعض وسائل الإعلام، فإن الرئيس ذهب أبعد من ذلك، ليعطي أولوية لتأمين مستقبل صهره السياسي على الحفاظ على عهده.

الى ذلك، ومهما يكن من أمر التعطيل والتسويف، فإن رواية الاستشارات كما أصبحت متداولة على كل شفة ولسان، تؤكد طبيعتها الشكلية وعدم جدية مضمونها. فالطبخة طبخت والحصص توزعت، والادوار وزعت، والابطال عهدناهم وخبرناهم منذ ما لا يقل عن ثلاثة عفود من الزمن. وبالتالي، فان عقد الإستشارات، الذي بات يعتريه شكوك، سيعيد انتاج نفس منظومة الحكم، بنفس القوى، وعلى نفس المنهجية التي تستبيح المال العام، وتنهب مقدرات الوطن وتفقر الناس.

ليس مهما من سيُسمّى ليقود الحكومة. فالاشخاص يأتون ويذهبون. انما المهم هو آليات الحكم واعرافه وتقاليده، التي متى طبقت، دامت لاجيال واجيال. لقد برهنت آليات الوصول الى الاستشارات المزمع إجراؤها، أن قوى السلطة لم تغيّر شيئًا ولم تتغير بشيء، على الرغم من خطابها المدّعي تفهّم مطالب الناس، وعلى الرغم من إقرارها المعلن بالحاجة الى الاصلاح و تعديل المسار.

كما برهنت هذه الآليات، أنها لا تتجاوب مع مطالب الإنتفاضة، ولا حتى في الحد الأدنى. يضاف الى ذلك، وهذا هو بيت القصيد، أن ممارسات قوى السلطة في الوصول الى الإستشارات، أكدت مرة جديدة حكمة شعبية معروفة، تقول “فاقد الشيء لا يعطيه”.

لذلك، وبناءَا على ما تقدم، نقول: إن هذه الاستشارات يجب أن تسقط قبل أن تبدأ.

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى