لمحاسبة “الشبيحة” في سوريا بعيدُا من الثأر!

“المدارنت”
لا تُختبر الدول الخارجة من سنوات العنف فقط بقدرتها على وقف إطلاق النار أو إعادة فتح المؤسسات، بل بالطريقة التي تنظر بها إلى جراح الضحايا. وفي سورية، يقف مطلب محاسبة الشبيحة والمتورطين في القتل والتعذيب والانتهاكات الجسيمة في قلب أي حديث جدي عن مستقبل الدولة.
لكن هذا الاستحقاق يطرح معادلة شديدة الحساسية: كيف يُنصف الضحايا من دون أن تتحول المحاسبة إلى ثأر جماعي يعيد إنتاج المأساة؟
العدالة الانتقالية لا تعني النسيان، ولا تمنح الجناة عفواً مجانياً باسم المصالحة. جوهرها كشف الحقيقة، وتحديد المسؤوليات، ومنع الإفلات من العقاب، ورد الاعتبار إلى من دفعوا الثمن. فذوو الشهداء والمعتقلون السابقون والناجون من التعذيب لا يمكن مطالبتهم بطي الصفحة قبل أن يعرفوا من ارتكب الجريمة، ومن أصدر الأوامر، وكيف سيحاسَب المسؤولون عنها. والمصالحة التي تتجاهل المظالم ليست سلاماً، بل هدنة مؤقتة تحتفظ في داخلها بأسباب الانفجار.
في المقابل، لا يمكن بناء دولة القانون بمنطق الانتقام. فالعدالة الانتقامية لا تميز بين مجرم وغير مجرم، وقد تحوّل الانتماء الطائفي أو المناطقي أو حتى الوظيفة السابقة إلى تهمة جماعية. عندها تنتقل البلاد من ظلم إلى ظلم آخر، وتُخلق مظلوميات جديدة يستثمرها المتطرفون وأصحاب مشاريع التفكيك. المسؤولية يجب أن تبقى فردية، والعقوبة يجب أن تستند إلى دليل ومحاكمة عادلة، لا إلى الغضب أو الشبهة أو الهوية.
المشكلة أن بطء المحاسبة، مع بقاء بعض الوجوه المرتبطة بالنظام السابق في مؤسسات الدولة أو المجال العام، يوسع الفجوة بين السلطة وقطاعات من الشارع الثوري. وحين يشعر أصحاب المظالم بأن المصالحة تُستخدم لتعويم المتورطين أو تبييض الماضي، يصبح الاحتقان مفهوماً وخطيراً في آن واحد. لذلك لا تكفي الدعوات الأخلاقية إلى ضبط النفس؛ المطلوب مسار مؤسسي مرئي يثبت أن العدالة تتحرك وأن النفوذ السياسي أو المالي لن يوفر الحماية لأحد.
هذا المسار يبدأ بهيئة وطنية مستقلة للعدالة الانتقالية تتولى توثيق الجرائم وحفظ الأدلة وكشف مصير المفقودين وإحالة الملفات إلى قضاء مختص. ويحتاج كذلك إلى محاكمات عادلة وعلنية في قضايا جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة، وإلى معايير واضحة تميز بين من قتل وعذب أو أصدر الأوامر، ومن استفاد من منظومة الفساد، ومن كان موظفاً عادياً لم يشارك في جريمة. فلا يجوز وضع الجميع في سلة واحدة، كما لا يجوز استخدام صعوبة التمييز ذريعة لتعطيل المحاسبة.
وللضحايا حق يتجاوز الحكم القضائي. جبر الضرر والتعويض والاعتراف الرسمي بالمعاناة والكشف عن الحقيقة خطوات تعيد للناس شيئاً من كرامتهم، فيما يضمن إصلاح المؤسسات الأمنية والإدارية ألا تتكرر الانتهاكات بأسماء جديدة. العدالة هنا ليست ملفاً قانونياً فحسب، بل أساس لإعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة.
سورية لا تحتمل عدالة شكلية تُرجئ الحساب إلى أجل غير معلوم، كما لا تحتمل ثأراً يفتح حرباً أهلية داخل الذاكرة والمجتمع. الطريق الأصعب، لكنه الوحيد القادر على حماية المستقبل، هو عدالة انتقالية حازمة مع الجناة ومنصفة في إجراءاتها: تجعل القانون أقوى من الانتقام، وحق الضحايا أقوى من الإفلات من العقاب.



