مقالات

مأزق النظام الإيراني وموقف النخبة العربية!

د. سامي خاطر/ فلسطين

خاص “المدارنت”
بنيان السياسة الإقليمية ومأزق الاسترضاء
يعكس الموقف الأخير الصادر عن أكثر من 120 شخصية عربية، رفيعة المستوى تضم برلمانيّين حاليّين وسابقين ووزراء سابقين من الأردن، وسوريا، والعراق، وفلسطين، ولبنان، ومصر، والمغرب، واليمن، تحولاً نوعياً في المقاربة السياسية العربية تجاه طهران. لم يعد النقاش منحصراً في حدود الإدانة الديبلوماسية التقليدية، بل تجاوزها إلى تفكيك استراتيجي لبنية النظام الإيراني الذي يعتمد على تصدير الأزمات كآلية بقاء وجودية.

تؤكد التقارير الميدانية المستقلة ومراكز الرصد الدولية أن الضربات العسكرية الخارجية وحدها، ورغم كشفها لهشاشة البنى الأمنية والعسكرية، تعجز عن إحداث تغيير سياسي مستدام طالما غاب استهداف ركائز الاستبداد الداخلي، ما يجعل الرهان على الحلول العسكرية المطلقة رهاناً قاصراً عن معالجة جذور المعضلة الإقليمية.

إن هذا الإجماع العربي الواسع يشير بوضوح إلى وعي متزايد بخطورة الأجندة التوسعية على الأمن القومي العربي، وضرورة صياغة رؤية مشتركة تواجه التدخلات السافرة دون الانجرار وراء فخ الحروب المفتوحة التي تخدم طموحات النظام في توحيد الجبهة الداخلية عبر التخويف الخارجي.

سقوط أوهام الحياد الإقليمي
أثبتت التطورات الميدانية الأخيرة أن سياسة الاسترضاء والمهادنة التي اتبعتها بعض الأطراف الإقليمية لم تحقق الهدف المرجو في تحييد النفوذ العدواني أو احتواء التوتر. فعندما تشتد الأزمات البنيوية والاختناقات الاقتصادية داخل الجغرافيا الإيرانية، لا يتردد نظام الملالي في توجيه نيرانه نحو دول الجوار، بغض النظر عن مواقفها الحيادية أو أدوارها الوسيطة المحمودة – مثل قطر وسلطنة عمان والمملكة العربية السعودية التي لم تسلم هي الأخرى من تداعيات الهجمات.

إن استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة والميليشيات الوكيلة لا يمثل تكتيكاً عارضاً، بل هو الركيزة الثابتة لاستمرار سلطة أفرغت مفهوم سيادة الدول من مضمونه، وأثبتت أنها لا تفرق بين دولة واجهت سياساتها ودولة حاولت فتح أبواب الوساطة معها. وتؤكد هذه المعطيات بطلان رهانات التهدئة مع نظام اتخذ من الفوضى المستدامة عقيدة سياسية لإدارة أزماته المتراكمة.

عقيدة البقاء القمعية والبرنامج النووي
على مدار سبعة وأربعين عاماً، تحولت ركائز النظام الإيراني – المتمثلة في القمع الداخلي، والإرهاب العابر للحدود، والسعي المحموم لامتلاك السلاح النووي – إلى أعمدة صلبة لضمان استمرارية الحكم على أنقاض استقرار المنطقة وشعوبها.

إن التمسك بهذه الملفات الإستراتيجية ورفض التنازلات الجوهرية لا يعبران عن صلابة سياسية أو ثقة بالنفس، بل يصدران عن خوف وجودي عميق. يدرك رأس الهرم السياسي أن أي تراجع في أدوات القمع أو الملفات الإقليمية سيؤدي حتماً إلى تصدع داخلي لا يمكن احتواؤه، لا سيما في ظل مجتمع يعاني من اقتصاد منهك وانهيار واسع في منظومة الخدمات الأساسية، فضلاً عن تفاقم البطالة وتراجع القيمة الشرائية للعملة الوطنية لمستويات غير مسبوقة تزيد من حدة الاحتقان المجتمعي.  

المقاومة المنظمة وحتمية التغيير الداخلي
في مقابل استعراضات القوة المصطنعة، ومحاولات الالتفاف على الأزمات بعد هلاك القيادات العليا، تشهد المدن الإيرانية؛ تصاعداً ملحوظاً في نشاطات المقاومة الإيرانية ووحداتها الميدانية التابعة لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية.

تؤكد تقارير المنظمات الحقوقية المستقلة أن تكثيف حملات الإعدامات والاعتقالات التعسفية لا يعكس سوى هلع السلطة من تنامي الرفض الشعبي واتساع رقعة الحراك المناهض للديكتاتورية الدينية. هذا الحراك المتصاعد يبرهن على أن الحل الحقيقي لا يكمن في حروب مدمرة ولا في صفقات استرضاء عابرة، بل في دعم حق الشعب الإيراني في تقرير مصيره وإسناد المقاومة المنظمة باعتبارها البديل الديمقراطي الضامن للأمن والسلم الإقليميين وحسن الجوار، بما يمهد الطريق نحو استقرار مستدام في الشرق الأوسط.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى