مقالات

مازوشيّتنا….وساديّة جلادينا…

د. محمد الحسامي/ اليمن
خاص “المدارنت”..
باختصار شديد وموجز، وكروؤس أقلام وعناوين، ومن وجهة نظري ونظرتي الشخصية الخاصة المتواضعة، ومن دون الدخول في جدلية التعاريف المختلفة لظاهرتيّ المازوشية المجتمعية للمجتمعات البشرية، أفرادا ومكونات مختلفة، خاصة وعامة، والسادية التسلطية والسّطوية للمتسلّطين (الجلادين)، أنظمة وحكاما، ومن سار على دربهم وعاونهم (أعوان الجلادين)، لغوية كانت تلك التعريفات المختلفة أم اصطلاحية أم نفسانية، فإن ظاهرتيّ المازوشية والسادية قديمة، قدم المجتمعات البشرية منذ بدايتها وحتى وقتنا الحاضر..
الظاهرتان لا تقتصران فقط على رأس الهرم السلطوي التسلّطي والمحكومين من قبله، بل تتعدىان ذلك لتشمل الأسرة (الزوج والزوجة، الأباء والأبناء)، والعائلة، لتصل عموديا إلى رأس الهرم السلطوي التسلّطي، وأفقيا إلى جميع المكوّنات المختلفة لتلك المجتمعات؟
وهما لا تقتصران فقط على الشأن أو الجانب السياسي، بل تتعديان ذلك لتشملا جميع المجالات والمناحي الحياتية المختلفة للمجتمع، اجتماعية وثقافية، دينية كانت أم غير دينية.
على سبيل المثال لا الحصر، تظهر تلك المازوشية واضحة للعيان عندما تحتشد تلك القطعان البشرية المجلودة، وبكميات وأعداد وفيرة وضخمة، طوعا وطواعية، لتشييع جلاديهم. وتذرف الدموع عليهم بحرقة وألم شديدين، ومن ثم تنصيب جلادا جديداً.. فإذا كان ذلك الجلاد الجديد عند مستوى المسؤولية والقدرة الجلادية التي تفوق من سبقه من الجلادين، نسي المجلودون جلادهم السابق، وأثنوا ثناء حسنا وجيدا على جلادهم الجديد.
أما إذا كان الجلاد الجديد ليس عند مستوى المسؤولية والقدرة الجلادية كسابقه، فإنهم يتخلون عنه، ويتندرون عليه، ويشمتون به، ويستهزئون به، ويعتبرونه ضعيفاً، ولا يرقى إلى مستوى المسؤولية والقدرة والمقدرة الجلادية المناطة به والمطلوبه منه
فإذا كان إمتدادا وراثيا وإرثيا لسابقه.. قالوا عنه (النار لا تولد إلا الرماد)، ويظلون دوما يترحمون على جلادهم القديم ويثنون عليه ويشتاقون له، ويتمنون رجوعه، حتى يأتي جلاد جديد عند مستوى من التسلطية والسّطوية والقدرة والمقدرة الجلادية، ينسيهم إياه.
إذ أن التسلط والسّطوة والقدرة والمقدرة الجلادية للجلادين ودرجة مستواها تتناسب تناسبا طرديا مع درجة الإشباع المازوشي لدى المجلودين (المازوشيين)، وعندما تجتمع وتتجمع العطعان البشرية بمئات الآلاف والملايين في ساحة ما تهتف بحياة شخص ما، مهما كان ذلك الشخص، ومهما كانت انجازاته، فما البال إذا كان ذاقهم من الجلد الشيء المهين، فإن ذلك الشخص لا يسعه وقتئذ ولحظتئذ إلا أن يشعر بأنه في مصاف الألوهية، وبأن ذلك الجلد مرحب به من قبلهم ومستساخ.
كيف لذلك بألا يكون والنفس امارة بالسوء! فتلك الحشود.. قد خضعت لعملية ناجحة من غسيل الدماغ الجماهيري، وأصبحت فاقدة لذاتها وذاتيتها، متماهية تماهيا تاما معه، روحا ووجدانا وجسدا، ومن ثم فريسة سهلة وسريعة له… فهو الآمر الناهي وصاحب القول الفصل والوحيد.
لكن عندما ينهار ذلك الشخص، بفعل عوامل كثيرة متنوعة داخلية وخارجية، فبدلاً من أن تصح تلك القطعان البشرية وتعتبر ذلك وصمة عار في جبينها، وتتندر على فعلتها تلك وتتحسر، فإنها، وكنتيجة لمازوشيتها، تلك، تبحث لنفسها عن جلاد جديد يشبع تلك الرغبة المازوشية حيا وميتا.
أما سادية الجلادين، فتتجلى واضحة، وتظهر للعيان من خلال قيام أولئك الجلادين بممارسة أبشع الجرائم والعقاب تجاه وضد المجلودين، لكي تحدث فيهم وعليهم أشد العذابات والآلام والأوجاع والآهات والتأوهات العميقة في اجسادهم ونفسياتهم (مادية ومعنوية)، وكلما كانت تلك الآلام والمعانات أكثر ضجيجا وأشد إيلاما عند أولئك المجلودين، كلما تلذذ وتمتع أولئك الجلادون بساديتهم تلك، فهناك علاقة طردية بين تلك.. وتلك.
ومع مرور الوقت، وزيادة تلك الأفعال الوحشية التوحشية من قبل أولئك الجلادين تجاه وضد المجلودين، تصبح تلك المعانات والآلام والأوجاع أقل تأثيرا وأثرا على ولدى المجلودين، لأنهم وببساطة شديدة، قد تعودوا عليها، وأصبحوا مازوشيين لا يستطيعون العيش بدونها.
في هذه الحالة يشعر ويحسّ أولئك الجلادون بعدم الرضا عن أنفسهم، وبأن تلذذهم وتمتعهم بساديتهم تلك قد بدأت تخف، وينتابهم كمد وإكتئاب، لذلك فإنهم يغيرون من تلك الأساليب والآليات والطرق المتبعة قديما في إحداث تلك الآلام والمعانات، ويبتكرون أساليبًا وآليات وطرق جديدة تمسّ تلك الجوانب عند مجلوديهم التي لم تتعود بعد على تلك العذابات والآلام والأوجاع.
وهكذا دواليك، فالشخصية السادية لا تجد نفسها، ولا تشعر وتحس بلذتها ومتعتها الحقيقية! إلا برؤيتها لضحيتها تتألم وتتوجع ألما ووجعا شديدا، تلك السادية، تعتبر إحدى السمات والصفات لتلك الشخصية السلطوية التسلطية العدائية، بل جوهرها، حيث أن تلك الشخصية العدائية هي شخصية مريضة نفسيا وفقا لعلم النفس وتسمى “الشخصية السيكوباتية”.
وأخطر ما تتميز به هو احتقار الآخر والاستهانة به وانتهاك حقوقه، حيث ينطبق ذلك أيضا على تعاملها مع المجتمع وأخلاقياته، فهي دوما أول من ينتهك تلك الأخلاقيات، بل إنها تتلذذ وتتمتع بما تقوم به من أفعال إجرامية بحق الفرد والمجتمع. فهي شخصية لا أخلاقية، ولا تلتزم بأي معيار أخلاقي، سماويا كان أم أرضيا، فرديا أسريا عائليا كان أم اجتماعيا مجتمعيا، وطنيا كان أم قوميا، وتستخدم كل الأساليب والآليات والطرق الغير أخلاقية في سبيل حصولها على لذتها ومتعتها تلك (السادية)، بل تشرع وتشرعن لنفسها ولساديتها تلك، وتجد من يؤيدها ويساندها ويدعمها في ذلك، وتلك، وأخطر تلك الشرعنة والشرعية، هي تلك الشرعنة والشرعية الدينية!
حيث يصف بعض جوانبها وسماتها وصفاتها صديقنا العزيز أمير الحروف الشاعر المبدع والمتألق دوما وأبدا هشام ذياب المصعدي بقوله: هي الشخصية التي تستخدم كل قدراتها بطاقتها القصوى في ردود أفعالها، ولكنها لا تستخدم ما نسبته 10% من تلك القدرات والطاقات في الأفعال، التي يجب عليها أن تقوم بها ـ ولذلك هي شخصية تدمر أكثر مما تبني وتعتبر المنصب القيادي هو إستحقاقٌ لها، مقابل ما قامت به من التدمير باعتباره أعلى درجات النضال وتعتبر تقصيرها في البناء أمراً مبرراً لأنها تمتلك تاريخاً نضالياً لا يمتلكه سواهان وبالتالي، فهي شخصية ثأرية وليست ثورية فالثورة تقوم من أجل البناء وليس من أجل التدمير وإن كان الهدم أمراً لا بد منه فهو عبارة عن مرحلة بسيطة من مراحل البناء، إنه الموروث التسلطي الاستبدادي الاستعبادي.
إن مازوشيتنا، من عدم تقديرنا لأنفسنا وضعفنا وساديتهم، من تأليهنا لهم والقبول طواعية بما يقومون به تجاهنا والتسليم الطوعي لهم، إنهما ليستا قضاءا وقدرا جبريين إلهيين لا مناص من الشفاء منهما..تمرد.. تمرد.. تمرد… فما عاد غير التمرد..رريجدي وما عاد غير التمرد.. ينفع.
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى