ماكرون في سوريا.. عشاء في دمشق القديمة وجولتان في الجامع الأموي وقاسيون

“المدارنت”
استقبلت دمشق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في أول زيارة لرئيس فرنسي إلى سوريا منذ 17 عاماً، والأولى لزعيم من دول مجموعة السبع منذ سقوط نظام الأسد.
تأتي الزيارة، التي يرافق فيها ماكرون وفد يضم مستثمرين وممثلي شركات فرنسية، وسط رهانات متبادلة على فتح صفحة جديدة من التعاون السياسي والاقتصادي، في وقت تتقاطع فيه ملفات إعادة الإعمار، والاستثمار، والتحولات الإقليمية، مع مساعي باريس لاستعادة دورها في الشرق الأوسط عبر البوابة السورية، وسط تساؤلات حول مسألة الجهاديين الفرنسيين.
وعقب وصوله الى العاصمة السورية، زار ماكرون والرئيس السوري أحمد الشرع، أحد مطاعم دمشق القديمة، ثم تجولا معاً، بعدما خلع كلاهما سترته الرسمية، في الجامع الأموي الشهير.
وعلى سجل كبار الزوار في الجامع، كتب الرئيس الفرنسي: “في هذه الأيام التي يكتنفها الغموض في المنطقة، تنهض سوريا مجدداً بفضل شعبها ومن خلاله، عبر وحدتها وتطلعها إلى المستقبل. وتقف فرنسا إلى جانبها”.
واختتم الرئيسان يومهما بالتوجه معاً في سيارة واحدة إلى جبل قاسيون الذي يوفّر إطلالة على دمشق.
إنهاء القطيعة
ويرى الباحث السياسي، أيمن دسوقي، أن الزيارة لا تقتصر على كونها محطة دبلوماسية عادية، بل تعكس تحولاً في المقاربة الفرنسية تجاه سوريا والمنطقة، في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة، كما تحمل أبعاداً سياسية واقتصادية تتجاوز العلاقات الثنائية إلى إعادة تموضع باريس في معادلات الشرق الأوسط.
وقال لـ”القدس العربي” إن الزيارة تعد الأولى من نوعها لرئيس غربي منذ سقوط نظام الأسد، كما أنها تنهي سنوات طويلة من القطيعة السياسية بين باريس ودمشق التي فرضتها تداعيات اندلاع الثورة السورية والموقف الفرنسي من النظام السابق.
أضاف: “هذه الزيارة تأتي أيضاً في توقيت إقليمي شديد الحساسية، يتزامن مع الحرب على إيران وما أفرزته من تداعيات على أسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية، إلى جانب استمرار تعقيدات ملف نزع سلاح حزب الله، وتصاعد الاندفاعة الإسرائيلية، واتساع النقاش حول الدور الذي يمكن أن تضطلع به سوريا في لبنان وحدود هذا الدور خلال المرحلة المقبلة”.
وحسب دسوقي، فإن هذه المعطيات مجتمعة تعكس تبني فرنسا سياسة أكثر واقعية في التعامل مع المنطقة، تقوم على الانخراط عبر مؤسسات الدولة السورية، بدلاً من التعاطي مع القوى والأطراف السورية المختلفة كما كان الحال خلال السنوات الماضية، وذلك بهدف استعادة دور فرنسي مؤثر في معادلات الشرق الأوسط، ولا سيما في الملف اللبناني.
رهانات الاقتصاد والسياسة
ويشير إلى أن البعد الاقتصادي يشكل أحد أهم دوافع الزيارة، إذ تسعى باريس إلى ضمان موطئ قدم للشركات الفرنسية في التحولات الاقتصادية المنتظرة في المنطقة، سواء في قطاع الطاقة أو النقل والخدمات اللوجستية أو مشاريع إعادة إعمار سوريا، لافتاً إلى أن الرئيس الفرنسي يحاول استثمار المزايا التنافسية التي تمتلكها الشركات الفرنسية، ولا سيما في قطاعي النقل والخدمات اللوجستية، لضمان حصولها على حصة من عقود الاستثمار المرتقبة ضمن مشاريع إعادة هيكلة الاقتصاد الإقليمي.
ويرى أن اصطحاب ماكرون وفداً يضم مستثمرين وممثلين عن شركات فرنسية يمنح هذه الشركات ثقلاً سياسياً إضافياً خلال المفاوضات مع دمشق، ويعزز فرص دخولها إلى السوق السورية، مستبعداً أن تقتصر الزيارة على رسائل سياسية فقط، إذ يرجح أن تشهد توقيع اتفاقيات تشكل جزءاً من إطار أشمل لتنظيم العلاقات بين البلدين خلال المرحلة المقبلة.
وفي المقابل، يعتقد دسوقي أن دمشق تنظر إلى فرنسا باعتبارها بوابة رئيسية لتعزيز حضورها على الساحة الأوروبية، بالنظر إلى الثقل الذي تتمتع به باريس في التأثير على سياسات الاتحاد الأوروبي، ولا سيما في الملفات المرتبطة بعودة اللاجئين وإعادة الإعمار، فضلاً عن أن توسيع شبكة الشراكات الدولية يمنح سوريا هامشاً تفاوضياً أوسع في إدارة علاقاتها مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية.
أضاف: إن بناء تفاهمات مع فرنسا من شأنه أيضاً أن يعزز قدرة دمشق على الحركة والمبادرة في الملف اللبناني، إلى جانب توجيه رسالة إلى القوى المسلحة أو الجهات غير المنضوية بالكامل تحت سلطة الدولة، والتي ما تزال تنشط داخل سوريا أو تحتفظ بحسابات خاصة، مفادها أن الرهان على دعم قوى دولية، وفي مقدمتها فرنسا، لم يعد خياراً واقعياً في ظل التحولات الجارية، وهو ما قد يدفع تلك القوى إلى إعادة تقييم حساباتها السياسية.
ويخلص دسوقي إلى أن فرنسا تسعى إلى العودة بقوة إلى معادلات الشرق الأوسط عبر البوابة السورية، انطلاقاً من بناء تفاهمات سياسية واقتصادية مع دمشق، باعتبار أن مثل هذه التفاهمات تفتح المجال لاحقاً لمعالجة الملفات الأمنية الأكثر تعقيداً ضمن إطار من الحوار والتنسيق بين الجانبين.
دمشق تستعيد حضورها
وفي السياق ذاته، يتفق الباحث السياسي د. أحمد هواس مع الطرح الذي يربط الزيارة بسعي فرنسا لاستعادة دورها في المنطقة، لكنه يضيف إليها بعداً تاريخياً يرتبط بالإرث الفرنسي في سوريا، معتبراً أن هذه الخلفية تجعل الزيارة تتجاوز إطاريها السياسي والاقتصادي إلى إعادة صياغة العلاقة بين البلدين بعد مرحلة طويلة من القطيعة.
وقال لـ“القدس العربي” إن الزيارة تكتسب أهمية كبيرة من عدة زوايا، وفي مقدمتها البعد التاريخي للعلاقة بين البلدين، إذ خضعت سوريا للانتداب الفرنسي بين عامي 1920 و1946، وكانت فرنسا صاحبة الدور الأبرز في رسم الحدود الجيوسياسية للدولة السورية الحديثة، بعد أن قسمت البلاد إلى عدد من الكيانات قبل أن تعيد توحيدها ضمن الدولة السورية بصيغتها المعروفة.
أضاف: “إن الحضور الفرنسي في سوريا ليس وليد المرحلة الراهنة، بل يمتد إلى عقود طويلة، إذ نظرت باريس تاريخياً إلى سوريا بوصفها جزءاً من مجالها الثقافي والفرنكوفوني، كما أن الموقع الجيوسياسي الذي تتمتع به سوريا جعلها على الدوام محط اهتمام القوى الدولية الكبرى الساعية إلى تثبيت نفوذها في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية”.
ويرى أن زيارة ماكرون، بصفته رئيساً لإحدى دول مجموعة السبع، وبرفقته وفد يضم مستثمرين وممثلين عن شركات فرنسية، تعكس بوضوح رغبة باريس في استعادة جزء من نفوذها في المنطقة، وبناء علاقة جديدة مع الدولة السورية، مشيراً إلى أن الاقتصاد سيكون المدخل الرئيسي لهذه العودة، ولا سيما بعد رفع العقوبات وبدء الحديث عن فرص الاستثمار وإعادة الإعمار.
مرحلة جديدة
وتابع أن فرنسا تنظر إلى نفسها بوصفها دولة كبرى تمتلك القدرة على أن تكون شريكاً رئيسياً في مرحلة إعادة إعمار سوريا، سواء من خلال الشركات الفرنسية أو عبر المشاركة في المشاريع الاقتصادية الكبرى، إلى جانب بناء مستوى متقدم من التنسيق السياسي والأمني مع دمشق، بما يخدم مصالح الطرفين في المرحلة المقبلة.
ويخلص إلى أن مجمل هذه المؤشرات تعكس تحولاً في موقع سوريا على الساحة الدولية، معتبراً أن استقبال دمشق لرئيس دولة بحجم فرنسا، وما يرافق الزيارة من اهتمام سياسي واقتصادي، يؤشر إلى أن سوريا بدأت تستعيد تدريجياً حضورها في المجتمع الدولي، وأنها مرشحة للعب دور أكثر تأثيراً في محيطها الإقليمي وفي النظام الدولي خلال المرحلة المقبلة.
في السياق، اعتبر الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، عابد فضلية، أن هذا التعاطي السياسي العالي المستوى تجاه سوريا الجديدة سيترك أثره الإيجابي بالتأكيد على بيئة الاستثمار الناشئة، مؤكداً أن زيارة أي رئيس دولة هي مؤشر اقتصادي مهم، إلى جانب الدلالات السياسية طبعاً، وربما ماكرون هو الرئيس الغربي الأول الذي يصل دمشق، لكنه بالتأكيد لن يكون الأخير طالما أن سوريا تعمل ضمن منظومة دولية متوازنة.
وقال إن الزيارة تحمل قيمة معنوية ومادية كبيرة وستنعكس إيجاباً على الاقتصاد المحلي وتشكل مؤشراً لباقي الدول الأوروبية والعالم لحث خطاها باتجاه تطوير العلاقات مع دمشق والمباشرة لضخ الاستثمارات الأوروبية عموماً والفرنسية على وجه الخصوص.
وبيّن أن من بين أهم القطاعات الاقتصادية التي يمكن أن تساهم فرنسا ومستثمروها في المشاركة فيها ضمن عملية إعادة إعمار سوريا هي قطاعات البنية التحتية والنفط وبعض الصناعات الثقيلة غير الموجودة في سوريا، مرجحاً أن تدفق هذه الاستثمارات قد تحتاج إلى شهور وربما أكثر، مؤكداً أن باب التعاون السياسي والاقتصادي بين البلدين قد فتح على مصراعيه عبر زيارة ماكرون إلى دمشق لإعادة إحياء علاقات تاريخية تمتد إلى نحو 90 عاماً وتتميز بوجود نوع من “كيمياء تواصل” بين الدولتين والشعبين.
ولفت الى أن سعي فرنسا اليوم للدخول بالاستثمار في قطاع النفط الحيوي في سوريا لن تواجهه عقبات من شركات أمريكية سبقتها.
وقال إن قطاع النفط لا يمكن حصره في مصفاة نفط هنا أو أنبوب يصل بين منطقتين، وإنما يمثل شبكة من الاستثمارات، وإن دخلت شركات أمريكية في أماكن محددة، فما زالت هناك فرص استثمارية في أماكن أخرى، وهذا يخلق نوعاً من التنافس قد ينعكس إيجاباً على الاقتصاد السوري، وبما يعني ربما توزيع فرص الاستثمار على الدول الراغبة بالعمل في سوريا.
وأوضح أن المؤشرات تؤكد بأن سوريا بدأت تستعيد علاقاتها الطبيعية مع الغرب على خلاف القطيعة التي سار عليها النظام السابق ورفع خلالها شعار التوجه شرقاً.
وذكر أنه “رغم إعلان نظام الأسد التوجه شرقاً إلا أنه فعلياً لم يتوجه لا شرقاً ولا غرباً، ولم يكن لطرحه هذا أي علاقة بالمنطقية أو العقلانية، باعتبار أن طبيعة العلاقات الثانية والاقتصادية على أرض الواقع هي من تحدد عمليات التوجه أكثر من المواقف الإعلامية والتصريحات السياسية”.
وتابع: “منذ بداية عهد الإدارة الحالية الجديدة للبلاد، ظهر نوع من الكيمياء الإيجابية مع جميع دول العالم ذات السياسة المنسجمة مع السياسية السورية من دون أن يعني ذلك ضرورة أن تكون سياسات متطابقة”، مؤكداً أن المبادرة الفرنسية تجاه إدخال شركاتهم إلى سوريا لا يعني قطع الطريق على شركات دول أخرى، بل ما سيجري هو أن تأخذ كل دولة جزءاً من عملية إعادة الإعمار.
فرصة تاريخية
في حين، أكد رجل الأعمال ونائب رئيس غرفة تجارة دمشق سابقاً، بشار نوري، في حديث الى ”القدس العربي”، أ، الزيارة فرصة تاريخية لفتح صفحة جديدة من الشراكة الاقتصادية بين البلدين.
وقال إن فرنسا ليست مجرد دولة صديقة، بل قوة صناعية تمتلك خبرات عالمية في النقل والسكك الحديدية، والطاقة المتجددة، وإدارة المياه، والصناعات الدوائية، والطيران، والاتصالات، والمدن الذكية، والسياحة، وهذه قطاعات تحتاجها سوريا اليوم لبناء اقتصاد حديث وقوي.
وناشد نوري، المتنقل حالياً بين الولايات المتحدة وسوريا، رجال الأعمال الفرنسيين بالإسراع للاستثمار في سوريا اليوم، وقال: “أنتم لا تدخلون سوقاً لإعادة الإعمار فحسب، بل تدخلون أحد أكثر الأسواق الواعدة في المنطقة، بما تمتلكه من موقع استراتيجي وموارد بشرية وفرص استثمارية كبيرة”، مؤكداً أن نجاح الشركات الفرنسية في سوريا سيكون نجاحاً للطرفين، وسط آمال لتشكل الزيارة بداية تحالف اقتصادي حقيقي، ينقل ويوطن التكنولوجيا والخبرة، ويخلق فرص العمل، ويُسهم في بناء سوريا العظمى.
ملف “الجهاديين”
وإلى جانب تطوير العلاقات الثنائية على المستوى الاقتصادي، فإن زيارة ماكرون إلى دمشق تركز على ملف الجهاديين الفرنسيين في سوريا.
وذكر الباحث المختص بشؤون الجماعات الراديكالية، ثائر موسى الحجي، أن هذا الملف هو من أبرز الملفات الحاضرة على طاولة الحوار والمفاوضات بين الحكومة السورية والفرنسيين، باعتباره شكل حالة من القلق منذ بداية وجود المقاتلين الأجانب في سوريا، وكان عدد كبير منهم من حملة الجنسية الفرنسية.
وأوضح الحجي، في تصريح لـ”القدس العربي”، أن الملف ينقسم بين فئتين من الجهاديين، الأولى كانت تحت جناح تنظيم “الدولة الإسلامية”، والأخرى قاتلت مع “هيئة تحرير الشام” في شمال غرب البلاد ضد نظام الأسد، مؤكداً أن الملف ظل حاضراً في كل جلسات مفاوضات إعادة دمج “قوات سوريا الديمقراطية- قسد” ضمن الجيش السوري وإعادة مد سيطرة الدولة على جميع مناطق شمال شرق سوريا.
ولفت الى أنه في ما يتعلق بالجهاديين الفرنسيين ضمن “تنظيم الدولة”، وعائلاتهم ممن كانوا في سوريا، قد أغلق، إما عبر نقلهم إلى العراق، أو بعودة قسم منهم إلى فرنسا، وتم تجاوز هذا الإشكال تحديداً بعد انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش.
وتابع بشأن بقية الجهاديين الفرنسيين الذين كانوا يعملون مع “هيئة تحرير الشام” ضد نظام الأسد: إن الملف يرتبط هنا بتقديرات تتحدث عن نحو 200 فرد بمن فيهم عائلاتهم، وهؤلاء أكثر من فئة أيضاً، فبعضهم، وعددهم ليس بالكبير، وربما عشرات، اندمجوا فعلاً ضمن صفوف ألوية الجيش السوري الجديد، ولا يشكلون أي مشكلة سواء لباريس أو لدمشق، أما المشكلة فتكمن في المتشددين من الجهاديين الذي يرون أنه حتى جلوس الحكومة السورية على طاولة المفاوضات مع الفرنسيين هو أمر يدعوهم إلى تكفير هذه الحكومة والخروج عن طاعتها ونكس مبايعتهم السابقة لهيئة تحرير الشام.
أضاف: “هؤلاء هم المشكلة باعتبارهم لا يرغبون بالانضمام إلى الحكومة السورية والانصياع لأوامر وزارة الدفاع، والحل معهم هو في ترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية، الأمر الذي سيخلق بدوره مشكلة للحكومة الفرنسية”، موضحاً أنه يتحدث هنا عما تسمى بـ”فرقة الغرباء” التي يقودها عمر أومسن، ويتمركزون قرب مدينة حارم شمالي إدلب.
إغلاق الملف
وأكد الحجي أن خيار بقاء الجهاديين ضمن الأراضي السورية، إن عبر إدماجهم بعد منحهم الجنسية ضمن صفوف الجيش السوري أو تركهم السلاح وممارسة الحياة المدنية مع عائلاتهم، هو حلّ يريح الحكومتين السورية والفرنسية، ولكن هناك من لا يرغب بهذا الحل، ويقدر عددهم مع عائلاتهم بنحو 100 فرد تقريباً.
ولفت الى أن تعاطي الحكومة السورية مع المقاتلين الأجانب لم تعد خافية على أحد، فهي تقول لهم إما تعيشون بسلام من دون ممارسة أي نشاط سياسي أو عسكري داخل سوريا ضد أحد، أو سنضطر إلى اعتقالكم، وهي بذلك تحاول إغلاق هذا الملف بشكل نهائي والمباشرة بعلاقات جديدة مع الدول الأخرى.



